تقارير
بسبب ظروف آبائهم المعيشية في مناطق مليشيا الحوثي.. طلاب خارج أسوار المدارس

خلال الأيام الماضية، بدأ العام الدراسي الجديد في المحافظات الخاضعة لمليشيات الحوثي، لكن قاسم الشاوش لم يستطع -حتى الوقت الراهن- إلحاق أبنائه الستة في صفوف المرحلة الأساسية، بسبب عجزه عن دفع المساهمة الشهرية، التي تفرضها إدارات المدارس الحكومية مع رسوم التسجيل.
قاسم الشاوش -صحفي ونائب مدير الأخبار للشؤون الدولية في مؤسسة "الثورة" للصحافة والطباعة والنشر- ذهب مع بداية السنة الدراسية إلى المدارس، التي يلتحق بها أبناؤه؛ لتسجيلهم، لكن إداراتها طلبت منه مبلغ 4 آلاف ريال مساهمة مجتمعية، بالإضافة إلى 500 ريال رسوم عن كل واحد من أبنائه، كما يقول لـ"بلقيس".
حاول الشاوش التفاوض مع إدارات المدارس؛ لإعفائه من الرسوم، أو تخفيض المبلغ؛ لكنه واجه رفضا قطعيا، مما جعله يعود منكسرا إلى منزله، ويُقدم اعتذاره الشديد لأبنائه؛ لعدم قدرته على تحمّل نفقات استمرارهم بالتعليم.
27 ألف ريال هو ما يحتاجه الشاوش لقبول المدارس أبناءه، إلا أن هذا المبلغ ليس إلا جزء من تكاليف العام الدراسي، الذي يتطلب شراء الزي المدرسي بمبلغ لا يقل عن 8 آلاف ريال، علاوة على ثمن الكتب، التي تكلف 11 ألف ريال في الحد الأدنى، والكراسات، ورسوم الاختبارات الشهرية.
- طابور المتسربين
بشكل سنوي تتوسع ظاهرة التسرّب من التعليم، تحت ضغط الفقر، وضعف القدرة المالية لأولياء الأمور، التي خلفتها الحرب والركود الاقتصادي، وانقطاع مرتبات الموظفين، ومنهم المعلمون الذين توقفت مرتبات ما يزيد عن 172 ألفا منهم منذ العام 2016.
وقد يلتحق أبناء الشاوش الستة هذا العام بمليوني طفل تسرّبوا من التعليم خلال السنوات الأخيرة، أو يكونون ضمن 6 ملايين طفل يعانون من الاضطرابات التي تتعلق باستمرارهم بالتعليم من إجمالي 10,6 ملايين طالب وطالبة في سن الدراسة في اليمن، بحسب تقديرات منظمة اليونيسيف.
ويعتقد محمد بجاش -الذي يعاني مشكلة العجز ذاتها في إلحاق أبنائه بالتعليم- أن أبناءه الخمسة مرشحون أيضا للالتحاق بطابور المتسرِّبين، حيث اُضطر إلى توقيف الدراسة لطالبين منهم في المرحلة الجامعية، والثلاثة الباقون في المدارس، مما جعله يشعر بالإحباط كلما عاد إلى المنزل، ووجدهم خارج قاعات وفصول الدراسة.
يقول بجاش -في حديثه لـموقع "بلقيس"-: "في كل عام تزيد الأوضاع المعيشية سوءا، وتجف الموارد أكثر، ولم نعد ندري على أي جبهة نستطيع أن نكافح لنضمن لعائلاتنا حياة طبيعية تتوفر فيها الحدود الدنيا من سبل العيش".
- ادعاءات كاذبة
وكالشاوش، رفضت إدارة المدرسة إعفاء أبناء بجاش من الرسوم، التي تحددها بعض المدارس بـ4500 ريال؛ باعتبارها شاملة للمساهمة المجتمعية للأربعة الأشهر الأولى، فيما بعضها تطالب بـ1500 ريال عند التسجيل، وألف ريال شهريا.
وتناقض إجراءات حرمان طلاب المدارس من التعليم؛ بسبب العجز عن سداد المساهمة المجتمعية، إدعاءات مليشيات الحوثي، التي تسعى إلى الترويج أن المساهمة طوعية، ولا يُحرم الطالب من الدراسة في حال عجز ولي أمره عن سدادها، وتُخالف ما حدثت من وقائع طُرد فيها الطلاب من الامتحانات في السنوات الماضية؛ بسبب الرسوم.
وعلى الرغم من تدنِّي مستوى التعليم، ومرور أيام -أحيانا- دون دراسة حصة واحدة، إلا أن بجاش يرى أن ذهاب الطلاب إلى المدرسة أفضل من بقائهم في البيت، وتسربهم من التعليم، ويطالب بعودة مسار التعليم إلى ما كان عليه؛ للحيلولة دون تدمير جيل كامل يمثلون مستقبل اليمن.
- مستقبل معتِم
تبعات الحرب، التي شنتها مليشيات الحوثي للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، أوقفت كثيرا من الجهود والخطط، التي كانت تنفذها الدولة لتقليص نسبة الأمية، وتشجيع أولياء الأمور للدفع بأبنائهم إلى المدارس، وكان لها الدور الرئيسي في تدهور العملية التعليمية، وتدني مستوى التعليم.
وليس إلغاء مجانية التعليم والاتجار بالكتاب المدرسي إلا مسمارا أخيرا في نعش العملية التعليمية لكثير من الأسر، التي كافحت بشتى السبل لبقاء أبنائها في فصول الدراسة طوال السنوات الماضية، حتى وصلت في نهاية المطاف إلى العجز عن الإيفاء بواجباتها أمام أطفالها.
ويترتب على تسرب الأطفال من المدرسة تبعات وخيمة على حاضرهم ومستقبلهم، حيث جعلتهم هذه الظروف عرضة للاستقطاب من قِبل الجماعات المسلحة، وخاصة مليشيا الحوثي، وبددت فرص الحصول على الخبرات والمؤهلات، التي تمكنهم من المنافسة على فرص العمل، علاوة على نشوء مجتمع جاهل غير مدرك لحقوقه ووجباته.
وهذا ما تريده مليشيات الحوثي، التي تسعى جاهدة إلى وضع عراقيل أمام التحاق الأطفال بالمدارس، وتوسيع دائرة الجهل في أوساط اليمنيين؛ حتى يسهل عليها نشر أفكارها وخرافتها داخل المجتمع، دون وجود مقاومة، بحسب مراقبين.



