تقارير
اليمن أكبر من مجرد الإرهاب والعنف السياسي!

في شهر أبريل 2022، توصلت جماعة الحوثي المتمرّدة، التي تسيطر على معظم غرب اليمن، والتحالف الذي تقوده السعودية، الذي يدعم حكومة اليمن المعترف بها دوليا، إلى اتفاق هدنة.
ونتيجة لهذا الاتفاق، الذي جرى تجديده لمرتين منذ ذلك الحين، شهد اليمن فترة صراع محدودة نسبيا.
ومع ذلك، فإن الخروقات للهدنة كانت كثيرة. كان الحوثيون مسؤولين عن غالبية أحداث العنف المتنافية مع الهدنة.
في غضون ذلك، خفف التحالف الذي تقوده السعودية الحصار المفروض على اليمن، لكن عدد سفن الوقود المسموح لها بالوصول إلى ميناء الحديدة المطل على البحر الأحمر لا يزال أقل مما تعتبره الأمم المتحدة كافياً "لدعم الخدمات الأساسية".
الأمر الباعث على القلق أكثر من خروقات الهدنة هو صعوبة تصوّر كيف يمكن أن يتطوّر الانخفاض الحالي في القتال بين الحوثيين والتحالف، الذي تقوده السعودية، في الأخير إلى سلام دائم.
يبدو أن المحادثات السعودية - الحوثية، التي سهلتها عُمان، تحرز تقدما ضئيلا.
وبالإضافة إلى ذلك، ففي حال أدى هذا التواصل إلى اتفاق مهم، فإن تعدد الأطراف الفاعلة، من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى القاعدة في شبه الجزيرة العربية، قد يعرقل عملية السلام.
تقدّم هيلين لاكنر، وهي باحثة مساعدة في جامعة SOAS بلندن وخبيرة في شؤون اليمن حيث عاشت هناك لأكثر من خمسة عشر عاما، في كتابها الأخير (اليمن: الفقر والصراع)، سرداً موجزاً لتاريخ اليمن الحديث من 184 صفحة.
على الرغم من أن الكتاب صُمم كعمل تمهيدي، إلا أن لاكنر تقدّم رؤى تحليلية ستفيد القراء المُطّلعين مسبقاً على قصة اليمن.
تصف المؤلفة كيف أنه لم يجرِ إنشاء بنية دولة واحدة في شمال اليمن حتى فترات حكم الإمام يحيى وابنه أحمد في منتصف القرن العشرين. ليجري استبدال البنية التقليدية للإمامة في الشمال بالجمهورية العربية اليمنية، التي تأسست عام 1962. وفي الجنوب، ظهرت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في عام 1967 بعد نهاية الوجود الاستعماري البريطاني.
توضح لاكنر أن الفرحة العارمة لليمنيين بتوحيد البلاد في عام 1990 لم يقابلها سوى الحماس الواسع للتغيير، الذي قاد في نهاية المطاف إلى إسقاط الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في عام 2011 في سياق "الربيع العربي".
هيمنت على الجمهورية اليمنية الجديدة، التي تأسست عام 1990، مجموعة من النخب الشمالية على رأس الدولة (صالح، الذي كان سابقاً رئيساً للجمهورية العربية اليمنية منذ عام 1978).
في تحليلها للوضع الاقتصادي في اليمن، خلال العقدين التاليين للوحدة، ترى لاكنر أن الاتجاه النيوليبرالي للحكومة الجديدة «ساهم في تدهور تدريجي خطير في مستويات المعيشة».
وتشرح المؤلفة أن البنك وصندوق النقد الدوليين ساهما في هذا المسار، مع أنه كان هناك داخل اليمن أيضا تصور واسع النطاق بأن القطاع العام كان فاسدا للغاية.
خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أثبت صالح أنه ماهر في استغلال تركيز إدارة بوش على ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب» لتأمين الأسلحة والمعدات لصفوة وحداته العسكرية.
قدّم صالح نفسه لواشنطن على أنه ركيزة للاستقرار من شأنها أن تمنع نمو التطرّف في اليمن، بعد تفجير "يو إس إس - كول" من قِبل القاعدة قبالة سواحل عدن في عام 2000، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر في العام الذي تلاه.
عززت مكائد صالح مشكلة موجودة مسبقاً: فالعالم كثيرا ما يرى اليمن من خلال عدسة ذات بُعد أمني ومبسّطة، حيث تلاحظ لاكنر أن: «اليمن غالبا ما يُذكر على أنه بؤرة للإرهاب والوطن الأم لأكثر المتطرّفين شهرة: أسامة بن لادن».
يساعد هذا في تفسير السبب، كما لاحظت المؤلفة بأسى أن معظم «المساعدات»، التي درج اليمن على تلقيها من القوى العالمية الكبرى، كانت تركز على «الأمن» ومكافحة الإرهاب بدلاً من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الخطيرة للغاية في البلاد.
ونتيجة لذلك، «ساهم معظم الدعم في الواقع، وإن كان بشكل غير مباشر، في عدم الاستقرار في البلاد وتفاقم الفقر».
لقد اقتصر الصراع الحالي على تعزيز هذه التصوّرات. كان اليمن يتلقى كميات صغيرة من المساعدات الإنمائية مقارنة بالدول الفقيرة المماثلة قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2014.
