تقارير

الهدنة في اليمن.. من حالة الانتظار إلى لحظة الاختبار

03/10/2022, 09:20:40
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد - خاص
بعد انتهاء الهدنة في اليمن، تتزايد الضغوط الدولية لتمديدها ستة أشهر إضافية، رغم أنه منذ بداية الهدنة لم تتحقق انفراجات أو إشارات تهدئة تشجع على تمديد الهدنة والتعويل عليها لإنهاء الحرب والحل السياسي للأزمة، فالمسافات الفاصلة والتفاعلات بين مختلف أطراف الصراع ظلت كما كانت قبل الهدنة، باستثناء توقف غارات التحالف السعودي الإماراتي على مواقع مفترضة لمليشيا الحوثيين، وتوقف هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية، في حين استغلت المليشيا الحوثية الهدنة لتعزيز مواردها المالية وحشد مجندين جدد والعروض العسكرية وابتزاز الجميع للحصول على مزيد من المكاسب مقابل الموافقة على تمديد الهدنة.
 
وفور انتهاء الهدنة، رفعت مليشيا الحوثيين سقف مطالبها وتقدمت بشروط جديدة مقابل موافقتها على تمديد الهدنة، وطالبت شركات النفط العاملة في السعودية والإمارات بالمغادرة، كما شنت هجمات على مواقع الجيش الوطني في جبهات مأرب والجوف وتعز، ومجمل تلك التحركات تعكس ابتزاز المليشيا للجميع واستغلال الظرف الدولي الراهن لحصاد المزيد من المكاسب مقابل الموافقة على تمديد الهدنة.
 
- أنانية المجتمع الدولي
 
لعل أهم ما كشفته الهدنة، خلال الأشهر الستة الماضية، أنانية المجتمع الدولي وتعامله مع الأزمة اليمنية من منظور مصالح الدول الكبرى وليس مصلحة الشعب اليمني الذي يعاني من ويلات الحرب منذ ثماني سنوات، فالمجتمع الدولي لم يعمل لتنفيذ هدنة إنسانية في اليمن منذ بداية الحرب والتدخل العسكري الأجنبي في البلاد، ولم تبذل الدول الكبرى والأمم المتحدة جهودا مثمرة لحلحلة الأزمة اليمنية ولو جزئيا، أو على الأقل الضغط على الأطراف الرئيسية لتجنيب المدنيين الهجمات بمختلف الأسلحة، فضلا عن العجز في حسم ملف المعتقلين السياسيين في سجون مليشيا الحوثيين ومليشيا المجلس الانتقالي كملف إنساني، لكن تداعيات حرب روسيا على أوكرانيا وأزمة الطاقة جعلت الدول الكبرى تهرع لفرض هدنة في اليمن وبذل جهود دؤوبة لتمديدها لأجل حماية أمن الطاقة وتأمين المصادر البديلة للغاز الروسي، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء شديد البرودة في أوروبا.
 
وليس مستبعدا أن الدول الكبرى قد تشن هجمات على مواقع مليشيا الحوثيين في حال غامرت المليشيا وشنت هجمات على مواقع حساسة في السعودية تؤثر على أمن الطاقة أو تهدد مصالح الدول الكبرى، كما حدث عندما قصف الجيش الأمريكي، في 13 أكتوبر 2016، ثلاث منصات رادار لمليشيا الحوثيين على ساحل البحر الأحمر، إثر تهديد المليشيا للملاحة الدولية وإطلاق صواريخ على المدمرة الأمريكية "يو إس إس ماسون" وسفن أخرى في جنوبي البحر الأحمر، حسب بيان للجيش الأمريكي حينها.
 
