تقارير
إنسحاب الإمارات من أوبك يعزز تعاونها الأمني مع إسرائيل ويوسع الهوة مع السعودية
بعد أن تحملت الإمارات العبء الأكبر من الهجوم الإيراني المضاد، تعمل القوة المالية الخليجية على تعزيز تعاونها الأمني مع (إسرائيل)، وتوسيع الهوة مع السعودية.
هذا الاصطفاف الجديد يعيد رسم خطوط الصدع السياسية بين العالم العربي وإسرائيل، وهي الخطوط التي حددت شكل المنطقة لعقود. وبدلًا من ذلك، تعمل الإمارات — المركز المالي العصبي للخليج وقوة عسكرية ذات تأثير — على تعميق تعاونها الأمني مع إسرائيل، بينما يسعى الطرفان إلى تغيير التوازن الاستراتيجي في المنطقة بالقوة العسكرية إذا اقتضى الأمر.
وقد منحت الحرب الإمارات، وهي اتحاد صغير شديد الثراء من الإمارات الملكية، فرصة للخروج من ظل جارتها الكبرى السعودية، وإعلان طموحاتها كقوة إقليمية.
وأشارت الإمارات بوضوح إلى أولوياتها الجديدة عندما أعلنت انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهي المؤسسة الوحيدة التي تمكن العالم العربي من خلالها يومًا ما من استخدام ثقله الجماعي، وذلك في اللحظة ذاتها التي كان فيها قادة الخليج مجتمعين في السعودية في محاولة لإظهار الوحدة.
وجرى توقيت القرار ليحدث صدمة، وليبعث برسالة مفادها أن المصلحة الوطنية الإماراتية تأتي أولًا، بحسب مسؤولين إماراتيين مطلعين على القرار. كما تعيد الإمارات النظر في علاقاتها مع منظمات تشمل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وفقًا لمسؤولين مطلعين على المناقشات. وعندما طُلب تعليق رسمي، قال مسؤول إماراتي إنه لا توجد خطط حاليًا لمزيد من الانسحابات.
ولدى الإمارات أسباب عملية للانسحاب من أوبك. فحصص الإنتاج كانت تقيد نحو 30% من طاقتها الإنتاجية في وقت تحتاج فيه إلى الإيرادات لتعويض الضغوط المرتبطة بالحرب على عوائد السياحة والأعمال. ويمنحها الخروج من أوبك مرونة لزيادة إنتاجها النفطي بقوة وفق شروطها الخاصة، وتوجيه رؤوس الأموال نحو تأمين طرق التصدير عبر الاستثمار في مزيد من خطوط الأنابيب المصممة لتجاوز مضيق هرمز، الذي كادت إيران أن تغلقه بالكامل عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
لكن الحرب غيّرت أيضًا طريقة تفكير الإمارات بشأن التهديدات التي تواجهها ومدى موثوقية أصدقائها. فقد أطلقت إيران نحو 2800 طائرة مسيّرة وصاروخ على الإمارات، أكثر من أي هدف آخر بما في ذلك إسرائيل. وبينما كانت الإمارات مستعدة للرد بقوة، تباطأ كثير من جيرانها الخليجيين.
وأمام الهجمات الإيرانية التي هددت نموذجها الاقتصادي، ومع شعورها بخيبة أمل من غياب الدعم العربي، ضاعفت الإمارات رهاناتها على شراكتها مع الولايات المتحدة، وعلى علاقتها المستمرة منذ نصف عقد مع إسرائيل، رغم القلق العربي من عدم الاستقرار الناتج عن حروب غزة ولبنان وإيران.
وقال عبد الخالق عبد الله، وهو أكاديمي إماراتي بارز: “جاء القرار بعد تفكير عميق، في ضوء أربعين يومًا من المسيّرات والصواريخ. إحدى نتائج هذه المراجعة أن أوبك لم تعد تناسب هذه الإمارات الجريئة، الحازمة، المستقلة.”
وقالت الإمارات إن انسحابها من أوبك يستند إلى مصلحتها الوطنية وإلى التزامها بتلبية حاجة السوق إلى النفط.
وفي حديث من المكتب البيضاوي -الأربعاء، الماضي- رحب الرئيس ترامب بقرار الإمارات، قائلًا: “أعتقد أنه في النهاية أمر جيد لخفض أسعار البنزين، وخفض النفط، وخفض كل شيء.” ووصف ولي عهد الإمارات بأنه “قائد عظيم”.
كانت الإمارات مجرد مجموعة من الإمارات الصغيرة على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية حين اكتُشف النفط فيها في خمسينيات القرن الماضي. وبعد قيام الدولة عام 1971، استخدمت تلك الثروة النفطية لتحويل نفسها إلى مركز عالمي للمال والسياحة والتكنولوجيا، تدور حوله مدينتا دبي وأبوظبي.
