تقارير
أوجاع منسيّة.. المرضى عقلياً في ظل الحرب في اليمن

يعيش رضوان علي حسن مع والدته في منزل صغير، يقع على قِمة قرية يمنية هادِئة تسمّى "العقيقة"، على مشارف مدينة تعز. من داخل غرفته ذات الجدران العارية، يسمع الشاب البالغ من العمر 35 عاما، صوتا بعيدا يصدح من عربة الآيس كريم، يرى أطفالًا يركضون إلى جانب غرفته، ويشتم رائحة الماعز، لكنه لا يتذكر آخر مرّة سار فيها خارج المنزل.
يجلس في غرفته مكبلا بأصفاد معدنية حول كاحليه، مربوطة بسلسلة سميكة مثبتة على الحائط البعيد. يتنقل في غرفته من مكان إلى آخر، ويبتسم ابتسامة بلا معنى. وحدقتا عينيه واسعتان، وحركاته بطيئة.
تقول والدته: "أجبرناه على ارتداء الملابس. عادة ما يكون عارياً، ويكتفي بالنوم هنا. أحيانا يغضب منّي كثيرا. لا يريد أن يرى وجهي عندما يكون في حالة سيّئة. لذلك أترك طعامه عند الباب دون أن أدخل".
لا تعرف الأسرة سبب حالته، أو المرض الذي يعاني منه. لم يتم تشخيص حالته مطلقا، نظرا لارتفاع أجور النّقل ورسوم استشارة الطبيب النفسي، فوضع الأسرة المادي لا يسمح بذلك.
الحرب في اليمن، المستمرة منذ ست سنوات، أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، وتركت عائلات -مثل عائلة رضوان- في فقر مُدقع.
إنهم ينفقون كل ما لديهم لدرء الجوع أو دفع ثمن الأدوية المهدّئة لرضوان، التي تسيطر على أعنف نوباته.
بعد أشهر من وعد الرئيس جو بايدن بإنهاء الدعم الأمريكي لحرب اليمن، استمرت "أسوأ أزمة إنسانية في العالم" في التدهور. وجعل الصراع، الذي يغذيه التنافس السعودي -الإيراني المرير، ثلثي البلاد يعتمد على المساعدات من أجل البقاء.
ومن المتوقع أن يعاني أكثر من مليوني طفل من الجوع أو الموت جوعا هذا العام.
ومع تصعيد الحوثيين هجومهم على مدينة مأرب، هُجر عشرات الآلاف من منازلهم، في الأشهر القليلة الماضية وحدها، وخُمس من يعيشون في مناطق الصراع يعانون من متاعب عقلية
مع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، يكافح شعب بأكمله من أجل التأقلم. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، يُرجَّح أن خُمس من يعيشون في مناطق الحرب يعانون من بعض أشكال الاضطرابات العقلية، بما في ذلك الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة أو الاضطراب العقلي.
وفي اليمن، حيث أدت معدلات الفقر المرتفعة إلى تفاقم الصدمات، وجرى استهداف نظام الرعاية الصحية، واستنزافه وإهماله، ومن المرجّح أن يكون هذا الرقم أعلى.
البيانات محدودة، ولكن من عام 2014 إلى عام 2015 تم الإبلاغ عن زيادة بنسبة 40٪ في حالات الانتحار المسجلة في العاصمة اليمنية (صنعاء).
وفي واحدة من الدراسات العلمية القليلة، التي أجريت حول الصحة العقلية، أظهر ما يقرب من 80٪ من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع في عام 2018 أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
ممرضتان ل143 مريضا
في مستشفى تعز للصحة العقلية، وهو واحد من أربعة مرافق عامة للأمراض النفسية في البلاد، لا يعد وضع المرضى مختلفا كثيرا عما عما لو كانوا في المنزل.
هناك ممرضتان فقط مسؤولتان عن 143 مريضا داخليا، يعانون من أمراض شديدة. يتم تقييد العديد منهم لمنعهم من الهروب، وجميعهم -تقريبا- تحت تأثير التخدير الشديد، يتجولون في الممرات.
بدا العديد من المرضى الذكور في حيرة من أمرهم عند رؤية زائر يدخل من خلال بوابات معدنية مزدوجة المزاليج، ويدخل إلى الفناء الرئيسي للمستشفى. ملابسهم الرياضية الرمادية تفوح منها رائحة البول.
رأى رجل نحيف في الثلاثينيات والده مقتولا بالرصاص أمامه، ومنذ ذلك الحين لم يكد ينطق كلمة واحدة.
قصة أخرى عن حالة مريض آخر في منتصف العشرينيات من عمره جاء يجر قدميه ليطلب سيجارة. برزت يده بزاوية 90 درجة عندما أخذ سيجارة واحدة، قبل أن ينهار مرّة أخرى على الأرض المغبّرة، وابتسامته على وجهه.
يقول الدكتور عادل مُلهي، الموجود في المستشفى منذ عام 2003 وهو الآن مديره، إن مريضه أصيب برصاصة في ذراعه قبل خمس سنوات، لكن عندما لم يتمكّن والداه من تحمّل تكاليف العلاج الذي يحتاجه، انزلق تدريجيا إلى اكتئاب عميق.
جاءوا به إلى المستشفى قبل عام، ولم يرَ عائلته منذ ذلك الحين.