وحتى الآن، تجاوزت المساعدة الإنسانية بالكامل تقريبا أي شكل من أشكال المعونة الإنمائية.
ففي حين أن المساعدات الإنسانية ضرورية لإنقاذ الأرواح، تلاحظ لاكنر أنه «لا يمكن للأفراد والأسر والمجتمعات (في اليمن) تحرير أنفسهم من التبعية واستعادة اكتفائهم الذاتي تدريجياً إلا من خلال تمويل التنمية».
وعلاوة على ذلك، فحتى الاستجابة الإنسانية للأزمة اليمنية ظلت تعاني من نقص حاد في التمويل.
في مؤتمر إعلان التبرعات لليمن في مارس 2022، تعهد قادة العالم بنسبة 30 في المئة فقط من إجمالي الأموال اللازمة لتجنب مزيد من التدهور في الوضع الإنساني البائس من ذي قبل في البلاد، الذي غالبا ما وصفته الأمم المتحدة بأنه «الأسوأ في العالم».
وفي السنوات السابقة، انخفض بالفعل حجم الأموال المخصصة لليمن.
يقدّم كتاب لاكنر (الفقر والصراع في اليمن) وصفا مفيدا لعلاقات اليمن الدولية والطريق إلى الحرب الحالية. ومع ذلك، ربما تتجلى مهاراتها التحليلية في أفضل حالاتها عندما توضح بالتفصيل أسباب استمرار الحرب حتى يومنا هذا، وكذلك في عرضها للتحديات البيئية التي يواجهها اليمن.
فيما يتعلق بالجانب الأول، تصف لاكنر كيف أن «فئة جديدة من المستفيدين من الحرب من جميع الأطراف» اكتسبت مصالح في استمرار الصراع.
في الوقت نفسه، جفت مصادر الدخل التقليدية للشباب، ولم تبقي أمامهم سوى الانضمام لمجموعات مسلحة مختلفة كواحد من خيارات قليلة للحصول على معاش.
كما أن البُعد الدولي ضروري لفهم استمرار الحرب.
قدّمت الدول الأوروبية أسلحة ودعما دبلوماسيا للتحالف الذي تقوده السعودية، بينما تجاوزت الولايات المتحدة ذلك من خلال تقديم المساعدة لغارات التحالف الجوية في اليمن التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 3820 مدنيا وإصابة 3000 آخرين، وفقا لـ"منظمة مواطنة لحقوق الإنسان" غير الحكومية.
بالتوازي مع ذلك، كثفت إيران عمليات نقل الأسلحة المحدودة إلى الحوثيين خلال الحرب.
فيما يتعلق بالأزمة البيئية، ترى لاكنر، التي أولت الموضوع اهتماماً شديداً في بحثها على مر السنين، أن «إدارة المياه هي إلى حد بعيد المشكلة الرئيسية طويلة الأمد في البلاد، مما يهدد وجودها ذاته». خلال العقود الماضية، انتشرت الزراعة المعتمدة على الري على نطاق واسع في اليمن، مما أدى إلى نفاد منسوب المياه الجوفية، وخاصة في اليمن الغربي، حيث يعيش معظم السكان.
تقترح الكاتبة «تحسين امكانات المعيشة القائمة على التغذية المطرية والمحاصيل النقدية» كطريقة ممكنة للمضي قدما، إلا أنها تشير إلى أن إدارة المياه ليست مجرد قضية فنية ولكنها تعتمد على السياسات.
اقترح خبراء آخرون إدخال أصناف نباتية جديدة وإحياء المدرجات المعتمدة على المطر التي لم تجرِ صيانتها بشكل صحيح.
من شأن هذه التغييرات أن تجعل اليمن في وضع أفضل للتعامل مع التواتر المتزايد للظواهر الجوية المتطرفة بسبب تغيّر المناخ. في الشهر الماضي، خلفت فيضانات كبيرة 38 قتيلا في جميع أنحاء اليمن.
بلا شك أن اليمن بعد الحرب سيتطلب إصلاحات كبيرة لتمنح السلام الفرصة.
ما هو أقل وضوحا هو ما هي نوع السلطة التي ستهيمن على البلاد في أعقاب الحرب.
كما توضح لاكنر: «ليس هناك يقين من أنه ستكون هناك دولة يمنية واحدة بحلول الوقت الذي ينتهي فيه هذا الصراع». إذا كان هناك من ضعف في اليمن من حيث الفقر والصراع، فمن المحتمل أنه يكمن في الاهتمام المحدود بالديناميات الاجتماعية والثقافية.
بالنسبة لأولئك الذين يريدون معرفة المزيد عن المجال الثقافي لليمن والتفاعلات العالمية، فإنهم مدعوون إلى مراجعة الاصدار المعنون بـ"اليمن والعالم: ماوراء انعدام الأمن".
غير أن عنوان كتاب لاكنر لا ينصف إصدارها. فكما أظهر هذا الاستعراض، سيجد القارئ أن الفقر والصراع ليسا سوى بعض الموضوعات التي يتناولها الكتاب. بشكل عام، هذا عمل يستحق الثناء من قِبل أحد أكثر المحللين خبرة في اليمن الحديث.
المصدر الأصلي للمادة: موقع "ريسبونسيبول ستيتكرافت"
...............
نشر هذا المقال في موقع "ريسبونسيبول ستيتكرافت" بتأريخ 6 سبتمبر 2022