وفي السنوات الأخيرة، وضع حاكم البلاد الشيخ محمد بن زايد — المعروف اختصارًا بـ MBZ — بلاده أيضًا كمركز قوة عسكرية لا يتردد في استخدام السلاح والاستعانة بالمرتزقة لتوسيع النفوذ ومحاولة إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه.
ورغم أن لديها فقط عاشر أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط، بنحو 63 ألف جندي في الخدمة، فإن الإمارات تمارس نفوذًا يتجاوز حجمها من خلال شراء الأسلحة المتطورة، وتصدير السلاح، واستخدام المرتزقة الذين نشرتهم في اليمن وصراعات أخرى. كما تُعد قواتها المسلحة من بين الأفضل تدريبًا في الخليج.
ووصفها وزير الدفاع الأميركي الأسبق جيم ماتيس ذات مرة بأنها “إسبرطة الصغيرة”.
وفي مصر، دعمت الإمارات الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس الإسلامي المنتخب عام 2013، وما تبعه من حملة قمع قُتل فيها نحو ألف شخص في يوم واحد. وفي ليبيا، نقلت الإمارات أسلحة جوًا لسنوات إلى قائد ميليشيا مدعوم من روسيا، أدى سعيه للاستيلاء على السلطة إلى اندلاع حرب أهلية عام 2019.
وقد بررت الإمارات تدخلاتها بأنها جهود لمواجهة التطرف، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي فازت بانتخابات مصر بعد الربيع العربي، والتي خرجت منها حركة حماس.
وأقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في اتفاق توسطت فيه إدارة ترامب خلال ولايته الأولى. وكانت تلك الخطوة، التي انضمت إليها لاحقًا المغرب والبحرين، أكبر اختراق لعزلة إسرائيل الإقليمية منذ اتفاق السلام مع مصر قبل نصف قرن.
وفتح القرار مسارات جديدة للتعاون العسكري والتكنولوجي. فبعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقات أبراهام، افتتحت شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، إحدى أكبر شركات الدفاع، فرعًا في الإمارات. وبعد عام، حين تعرضت الدولة الخليجية لهجوم من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، زودتها إسرائيل بمنظومة الدفاع الجوي “سبايدر”، وهي منصة متنقلة قادرة على التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة قصيرة ومتوسطة المدى.
كما أرسلت إسرائيل بطارية “القبة الحديدية” إلى الإمارات مع بداية الحرب الحالية، في خطوة كشفها موقع أكسيوس أولًا. وكانت تلك أول مرة يُنشر فيها هذا النظام المطور أميركيًا وإسرائيليًا في دولة أخرى. وقال مصدر مطلع إن عشرات الجنود الإسرائيليين موجودون على الأرض لتشغيله.
وتُظهر مواقع تتبع الرحلات الجوية أن طائرات نقل عسكرية تنقلت بين قاعدة نيفاتيم الإسرائيلية والإمارات طوال فترة الحرب.
وقال يوئيل غوزانسكي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “التعاون بين البلدين كبير ويتعمق. إنها المرة الأولى التي يدافع فيها نظام إسرائيلي عن دولة عربية أثناء الحرب.”
وقد عمّقت هذه العلاقة الفجوة بين الإمارات وجيرانها. وكانت السعودية قريبة من الانضمام إلى اتفاقات أبراهام قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل حربًا دمرت غزة. كما أثارت الضربة الإسرائيلية لمكتب تابع لحماس في قطر عام 2025 مخاوف خليجية من انفلات القوة العسكرية الإسرائيلية.
لطالما شعرت الإمارات بالضيق من موقعها في ظل السعودية، جارتها الأكبر واللاعب المهيمن في أسواق النفط العالمية. وقد بدأت العلاقة بينهما متوترة منذ البداية، إذ رفض الملك السعودي الاعتراف بالإمارات لسنوات بعد قيامها بسبب نزاعات حدودية.
والبلدان حليفان ظاهريًا، لكنهما يتنافسان على النفوذ في البحر الأحمر، ويدعمان أطرافًا متعارضة في السودان واليمن، كما أصبحا منافسين اقتصاديًا.
فولي العهد السعودي محمد بن سلمان يسعى لتقليل اعتماد المملكة على النفط، ويأمل في منافسة دبي كمركز إقليمي، عبر دفع الشركات لنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، ومنافسة الإمارات على السياحة ومشاريع مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وكان محمد بن زايد ومحمد بن سلمان قد تقاربا في بدايات صعودهما قبل عقد، خلال رحلة تخييم ليلية في صحراء السعودية. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الأمير الإماراتي لعب دور المرشد للأمير السعودي الأصغر سنًا. لكن خلافاتهما الخاصة اتسعت وظهرت للعلن عام 2023، حين توقفا عن الحديث لأكثر من ستة أشهر.
