تقارير
أمهات قبل الأوان.. من ينقذ ضحايا الزواج المبكر في اليمن؟

بينما كانت أسماء. م (٣٥ عاما) تنتظر حفيدها الأول، فقدت ابنتها البالغة من العمر ١٦ عاما والحفيد الذي مات في أحشاء أمه قبل رحيلها بيومين.
حادثة مأساوية تضاف لقوافل ضحايا الزواج المبكر في بلد تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن أكثر من ٦٥٪ من بناته يتزوجن دون سن الثامنة عشر نصفهن تقريبا تحت سن الخمسة عشر عاما، ليتركن في مواجهة مآلات مأساوية مختلفة كالحمل المبكر والمتاعب الصحية والنفسية والطلاق والعنف و الموت الذي يشكل رصاصة الرحمة في أغلب الحالات.
موت مبكر
وبينما يشكل صغر سن الأمهات سببا مباشرا في 60٪ من وفيات الأطفال، تتقدم مخاطر عمليات الحمل والولادة النتائج الكارثية للزواج المبكر، بحسب تحذيرات منظمة الصحة العالمية والتي تبين أنها السبب الرئيسي للوفاة بين الفتيات في عمر 15 إلى 19 عاما، بالإضافة إلى انعدام الوعي الصحي اللازم للإهتمام بصحتهن.
لم يكن ماعانته أسماء في سني زواجها الأولى كافيا ليحول دون زواج ابنتها في الخامس عشر من عمرها، تقول: "لم يكن بيدي أن أجنبها هذا المصير الموجع خصوصا أنني تزوجت في عمرها وعانيت كثيرا صحيا وجسديا ونفسيا "فالنصيب يصيب والقرار بيد والدها " تقول أسماء وتضيف لبلقيس: " رضخ زوجي لضغوطات والد العريس الذي تمكن من اقناعه مستغلا مكانته كرجل دين وشخص له مكانته في الأسرة".
وكانت أسماء مثل قريناتها من بنات الريف اليمني اللواتي يشكلن مانسبته 70٪ من حالات الزواج المبكر في اليمن، وهي الآن جدة في الثلاثينيات من عمرها.
بحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2016 تحتل اليمن المرتبة الثالثة عربيا في الزواج المبكر، بعد السودان وموريتانيا بنسبة 32٪ من حالات الزواج فيها ، وبحسب تقرير أعده المركز الدولي لدراسات النوع الإجتماعي عام 2011 احتلت اليمن المرتبة 13 من بين 20 دولة هي الأسوأ في زواج القاصرات.
"كل البنات تزوجن بعمرك" كانت هذه العبارة كافية بترغيب لميا وترهيبها في الوقت ذاته لتوافق على الزواج في سن الثالثة عشرة من رجل يكبرها بـ12 عاما وهو ما حدث حينها.
تحمل لمياء صفة المطلقة منذ خمسة أعوام، و أم لطفل يسجل هذا العام أول خطواته في مدرسة القرية التي تدرس فيها أمه التي عادت لمواصلة دراستها بعد التجربة الفاشلة.
عن دوافع الأهل في تزويج بناتهم صغيرات، تقول لمياء: "تجتمع العادات والتقاليد مع الظروف الإقتصادية الصعبة وجهل المجتمع لتكون الفتاة هي الضحية التي تتحمل العواقب وحدها بقية العمر".
بالإضافة إلى المبررات التقليدية كالعادات والأعراف القبلية، و الأزمات المزمنة كالفقر ، جاءت الحرب بما خلفته من أزمة إنسانية كارثية وأوضاع اقتصادية صعبة للغالبية، لتمثل بيئة خصبة لاتساع رقعة الظاهرة (زواج القاصرات)، "يضطر كثير من الآباء لتزويج بناتهم من أجل استغلال مبلغ المقدم للفتاة في تحسين الوضع المادي المتدني للأسرة على حساب حياة وصحة وسعادة أحد أفرادها، هو الفتاة" بحسب الدكتور صلاح صالح، وهو أخصائي الصحة العامة لدى مكتب الصحة والإسكان التابع للأمم المتحدة.
و ارتفعت نسبة من تزوجن قبل سن الثامنة عشرة بنسبة 16٪ لتبلغ إجمالا 66٪ من حالات الزواج بعد أن كانت تشكل 50٪ قبل الحرب، بحسب تقرير لمنظمة اليونيسيف صدر عام 2016.
مخاطر كبيرة
ويعدد صالح المخاطر التي تتعرض لها الفتيات جراء الزواج المبكر جسديا ونفسيا حيث "تتعرض نسبة كبيرة منهن لمخاطر صحية جسدية جراء مسؤوليات الزواج والتي قد لا تحتملها الكثيرات كما يشكل الحمل المبكر خطر مضاعفا على حياتهن وحياة الأجنة بالإضافة إلى المشاكل النفسية التي تتعرض لها الفتاة بسبب الإكراه على الزواج والمعاملة السيئة التي قد تتلقاها من زوجها أو أهله وكذلك التعنيف" ويشدد على ضرورة نشر الوعي المجتمعي محذرا الآباء: "بناتكم في هذا السن في طور النمو الجسدي والبناء النفسي لشخصية الفتاة ووعيها فلا تعرضوهن بأيديكم للخطر".
تتفق الناشطة الإجتماعية رشا عبده مع لمياء مؤكدة على خطر استمرار هذه الظاهرة على مستقبل الفتيات وحياتهن وحياة أطفالهن، كما تضيف: "الأضرار لا تقتصر على الفتيات وأطفالهن إن أنجبن، ولكنها تمتد أعمق من ذلك فتساهم في رفع نسبة العنوسة في البلاد".
وتلاحظ رشا تقلص السن المنذر بالعنوسة في محيطها هبوطا من الثلاثين عاما قبل عقدين إلى 20 عاما في السنوات الأخيرة، وتقول: "بالنسبة للمنطقة التي أقطنها والمحيط الذي أتعامل معه فالفتيات اللاتي تجاوزن العشرين عاما دون زواج في حكم العانسات بشكل شبه رسمي، خصوصا أننا نعيش في مجتمع يفضل الصغيرة ويبرهن موروثه الثقافي والشفهي نزعته لذلك".
رغم النقاشات التي دارت في الأوساط التشريعية والحقوقية في الفترات السابقة حول الزواج المبكر وضرورة سن قانون يحدد سن الزواج، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل حيث تمكن رجال دين ونواب إسلاميون ووجوه قبلية من عرقلة مشروع قانون يحدد سن الزواج بـ18 عاما في العام 2009 كما عطلت الحرب مسودة الدستور الذي تمخض عنها الحوار الوطني وتضمنت قانونا يحدد سن الزواج بـ18 عاما ، لتستمر نسبة الزواج المبكر بالتزايد سنويا، بحسب إحصائيات حكومية سابقة.
تقول رشا: "في غياب نص قانوني يحدد سن الزواج ويحد من ظاهرة تضرب أضرارها المجتمع من أقصاه إلى أقصاه، ومع استمرار خضوع الأهل للعادات والتقاليد والأعراف القبلية فإننا سنسمع ونرى بأعيننا كثيرا من المشاكل والقصص المحزنة



