تقارير
بعد الفشل الأممي.. الحرب كجناح عسكري للسلام في اليمن

لم يعد ممكنا التعويل على الأمم المتحدة في إيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية بعد فشل ثلاثة من مبعوثيها إلى اليمن منذ بدء الأزمة، آخرهم البريطاني مارتن غريفيث، ولم يقتصر الأمر على مجرد الفشل فقط، بل فقد شهدت الأزمة اليمنية -خلال عمل المبعوثين الأمميين إلى البلاد- مزيدا من التعقيد، وسط اتهامات لهم بالتواطؤ مع جماعة الحوثيين في انقلابها على الدولة وتوسيع نطاق سيطرتها وأداء دور المنقذ لها كلما أوشكت على تكبد هزيمة في جبهة ما، كما أنهم عملوا على تجزئة الأزمة اليمنية، مثل جعل اتفاق 'ستوكهولم' محصورا على الحديدة فقط، وتجاهل انقلاب مليشيات ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على الحكومة الشرعية في عدن.
- دبلوماسية في غير مكانها
لعلّ أبرز خلل ساد عمل المبعوثين الأمميين إلى اليمن أنهم اعتمدوا "الدبلوماسية" كطريقة وحيدة لجهودهم من أجل إنهاء الأزمة وتحقيق السلام، ولم تكن مقترحاتهم للتوفيق بين الطرفين بناءً على أن تلك سلطة شرعية معترف بها دوليا وجماعة الحوثي مجرد جماعة عنصرية انقلابية، ولكنهم يتعاملون مع الطرفين بالخطاب نفسه، بل وتعدّى الأمر ذلك إلى التدليل المبالغ فيه للحوثيين وجعل حبال الأمم المتحدة موصولة بهم على الدوام، بذريعة العمل الإنساني والتخفيف من أعباء الحرب والأزمة المعيشية التي ألقت بكاهلها على المواطنين.
كما يتجنّب المبعوثون الأمميون تسمية الحوثيين كطرف وحيد معرقل لعملية السلام، رغم أن تعنّتهم كان واضحا من خلال رفضهم لكل المقترحات للحل، واستمرارهم في التصعيد العسكري ومواصلة الانتهاكات التي تطال المدنيين في مناطق سيطرتهم، والالتفاف على أي اتفاق يوقّعون عليه وإفراغه من مضمونه، كما هو الحال في طريقة تعاملهم مع اتفاق 'ستوكهولم' الموقّع مع الحكومة الشرعية في ديسمبر 2018.
وغاب عن المبعوثين الأمميين إلى اليمن أن جماعة الحوثي تستمد بقاءها وحضورها من استمرار الحرب والعنف، فضلا عن معتقداتها العنصرية الاستعلائية المسنودة بتنظيرات فقهية تشدد على أحقيتها في الانفراد بالسلطة واعتبار الدفاع عن ذلك -من خلال العنف والقتل- جهادا في سبيل الله، وإقصاء كافة المكوّنات السياسية والاجتماعية في اليمن من المشاركة السياسية، وجعل مختلف المواطنين ممن لا ينتمون لسلالتها كمواطنين من الدرجة الثانية وحرمانهم من كافة حقوقهم السياسية والمدنية.
كما غاب عن المبعوثين الأمميين خلفيات الصراع في اليمن التي تمتد إلى مئات السنين، ولذلك فقد عجزوا عن وضع رؤى وحلول تتناسب مع تعقيدات الأزمة، وبدلا من أن تعترف الأمم المتحدة بفشلها في ذلك، فإنها تكرر الفشل ذاته من خلال تغيير الأشخاص وليس تغيير الخطط والمقترحات والأفكار.
والنتيجة أنه كلما يأتي مبعوث أممي جديد إلى اليمن يجد نفسه بادئا في مهمته من الصفر، بسبب عجز المبعوث الذي سبقه عن تحقيق منجزات تفضي نحو السلام يمكن البناء عليها، ثم تنتهي مهمة المبعوث الجديد بدون تحقيق أي تقدم يُذكر، ويأتي الذي يليه ليبدأ من الصفر وينتهي عند نقطة الصفر.
