تقارير
إياد.. قصة شاب مهمش يعمل اسكافياً لإكمال تعليمه

يلتزم المُهمش العشريني إياد بجدول محاضراته الجامعية الأسبوعية التي تبدأ معظمها عند تمام الساعة الثامنة صباحاً، خلال أيام الدوام الرسمي المُتبع في جامعة صنعاء، وغالباً ما تنتهي في تمام الواحدة ظهراً. ليعود بعدها إلى الرصيف الذي يعمل فيه باقي ساعاته اليومية بمهنة "إسكافي" في أحد شوارع العاصمة صنعاء.
في ذاك المكان يقضي الشاب المهمّش ما تبقّى له من ساعات فراغ في خياطة وترقيع الأحذية المتهالكة للعابرين على رصيفه، مقابل مبالغ مالية بسيطة يقوم بجمعها، لتمنحه القُدرة على مواصلة تعليمه الجامعي وتغطية نفقات دراسته، إضافة إلى توفير المتطلبات الأساسية لأسرته.
يقول إياد لبلقيس: "أعمل قدر استطاعتي للتوفيق بين مواصلة دراستي الجامعية وعملي هنا في ترقيع الأحذية، لأوفر لي تكاليف الدراسة ومصاريف أسرتي الشهرية".
بالجهود الفردية للشاب إياد، الذي ينتمي لفئة "المُهمشين" التي تعتبر من أكثر الفِئات فقراً وأقلّها تعليماً على مستوى اليمن.
ويكاد يقترب من تحقيق حلم عمره الوحيد في نيل الشهادة الجامعية بدرجة 'البكالوريوس'، حيث يمضي في المستوى الثالث تخصص "دراسات إسلامية" من كلية التربية - جامعة صنعاء.
يقول لبلقيس: "احنا المهمّشين فقراء، ولا يوجد أحد يهتم بتعليمنا، لذلك عزمت على مواصلة تعليمي الجامعي، لأن حلمي في الحياة أنال شهادة جامعية". وهو الطالب الجاد في اجتياز كافة مقرراته الدراسية بنجاح، ما يجعله أكثر بذلاً للجهد لنيل ما يصبو إليه.
ويلازم الإصرار على تحقيق الذات حياة الشاب المهمش الذي اعتمد مهنته البسيطة (إسكافي) جسراً يتمكّن من خلاله العبور نحو آفاق أوسع حال نيله الشهادة الجامعية، لتبدو حياته مختلفة عن باقي أقرانه من الشباب في أوساط فئة "المُهمشين"، بذاك الجهد الذي يبذله الشاب المهمش في عمله البسيط، حيث يظل ساعات على الرصيف مواجهاً تقلبات الجو، وموجات الرياح المحملة بالأتربة. إذ ليست تكاليف الدراسة وحدها هي من أجبرته على البقاء بالساعات على الرّصيف، بل هناك أسرة تنتظر عودته كل مساء، محملاً بما يحتاجونه من المتطلبات المعيشية الضرورية.
يقول إياد لبلقيس: "الدراسة ليست همّي الوحيد، عاد معي أسرة أصرف عليهم من عملي هنا، ضروري أوفّر لهم حاجاتهم".
تمنح مسألة الطموح روحاً متماسكة عند إياد، تجعله مؤمناً بتعويض مناسب وعادل مقابل ما بذله من جهد وتعب في تحقيق ذاته. ويضيف لبلقيس: "سيعوضني الله، لأني اشتغل وأدرس وأشقي على أسرة".
يأتي ذلك في سياق قناعته بالرزق المقسوم الذي يتحصّله من عمله بمهنة "إسكافي" الأحذية، حيث يصل متوسط ما يجمعه يومياً نحو 3000 ريال (5 دولارات سعر الصرف في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية). ويستثمر الشاب إياد جزءاً من وقته في مراجعة دروسه اليومية، والقيام بإعداد بعض ما يطلبه أساتذته الجامعيون كمتطلب يومي أو أسبوعي.
وبشغف بالغ يحاول الشاب المهمّش معرفة تفاصيل كثيرة، ومهمّة بالنسبة لتخصصه، قارئاً وباحثاً، ومعلماً مستقبلاً.
*لا تعليم ولا وظائف لنا
يتجلّى التمييز السلبي ضد المهمشين في اليمن بصورة أساسية تبدو أكثر وضوحاً في انخفاض معدلات التحاقهم بالمدارس، إضافةً إلى وجود نسبة عالية منهم غير مُلمّين بالقراءة والكتابة. حيث تشير دراسة أجرتها "يونيسف" إلى أن "أطفال المهمّشين يواجهون مضايقات وتنمر من قِبل المعلمين والطلاب الآخرين في المدارس، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرّب لأطفال المهمّشين"، كما أن الحياة العشوائية للمهمشين تجعلهم غير قادرين على الالتحاق بالتعليم أو حتى مواصلته. لكن إياد تحدّى الواقع المفروض على أبناء فئته ليصبح نموذجاً قد يُحتذى به مستقبلاً.
يؤكد المهمّش والعامل والطالب الجامعي إياد بقوله لبلقيس: "تعرضت كثيراً للتمييز، ونعتي بألقاب جارحة عندما كنت طالباً بالمدرسة، لكني لا أعيرها اهتماما حتى استكمل تعليمي".
لكن تلك الألفاظ العنصرية تكاد شبه غائبة عن مسامعه خلال دراسته الجامعية، حد قوله لبلقيس.
يفتقر المهمّشون للإمكانيات المالية التي تضاعف حرمانهم من فرص الحصول على التعليم بدرجة أساسية. وبرغم الأنشطة التدريبية الشاملة لبعض المهمشين، حول المشاركة المجتمعية، مثل المبادرة المقدمة من منظمة "يونيسف" تحت شعار "مبادرة الحق في التعليم".
يؤكد إياد لبلقيس: "تُقدم مبادرات لبعض أطفال المهمشين لإلحاقهم بالتعليم الا أنها تنتهي بانتهاء تلك المبادرة، وتعود أوضاع الأطفال كما كانت".
ويبدي الطالب الجامعي اياد قلقه من استبعاده من الوظيفة العامة بعد تخرّجه من الجامعة، لكونه من فئة المهمّشين. إذ أن الغالبية العظمى من الفئة لم يحصلوا على وظائف في أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة، سوى قيام بعضهم بأعمال النظافة فقط. يقول لبلقيس: "أكثر ما يترك فئة المهمّشين يشعرون بفارق التمييز بينهم وبقية الفئات، أنهم لا يتعلمون، ولا يحصلون على وظائف".