وتتجلى أنانية المجتمع الدولي أيضا في أنه لم يعمل على إنهاء الحرب في اليمن بأي وسيلة، وبالتالي تأمين المصالح الدولية في المنطقة بشكل دائم، بيد أن ما يحدث يعني أنه يُراد تحقيق هدنة مؤقتة تعود بعدها حالة الصراع إلى طبيعتها حتى تحقيق الأهداف المرجوة لدول إقليمية احتكرت إدارة الملف اليمني والعبث به، في حين يقف المجتمع الدولي في موقف المتفرج، ولم تهرع الدول الكبرى للعمل على تمديد الهدنة إلا حرصا على مصالحها، بدليل أن التحركات الأخيرة لتمديد الهدنة لم يلحظ اليمنيون تحركات مشابهة لها لوقف الحرب أو خفض حدة الصراع منذ ثماني سنوات.
 
- الهدنة كحالة انتظار
 
في ظل الوضع المعقد في اليمن المتمخض عن الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأزمة بفعل مكائد ومؤامرات التحالف السعودي الإماراتي، وفي ظل الصعوبات التي تواجه كل طرف من الأطراف المحلية والأجنبية لفرض رؤيته أو تسريع وتيرة الأحداث لصالحه، ولأن الخيارات أمام اليمنيين للتخلص من مليشيا الحوثيين ومن هيمنة التحالف السعودي الإماراتي تبدو صعبة التنفيذ حاليا وغير واقعية، جراء الانقسامات السائدة وتداخل الملفات الأمنية بالملفات السياسية وتعقيدات التوازنات على الأرض وعسكرة السياسة وتسييس الجيش الرسمي والمليشيات، بدا للأمم المتحدة والدول الكبرى أن "الهدنة" هي الخيار الوحيد القابل للتنفيذ والتمديد ولو مؤقتا بصرف النظر عن هشاشته أو ما سيفرزه من نتائج لصالح القضية اليمنية.
 
فالدول الكبرى ترى أن الأهم في هذه اللحظة هو تهدئة بؤر التوتر والنزاع التي قد تؤثر على إمدادات الطاقة ومصالح الدول الكبرى، لا سيما أن أطراف الصراع في اليمن مستعدة في الظرف الحالي للهدنة أيضا، فمليشيا الحوثيين تريد هدنة تستغلها في تعويض خسائرها المادية والبشرية الناجمة عن معركتها للسيطرة على محافظة مأرب، وتريد تحقيق مزيد من المكاسب بمجرد الموافقة على الهدنة دون تقديم أي تنازلات، والتحالف يريد هدنة لهندسة مهام وتنازلات مجلس القيادة الرئاسي خصوصا ما يتعلق بالتمكين للانفصاليين على الأرض وفي المناصب الكبرى، فضلا عن الحاجة لتعزيز أمن الطاقة وحماية المصالح التجارية، وأما ما بقي من هياكل للسلطة الشرعية وحلفائها فهم يعانون من ضغوط اللحظة الآنية وارتباكاتها وبحاجة لهدنة لالتقاط الأنفاس واستيعاب ما الذي يحدث، بصرف النظر عن مدى القدرة على المبادرة باتخاذ قرارات أو خطوات معينة خارج إرادة الرياض وأبو ظبي.
 
وفي ظل هكذا وضع معقد تبدو الهدنة كحاجة دولية أكثر منها حاجة يمنية، بل فالهدنة بصيغتها خلال الأشهر الماضية تعد خارج استحقاقات المرحلة التي يمر بها اليمنيون، وهناك ترقب وقلق لما بعد انتهاء الهدنة، أي أن الهدنة التي تزعم الأمم المتحدة بأنها ستؤسس لحل سياسي شامل في اليمن، لا تعدو كونها مجرد فخ جديد للحرب ولمساعي السلام معا حسب المعطيات على الأرض، فالهدنة منحت المليشيا الحوثية الفرصة للاستعداد لدورة عنف أبشع مما سبق، ومنحت مليشيا المجلس الانتقالي والتحالف السعودي الإماراتي الفرصة لمواصلة تصفية السلطة الشرعية ومراكمة المكاسب لصالح مشروع الانفصال، ففقدت الهدنة صفتها وتحولت إلى "حالة انتظار" يترقب الجميع بقلق ما الذي سيحدث بعد انتهائها.
 