وهكذا يدور الجميع في حلقة مفرغة تتخللها لقاءات وجولات مكوكية وإحاطات مقدمة لمجلس الأمن لا تسمي أبدا الطرف المعرقل لعملية السلام، وأحيانا يتعمد المبعوثون الأمميون تضليل المجتمع الدولي بزعمهم أن ثمة انفراجة مرتقبة وأن هناك نوعا من التقارب في وجهات النظر، والتبشير بإمكانية حل الأزمة اليمنية سياسيا.
وبعد نحو عشر سنوات من الفشل الأممي في اليمن، يبدو مسارا الحرب والسلام وكأنهما يمضيان في خطين متوازيين بدون نقطة التقاء، وفي حين تتعثر جهود الأمم المتحدة لإحلال السلام، تتعثر مختلف أطراف الصراع في الحسم العسكري، كما لا يمكن إغفال العامل الأجنبي في تغذية الصراع واستمراره، مما يضفي مزيدا من التعقيدات أمام جهود الأمم المتحدة لإنهاء الحرب وإحلال السلام في البلاد.
فمن ناحية تواصل إيران دعم الحوثيين بالمال والسلاح وتهريب خبراء عسكريين، ومن ناحية أخرى تواصل السعودية وحليفتها دولة الإمارات افتعال العراقيل أمام السلطة الشرعية من خلال دعم وتشكيل مليشيات انقلابية ذات طبيعة بدائية تنتمي لزمن ما قبل الدولة وتزويدها بالمال والسلاح، والسعي للسيطرة على محافظات وجزر شرقي البلاد البعيدة عن جبهات الحرب مع الحوثيين، وجعل الدعم العسكري للسلطة الشرعية في الحد الذي لا يمكنها من الحسم العسكري ضد الحوثيين، ولا يسمح للحوثيين بزيادة توسيع نطاق سيطرتهم على محافظات مهمة تسيطر عليها السلطة الشرعية.
ساد -خلال السنوات الماضية- أن الحل السياسي هو الحل الوحيد للأزمة في اليمن، وهذه المقولة روّج لها المبعوثون الأمميون إلى البلاد في لقاءاتهم بمختلف الأطراف، وفي تصريحاتهم الصحفية وإحاطاتهم الدورية المقدمة لمجلس الأمن عن الأزمة اليمنية، وذلك لتعزيز دورهم ودعم مهامهم ومواصلة استمرارهم في عملهم، وزاد من قناعة ذلك لدى المجتمع الدولي استمرار الحرب ومراوحتها في مكانها وعدم قدرة أي طرف على حسمها لصالحه أو تحقيق تقدم ميداني نوعي يجبر الطرف الآخر على تقديم تنازلات والخضوع لشروط الاستسلام تحت لافتة الاستجابة للحل السياسي للأزمة.
غير أن تعثر مساعي السلام منذ ما قبل اندلاع الحرب، في وقت كانت فيه أوضاع البلاد حينها مهيأة للحلول السلمية أفضل من الآن، ثم تعقدت الأزمة تصاعديا مع استمرار طول أمد الحرب، كل ذلك ينسف مقولة أن الأزمة اليمنية لا يمكن حلها إلا سياسيا وأن الحسم العسكري غير ممكن، والحقيقة هي أن الحسم العسكري ضد الجماعات والمليشيات الانقلابية في صنعاء وعدن ممكن في حال صدقت النوايا من قِبل السلطة الشرعية وشركائها المحليين وحلفائها الإقليميين. أما الحل السياسي فهو غير ممكن في ظل التوازنات العسكرية على الأرض، ذلك أنه لا يمكن لأي طرف أن يقدم تنازلات عسكرية كبيرة على الأرض من أجل مكاسب سياسية محدودة وغير مضمون استمرارها.
ولذا، فإنه ليس أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي سوى خيارين: إما مواصلة الجهود العبثية لحل الأزمة سياسيا في حين تتواصل الحرب إلى ما لا نهاية، أو الدعم القوي للسلطة الشرعية في شن حرب شاملة على كل الجماعات والمليشيات الانقلابية في شمال البلاد وجنوبها اختصارا للجهد والوقت والمال لتحقيق السلام في كل أنحاء البلاد، أي أن الحرب هي الجناح العسكري للسلام، خصوصا أن كلفة الحسم العسكري أقل بكثير من كلفة استمرار الحرب إلى ما لا نهاية بحثا عن سراب السلام المستحيل.



