تقارير
بعد أن ذاع صيته في العالم.. الغش يهدد سمعة العسل اليمني

لم يكن أمام اليمني صادق أحمد سوى احتساب أمره عند الله مرددا: "حسبي الله ونعم الوكيل"، بعد أن أخبره أحد أقدم بائعي العسل في صنعاء بأنه تم خداعه بعد أن اشترى 3 كيلوجرامات من العسل من النوع المخلوط على أنه من الصنف الأصيل.
لقد تحول بيع وشراء العسل في اليمن خلال سنوات الحرب من تجارة إلى مهنة خداع مربحة، يمارسها بعض ضعفاء النفوس يقول صادق وهو يتوعد من باعه العسل المغشوش.
غش واضح
خلال سنوات الأخيرة بدأ الكثير من اليمنيين في بيع العسل المغشوش وأكثر ما شجعهم على ذلك هو تسلل أنواع العسل المستورد إلى السوق اليمنية الأمر الذي تسبب باهتزاز الثقة بين البائع والمشتري وارتبك السوق اليمني بالخارجي، والأصلي بالمغشوش".
هذا التدفق الكبير للعسل المغشوش بدأ يقف أمامه النحالين اليمنيين حتى باتت مهنتهم تواجه تحديات كبيرة أدت إلى تراجع إنتاجها بالتزامن مع سوء جودة العسل المعروض في الأسواق، وإنتاج كميات مهولة من العسل المغشوش، إضافة لعدد من الصعوبات التي يواجهونا بسبب الحرب والانقلاب والتغير المناخي، إضافة إلى ألغام الحوثيين وأعمال الجباية.
ومن بين أكثر الأسباب التي شجعت انتشار العسل المغشوش على حساب العسل اليمني الأصلي هو غياب الرقابة وعدم تتبع مصدره وجودته وكذلك عدم إلزام التجار بالكشف عن المنشأ الحقيقي له أو تسعيره بأسعار توازي جودته ومصدره.

وتكثر طرق إنتاج العسل المغشوش، كما تتعدد خصائص ودرجات أنواع العسل اليمني، وبعد أن كان عبدالله بارشيد (تاجر عسل) يبيع الكيلوجرام الواحد من "السدر" بـ 21450 ريالا يمنيا (مائة دولار) أصبح بالإمكان الحصول على جالون كامل مغشوشاً وزن سبعة كيلوجرامات بنفس القيمة، يقول عبد الله، إن ذلك "يجعله يشعر بالإحباط والقهر".
وباتت المهنة سهلة لكل من يريد الغش إذ يفيد نحالون بأأن الغشاشون يقومون بشراء جالون سبعة كيلوجرامات من أجود أنواع العسل اليمني "السدر"، ويتم في المقابل شراء أربعة جالونات من العسل المستورد الكشميري ويتم توزيع الجالون اليمني إلى أربعة أقسام متساوية بعد أن يتم تنقيص الربع من وزن كل جالون مستورد.
وبحسب نحالين تحدث إليهم موقع بلقيس فإن عملية الخلط لا تستغرق كثيراً، يقوم بعدها العسّال الغشاش بإضافة ثلاثة أرباع من الكشميري أولاً، ثم الربع من "السدر" اليمني، وتتم العملية بطريقة بدائية من خلال تبديل أوعية الجالونات البيضاء المصنوعة من البلاستيك التي يستخدمها بقية النحالين اليمنيين ويخرج الجميع بها إلى السوق للمنافسة ومن يريد الشراء، منهم فعليه أخذ عينة من الطبقة العليا في بداية الجالون وفحصها كما يريد.
تراجع كبير
يملك أبو عبد الرحمن، الذي ورث هذه المهنة عن أجداده، المئات من خلايا النحل وينتج الكثير من العسل، إلا أن إنتاجه تراجع في الآونة الأخيرة بسبب تحييد بعض المناطق عن عملية الرعي بعدما صارت مناطق اشتباكات، وكذلك ارتفاع اسعار المشتقات النفطية، بالإضافة إلى عراقيل تصديره إلى الخارج، كما يقول.