- لحظة الاختبار
 
وسواء تم التوافق على تمديد الهدنة بعد انتهائها أم لا، ففي كل الأحوال تعد اللحظة الحالية لحظة اختبار للجميع، فمثلا، هل مليشيا الحوثيين لن توافق على تمديد الهدنة وستمضي في الخيار العسكري الذي ظلت تلوح بالعودة إليه طوال الأشهر الستة الماضية، أم أنها ستوافق على تمديد الهدنة وتتراجع عن شروطها التعجيزية للموافقة على ذلك؟ وما هي الإجراءات التي ستتخذها الدول الكبرى ضد مليشيا الحوثيين إذا رفضت تجديد الهدنة وبدأت بتهديد مصادر الطاقة؟ وهل مجلس القيادة الرئاسي مستعد لتقديم تنازلات جديدة لمليشيا الحوثيين مقابل موافقتها على تمديد الهدنة استجابة للضغوط الخارجية؟ وما دور السعودية والإمارات في مسألة تمديد الهدنة والاستجابة لمطالب الحوثيين للموافقة على ذلك؟
 
تبدو مليشيا الحوثيين الطرف الوحيد المتعنت بشأن تمديد الهدنة في ظل توافق جميع الأطراف الأخرى على تمديدها، لكن ذلك التعنت لا يعدو كونه مجرد مناورة في المنطقة الرمادية، لأن المليشيا أيضا بحاجة لتمديد الهدنة وتحقيق الاستفادة القصوى منها، وتلوح بالعودة للخيار العسكري كوسيلة للابتزاز، لكنها بذلك وضعت نفسها في موقف حرج واختبار صعب، فالموافقة على تمديد الهدنة والتراجع عن شروطها مقابل ذلك يعني أنها ما زالت في حالة ضعف، وإذا لم توافق على تمديد الهدنة فإن أي عملية عسكرية كبيرة ستخوضها ستكون معركة انتحارية بعد فشلها في معركة السيطرة على مأرب وطردها من ثلاث مديريات بمحافظة شبوة ومن مواقع عدة في جبهات تعز وحجة، كما أن أي هجمات على مصادر الطاقة في السعودية وتهديد الملاحة الدولية عبر الأحمر سيكون الرد على ذلك عنيفا ومؤلما، وقد تكتفي المليشيا بشن معارك محدودة في بعض جبهات الداخل حتى يتبلور وضع جديد.
 
وفي حال وافق المجلس الرئاسي والتحالف السعودي الإماراتي على الاستجابة لمطالب مليشيا الحوثيين مقابل موافقتها على تمديد الهدنة، فهذا سيغري مليشيا الحوثيين بالتمادي أكثر في المرحلة المقبلة لرفع سقف المطالب والتشدد في الاشتراطات، كما أنه كلما طالت مدة الهدنة ستزيد المليشيا الحوثية من حشد وتدريب مقاتلين جدد وتطوير أسلحتها وتهريب أسلحة جديدة من إيران، وهذا يعني أنه كلما طالت مدة الهدنة ستكون عواقبها أكثر على الشعب اليمني، وسيدفع المجلس الرئاسي والسعودية والسلطة الشرعية وحلفائها ثمن توالي تمديد الهدنة مستقبلا، أي أن المحصلة النهائية للهدنة ستكون كارثية بكل المقاييس.
 
وما يغري مليشيا الحوثيين بالتشدد في مطالبها وتصعيد لهجتها وتهديداتها، أن ذلك يُقابل بمحاولات تعليق تلك المطالب وليس التشدد في مطالب واشتراطات مقابلة ومواجهة التصعيد بخطاب تصعيدي مضاد، وما زالت الإشارات السلبية القادمة من المحيط الإقليمي تشجع مليشيا الحوثيين على التشدد ورفع سقف مطالبها، وأيضا فالعلاقات المحتقنة بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي تغري الحوثيين باستمرار التصعيد والتلويح بالعودة للخيار العسكري.
 