يقول مُلهي: "بالنسبة للكثير من الناس، فإن وصمة العار تتحكّم في مصائرهم. إذا لم تكن جيدا عقليا، فسيشعر الناس أنك ضعيف، أو أنك لست متدينا، أو أنه ممسوس من الشيطان. مجتمعنا لا يؤمن بأننا يمكن أن نكون مصابين بمرض عقلي".
العامل الثقافي وضغوط الحرب
يعتقد مُلهي أن هذا العامل الثقافي -جنبا إلى جنب مع ضغوط الحرب الشديدة- هو السبب وراء انتهاء المطاف بالعديد من أفراد الأسرة إلى حبس أحبائهم أو إحضارهم إلى المركز.
ويضيف: "إنهم يريدون فقط التخلص منهم. إنه أمر محزن للغاية".
يعرف مُلهي كل مرضاه بالاسم، ويواسيهم، ويطلق عليهم كلمات التشجيع عندما يمرّ في غرفهم.
أصبح أخصائيو الطبّ النفسي -مثل مُلهي- أكثر ندرة، إذْ غادر الكثير منهم إلى بيئات أقل توترا وأكثر أمانا. لم يزل حوالي 40 طبيبا في اليمن لخدمة عدد سكان يبلغ 30 مليونا.
أما النساء، فغالبا ما يُحرمن من العلاج، في ظل تجاهل معاناتهن النفسية تماما.
الكثيرون يسعون للحصول على آراء غير مؤهلة، أو يجرِّبون أي علاج غير مثبت يمكنهم العثور عليه.
قال العديد من القرويين في "العقيقة" إنهم دفعوا آلاف الريالات اليمنية لعلاج أفراد الأسرة -المصابين بأمراض عقلية- بالصدمات الكهربائية، لكنهم اكتشفوا أن حالتهم ساءت أكثر. بالنسبة للمهنيين، الذين يواصلون تقديم خدماتهم، تعد الموارد شحيحة.
يعتمد مركز مُلهي بالكامل على التمويل الحكومي، وهو ما يكفي بالكاد لرُبع الأدوية اللازمة لإدارة مرضاه.
حتى ديسمبر 2019،
تلقى المستشفى مساعدات مالية من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو إحدى الوكالات الدولية القليلة التي تعطي الأولوية للرعاية الصحية النفسية في اليمن. لكن انخفاض تمويل الصندوق أجبره على سحب الدعم.
تراجع التبرعات الدولية ونقص التمويل
في السنوات الأخيرة، تراجعت التبرّعات الدولية لليمن. في مارس، أوردت الأمم المتحدة "نتيجة مخيّبة للآمال" لمؤتمر التعهدات السنوي لمانحي المساعدات.
كانت المملكة المتحدة من بين أكثر من 100 حكومة ومانح خفضوا مساهماتهم، تاركين صندوق اليمن بحوالي نصف المستهدف البالغ 3.85 مليار دولار (2.7 مليار جنيه إسترليني)، أي أقلّ بأكثر من مليار دولار مما تم التعهّد به في عام 2019.
ويوفّر "كوفيد-19" للمانحين ذريعة معقولة لقطع مساهماتهم، إلى جانب مزاعم الفساد في صناعة المساعدة نفسها.
في العام الماضي، أغلق صندوق الأمم المتحدة للسكان 80 منشأة رعاية صحيّة من أصل 180، كان بعضها يقدّم خدمات نفسية اجتماعية لسكان اليمن بشكل عام. هذا العام، بعد أن وصلت إلى 13٪ فقط من ميزانيته الضرورية، يتوقع الصندوق إغلاق المزيد من المنشآت.
تقول نائبة وزير الصحة العامة اليمني، الدكتورة إشراق السبيعي: " لم تكن الصحة النفسية أحد اهتماماتنا الرئيسة ولم تزل كذلك". وأقرت بأن جميع البرامج والمبادرات لمعالجة مشاكل الصحة العقلية متوقفة.
إهمال الصحة العقلية
تقول الدكتورة إشراق: "تركزت جهودنا على إعادة بناء المستشفيات، وعلاج جرحى الحرب، والتعامل مع الرعاية الصحية الإنجابية. لكن مع وضع الاقتصاد الحالي، وتفشي 'كوفيد 19'، لا نستطيع التعامل مع الأمر تعاني الصحة العقلية من إهمال كامل".
بالنسبة للعاملين في مركز تعز، فإن فكرة إعادة تأهيل مرضاهم، بدلاً عن تقييدهم، هي فكرة موضع استهزاء.
يقول مُلهي: "بالطبع لا أحد هنا يحصل على ما يحتاجه. لكن الوضع الآن ليس آمناً بالنسبة لنا، ناهيك عن أن يكون آمنا بالنسبة للمرضى العقليين. كل ما يمكننا فعله هو احتواؤهم".
ويضيف: "هذه مجرد شرارة. لم يأتِ البرق بعد. مثلما ذهب الجنود الأمريكيون إلى فيتنام وما زالوا يعانون إلى الآن. هذه الحرب، هذا العبء العقلي، هذه المأساة ستصبغ المرض العقلي في المستقبل بصبغة أخشى أننا لن نتمكّن من مواجهتها. وآمل -إن شاء الله- ألا أكون في على قيد الحياة في ذلك الوقت. أتمنّى أن أكون قد دفنت بحلول ذلك الوقت".