وبحسب أبو عبد الرحمن فإن مستوى الدخل تراجع بنسبة كبيرة عما كان عليه قبل الحرب إلى نحو خمسين بالمئة بالنسبة إلى بيع العسل داخليا. أما التصدير، فتراجع بشكل كبير جدا".
ويوضح أن الحرب والحصار أغلقا الأبواب أمام الزوار والسياح من خارج اليمن، بالإضافة إلى عرقلة عمليات التصدير، إذ كان يصدر العسل قبل الحرب إلى دول عدة عبر مطار صنعاء، أو عبر المنافذ البرية بسهولة.
ويقول خبراء بأن منتجي وبائعي العسل يواجهون صعوبات كثيرة تحد من تنقلهم وتقلل من كميات إنتاجهم، ومن أهمها الاحتطاب الجائر للأشجار ذات الفوائد العالية للنحل بسبب انعدام مادة الغاز التي تستخدم للطهي، ما دفع الكثير من العائلات إلى البحث عن بدائل كاستخدام الأشجار.
وبتربية النحل وإنتاج العسل، اهتم اليمنيون على مدى عصور توارثوها من الآباء والأجداد واكتسبوا خبراتهم في معرفة أنواع وطوائف النحل ومراعيها ونوعية كل منتج من عسل النحل، حتى صار اليوم يُعرف كل عسل بطبيعة الأرض والأزهار والأشجار التي يرعى منها النحل، كما تحدد جودته وفق نوع الأشجار والمنطقة.
وقد تراكمت خبرات النحالين اليمنيين حتى صاروا على دراية كافية بمواعيد تكاثر النحل ومواسم تقسيمه، وبمواسم إنتاج العسل، وفي رعاية طوائفها على مدار العام.
ويعرف النحالون اليمنيون مواعيد تزهير المراعي في المناطق البيئية المختلفة، فتجدهم ينقلون طوائف النحل من واد إلى آخر، ومن منطقة إلى منطقة أخرى سعياً وراء مصدر الغذاء (رحيق – حبوب لقاح).
ويمتلك اليمن الكثير من أنواع العسل، ومنها عسل السدر (العلب)، وهو النوع الذي يحظى بشهرة ومكانة مرموقة جعلته من أشهر الأعسال في العالم وأغلاها سعرا.
تحديات ماثلة
وخلال الفترات الأخيرة حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من تأثر إنتاج العسل اليمني بسبب التغير المناخي والممارسات الأخرى التي تقتل النحل، كتوقف تصديره وصعوبة التنقل بخلايا النحل بين المراعي بسبب الألغام التي زرعها الانقلابيون الحوثيون، وانتشار نقاط التفتيش وارتفاع أسعار الوقود إضافة إلى آثار التغيّر المناخي في البلاد.

وأشارت المنظمة الأممية إلى عسل السدر الذي تتفرد اليمن بإنتاجه، ويتميز بجودته وقيمته الغذائية العالية؛ إلا أنه يواجه خطر وفيات النحل الذي ينتجه بسبب استخدام المبيدات الزراعية لمكافحة الآفات، وإفقار النحالين على يد الانقلابيين الحوثيين الذين يفرضون رسوماً تعسفية عليهم في إطار نظام جباية «الزكاة».
وشددت المنظمة على أهمية الدعم الذي تقدمه لمربي النحل في اليمن عبر تدخلات مختلفة لصالح تعزيز التكيف مع تغير المناخ وتحسين أنظمة الإنتاج الزراعي، ومساعدة النحالين اليمنيين في إنقاذ النحل من الموت، نظراً لأن النحل من أهم الملقحات التي تسهم في جودة المنتجات الزراعية وتحسين وزيادة الغلة، مقدرة نسبة مساهمتها في ذلك بـ75 في المائة.
وأعربت عن قلقها من التهديدات العالمية للنحل، وما قد تتسبب به في تعطيل أنظمة إنتاج الغذاء، منوهة بأهمية الدور الاجتماعي والاقتصادي للعسل في اليمن، بما يجعل النحل بالغ الأهمية، ويدفع النحالين اليمنيين إلى متابعة الجهود العالمية لحماية النحل باهتمام.
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أعلنت في يونيو (حزيران) الماضي أن العسل اليمني تعرض لخسائر فادحة منذ عام 2014، أي منذ الانقلاب الحوثي، وأن موجات النزوح المتتالية هربا من العنف، وتأثير التلوث الناجم عن استخدام الأسلحة في مناطق الإنتاج، وتأثيرات تغير المناخ؛ وضعت من مربي النحل في حالة شك، ما تسبب بقلة الإنتاج.
وأوضحت اللجنة أن تسارع وتيرة التصحر أدى إلى تقليل مساحة الأرض التي تنمو فيها النباتات المزهرة التي يعتمد عليها النحل في تغذيته، وأن الصراع ألقى بتأثيره الكبير على المناخ، فارتفعت درجات الحرارة، وطرأت تغيرات على البيئة، محدثة اضطرابا في النظام الإيكولوجي للنحل، ما تسبب بتراجع عمليات التلقيح.
وأكد مسؤولو اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحرب حدّت من قدرة النحالين على التجول بحرية في الأرض خلال تفتُح الأزهار لجمع العسل، إلى جانب خوفهم من الألغام الأرضية واشتعال المعارك، خصوصاً أن كثيراً من النحالين تعرضوا لإطلاق النار هم أو خلايا النحل التابعة لهم.