- الهدنة وجوهر المشكلات
 
لقد تحولت الهدنة إلى عقبة، فتمديدها مشكلة، وعدم تمديدها أيضا مشكلة، والسبب الجوهري في ذلك أنه لا توجد حلول تلامس جوهر المشكلات، فجميع الملفات مطوقة بعقد مستحكمة، وأي إشارات إيجابية يوجد في ثناياها ألغام قابلة للانفجار من الداخل أو التفجير من الخارج، ولا يوجد ملف قابل للتسوية النهائية لتتبعه تسويات في بقية الملفات، مثل ملف الوحدة والانفصال، ومصير الحوثيين ونفوذ إيران في اليمن، وإشكالية دور السعودية والإمارات وتواجدهما العسكري في البلاد، ومصير المليشيات التابعة لهما، وملامح المرحلة الانتقالية المقبلة، ودور الأحزاب السياسية، والمستقبل السياسي لعائلة الرئيس الأسبق علي صالح، وغير ذلك.
 
وفي ظل التعقيدات القائمة، تبدو الهدنة بلا جدوى، ولا يمكن البناء عليها لتحقيق حل سياسي، لأنه من الصعوبة إيجاد حلول تضمن لجميع الأطراف حماية مكاسبها، لا سيما أنه ليس لديها مظلات حمائية دائمة، ويزيد الطين بلة الدور الخارجي متعدد الأهداف، ولم يتبلور بعد موقف شعبي حاسم، وهكذا تتكامل الصورة للمشهد اليمني فتبدو شديدة القتامة، والخلاصة هي أنه لن يحسم اليمنيون أمرهم إلا في حال تحييد العامل الخارجي تماما، وما عدا ذلك ستظل الأوضاع تمضي نحو الأسوأ، سواء تم تمديد الهدنة أم لا.
تقارير

نقص الدواء ونفاد المحاليل.. خطر يهدد حياة مرضى الفشل الكلوي في اليمن

بين الحين والآخر، تتعالى نداءات استغاثة عاجلة لإنقاذ مرضى الفشل الكلوي في اليمن جراء نقص الدواء ونفاد محاليل الغسيل، علما أن بقاء حياة هؤلاء المرضى مرتبط بقدرتهم على الوصول إلى مراكز غسيل الكلى التي تواجه شبح الإغلاق من وقت لآخر.

تقارير

هكذا يعيش أطفال اليمن في مواجهة مباشرة مع ألغام الموت التي زرعتها مليشيا الحوثي

يعيش الأطفال في اليمن تحت التهديد اليومي بسبب الألغام التي زرعتها الميليشيات الحوثية والتي باتت تشكل واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد حياة اليمنيين، وفي مقدمتهم الأطفال حيث تزداد أرقام الضحايا المدنيين بسبب انفجار تلك الألغام رغم جهود التطهير المستمرة والتي كان آخرها نزع الفرق الهندسية المختصة 700 لغم خلال الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر الحالي فقط.

تقارير

انهيار التعليم.. طلاب أرياف اليمن في مهبِّ الضياع

تقطع الطالبة هبة عبدالكريم (8 أعوام) مسافة تقارب الستة كيلو مترات يومياً للوصول إلى المدرسة الوحيدة في قريتها في مديرية الشمايتين جنوب تعز، لكنّ الرحلة الطويلة بالنسبة لسنّها لا تنتهي دائما بالعودة ظافرة بالقليل من حصتها من التعليم في ظل الانهيار شبه الكلي، الذي يشهده قطاع التعليم الحكومي منذ بداية الحرب قبل ثماني سنوات.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.