وجاء جزء كبير من التوتر من هيمنة السعودية على أوبك، ورغبتها في تقييد الإنتاج للحفاظ على الأسعار مرتفعة. وقد رفعت الإمارات طاقتها الإنتاجية إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، لكنها لم تكن مسموحًا لها سوى بضخ 3.4 مليون برميل بموجب سياسة أوبك.
وسعت إيران إلى استغلال التوتر بين الإمارات وجيرانها قبيل الحرب، حين أبلغت مسؤولين سعوديين وعمانيين أن ضرباتها الانتقامية ردًا على أي هجوم أميركي ستستهدف الإمارات بشدة، وفق مسؤولين عرب.
وفي إحدى الرسائل مع السعوديين، أشارت إيران صراحة إلى التنافس الخليجي، متوعدة بإسقاط الإماراتيين. ويقول مسؤولون سعوديون إنهم لم يوافقوا على تلك الرسالة.
ومع اندلاع الحرب، بدأت إيران تنفيذ استراتيجيتها القائمة على تدويل الصراع ورفع كلفته الاقتصادية عالميًا للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. فأطلقت موجات من الصواريخ والمسيّرات على الخليج وإسرائيل، وأغلقت مضيق هرمز، ما تسبب بأكبر صدمة نفطية في التاريخ.
وخصّت إيران الإمارات ببعض أشد الضربات، مطلقة موجات متتالية من المسيّرات والصواريخ على منشآت النفط والموانئ والفنادق الفاخرة. كما تعطل مطار دبي الرئيسي، الذي كان يومًا الأكثر ازدحامًا للمسافرين الدوليين، لأسابيع.
ومع استمرار الحرب، اتسعت الخلافات بين الإمارات ودول مثل السعودية وعُمان، اللتين فضلتا مخرجًا دبلوماسيًا للأزمة.
وعندما سُئل مسؤول سعودي عن الخلافات مع الإمارات، قال إن مقاربة الرياض للسياسة الخارجية تختلف عن أبوظبي، موضحًا أن المملكة تفضل السلام والاستقرار والنمو.
وأغلقت الإمارات مؤسسات إيرانية داخل البلاد، وألغت تأشيرات لبعض المقيمين الإيرانيين، وهددت بتجميد أصول إيرانية، ما قيد أهم صلة لطهران بالتمويل والتجارة العالميين. كما دفعت نحو رد عسكري أشد.
أما السعودية، التي تعرضت لهجمات أقل وأخف من إيران، فقد أدانت علنًا الضربات الإيرانية، لكنها لم تقطع العلاقات الاقتصادية، ولم تؤيد علنًا مشروع قرار إماراتي في مجلس الأمن كان سيجيز استخدام القوة لإعادة فتح المضيق.
وقال روبرت جوردان، السفير الأميركي الأسبق لدى السعودية: “نحن أمام اختبار ضغط لهذه العلاقة، وقد يكشف مزيدًا من الانقسامات حول كيفية الرد على هذه الهجمات المروعة على البلدين.”
وقد اتبعت دول الخليج طويلًا سياسة احتواء تجاه إيران، تحاول من خلالها إدارة العلاقة المضطربة مع القوة المقابلة عبر الخليج، بينما تعتمد على الولايات المتحدة للحماية عند الحرب.
وفي السنوات الأخيرة، وعدت الدول الخليجية بإقامة أنظمة دفاع مشترك، لكن القليل تحقق. وبدلًا من أن توحدها الحرب، دفعتها إلى مزيد من التباعد.
ومنذ أن أعلن ترامب وقف إطلاق النار في وقت سابق من أبريل، عبّر مسؤولون إماراتيون عن غضبهم مما يرونه غيابًا للدعم من جيرانهم.
فقد هاجم أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لحاكم الإمارات، هذا الأسبوع مجلس التعاون الخليجي، قائلًا إن موقف المجموعة “هو الأضعف في التاريخ”.
وقال: “الدفاع الوطني مهم جدًا، لكن يجب أن نقول أيضًا إن التضامن الخليجي لم يكن على مستوى التحدي.”
وقال غريغوري غاوس، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن اللحظة التي كان يفترض أن تبلغ فيها الوحدة الخليجية ذروتها في مواجهة تهديد مشترك، تحولت بدلًا من ذلك إلى فرصة للإمارات كي تنطلق منفردة.
وأضاف: “محمد بن زايد يريد بوضوح أن يلعب دورًا مهمًا وكبيرًا ومستقلًا في السياسة الإقليمية وحتى الدولية. هذا هو طموحه.”