تقارير

بعد تعثر الحسم العسكري والحل السياسي.. هل المقاومة الشعبية هي الحل؟

بعد تعثر الحسم العسكري والحل السياسي.. هل المقاومة الشعبية هي الحل؟
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد

بعد دخول الحرب في اليمن عامها العاشر، وسط تعثر الحسم العسكري والحل السياسي، عاد الحديث مجددا عن المقاومة الشعبية باعتبارها الخيار الوحيد لتغيير مسار الأحداث واستعادة الدولة، بعد أن اتضح تماما أن البلاد تمضي نحو سيناريوهات كارثية إذا ظل التحالف السعودي الإماراتي يصنع العجز والفشل في أوساط الحكومة الشرعية، ويعمل على تفتيت البلاد، وينقل خلافاته إلى أوساط المكونات اليمنية، ويصبغ كل المسارات بالمؤامرات والسيناريوهات القاتمة، والتي ستؤدي جميعها في نهاية المطاف إلى يمن ممزق ومشتت بين مليشيات وأمراء حرب وكيانات متنافرة، وكلها مشاريع فوضى وحروب دائمة ومداخل يتسلل منها التدخل الأجنبي التخريبي في البلاد.

وكان لافتا أنه بعد إشهار المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية في اليمن، نهاية يوليو الماضي، أن وسائل إعلام تابعة للتحالف السعودي الإماراتي أبدت استياءها من إشهار ذلك "المجلس"، وشنت ضده هجوما قاسيا، ووجهت له اتهامات باطلة، مبررة ذلك الهجوم الحاد بأنه من منطلق الحرص على وحدة الصف وتماسك السلطة الشرعية، مع أن وحدة الصف وتماسك السلطة الشرعية أمران بددهما التحالف، وكان ذلك أحد دوافع تأسيس مجلس أعلى للمقاومة، وأما سبب انزعاج التحالف من إشهار ذلك "المجلس" فيكمن في القلق من أن تفسد المقاومة الشعبية طبخة التحالف في اليمن.

- الدور الوطني للمقاومة الشعبية

في البدء، تجدر الإشارة إلى أنه لولا ظهور المقاومة الشعبية ضد انقلاب مليشيا الحوثيين وحليفها علي عبد الله صالح على السلطة الشرعية، فإن ذلك الانقلاب كان سينجح في أيامه الأولى دون أي مقاومة، وسيتحول إلى أمر واقع كما هو حال معظم الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، خصوصا أن غالبية قوات الجيش والأمن في عموم المحافظات اليمنية كانت موالية لعلي عبد الله صالح، وستنظر للحوثيين كطرف حليف لا مشكلة في التعاون معه.

وأما القوات التي كانت قد أعلنت انشقاقها عن نظام علي صالح بعد جمعة الكرامة في مارس 2011 فلن تقاتل لأجل المجهول، وليس أمامها من خيار سوى إعلان العودة إلى الولاء للقيادة السياسية، وبالتالي فلن يجد التحالف السعودي الإماراتي أي مبرر للتدخل العسكري في اليمن، فنجاح الانقلاب دون مقاومة ربما كان سيتبعه إلغاء الأحزاب وتعطيل العمل بالدستور وإلقاء القبض على قادة الأحزاب ووضع الرئيس حينها، عبد ربه منصور هادي، تحت الإقامة الجبرية في مكان مجهول، إن لم يحال للسجن والمحاكمة.

لكن ظهور المقاومة الشعبية في وقت مبكر ضد مليشيا الحوثيين والقوات العسكرية الموالية لعلي عبد الله صالح أربك الانقلابيين ولفت الأنظار إلى خطورة التحديات التي تهدد المكتسبات الوطنية، وقد حفز ذلك كثيرا من المكونات السياسية والاجتماعية على رفض الانقلاب والاستعداد للدفاع عن المكتسبات الوطنية، وبدأت المقاومة الشعبية تنظم نفسها استعدادا لمواجهة مليشيا الحوثيين وقوات علي صالح قبل أن تصل إليها، كما هو حال المقاومة في محافظة مأرب التي تجمعت في ما تسميه "المطارح" استعدادا لمواجهة الانقلابيين بالسلاح.

كما أن الظهور المبكر للمقاومة الشعبية شجع قوات الجيش، التي أعلنت انضمامها للثورة الشعبية بعد جمعة الكرامة، على البقاء في صف الشعب ضد الانقلابيين، وكانت المقاومة الشعبية هي السباقة في مواجهة الانقلاب عسكريا، قبل تدخل التحالف بقيادة السعودية، وأيضا قبل أن تتحرك ألوية الجيش التي كانت على ولائها للسلطة الشرعية وتخوض مواجهة مسلحة ضد قوات الانقلابيين ومليشياتهم.

لقد أعادت المقاومة الشعبية -في بدايتها الأولى- تعريف القضية اليمنية ووضعت الأمور في مكانها الصحيح، فهناك شعب بمكوناته المختلفة يريد يمنا اتحاديا ديمقراطيا مزدهرا، مقابل طرف يريد تحويل البلاد إلى مزرعة خاصة يورثها عائلته من بعده، ومتحالف مع الإمامة السلالية الكهنوتية التي لها مشروع يشكل خطرا على الجميع.

ولذا فقد نجحت المقاومة الشعبية في إحباط المشروع الانقلابي مبكرا، ولم تدع له الفرصة ليمرر انقلابه بسهولة ويسر، وكان موقفها متقدما بكثير على مواقف معظم الأحزاب السياسية، بل ولا يُقارن بمواقف بعض الأحزاب. وإذا كان الانقلابيون ما زالوا مسيطرين على كثير من محافظات البلاد، فإن ذلك يتحمل وزره التحالف السعودي الإماراتي ومكونات الحكومة الشرعية التي التزمت الصمت إزاء سياسات التحالف التخريبية في اليمن.

- عداء التحالف للمقاومة الشعبية وتعطيلها

كانت المقاومة الشعبية ضد انقلاب الحوثيين وعلي صالح على السلطة الشرعية هي التي مهدت للتدخل العسكري السعودي الإماراتي في اليمن بذريعة مساندة السلطة الشرعية ضد الانقلاب، وكانت المقاومة هي التي تتقدم الصفوف في مواجهة مليشيا الانقلابيين وقواتهم، حتى بعد انخراط قوات الجيش التي بقيت على ولائها للسلطة الشرعية ومشاركة جنود من التحالف في بعض المعارك، وليس مبالغة القول إن المقاومة الشعبية كان لها الدور الأبرز في تحرير محافظات عدن وشبوة وتعز والضالع والجوف وأجزاء من محافظات أخرى، وأما دور التحالف فقد كان فقط مكملا لدور المقاومة الشعبية بتدميره عدد كبير من مخازن أسلحة الانقلابيين التي كانت ستستخدم في المعركة.

ونظرا لأن السعودية والإمارات تدخلتا عسكريا في اليمن بنوايا سيئة ومناقضة تماما للأسباب المعلنة لتدخلهما العسكري، فقد بديتا غير راضيتين عن استمرار المقاومة الشعبية كأبرز الفواعل المحلية في معركة استعادة الدولة، رغم أنهما في البداية قدمتا الدعم للمقاومة، بيد أن عمل المقاومة بعيدا عن أوامر الرياض وأبو ظبي ورغبتهما في حرف بوصلة الصراع، وكون المقاومة لا تعرف التراتبية العسكرية والتوجيهات والأوامر العليا، كل ذلك جعل التحالف السعودي الإماراتي يبحث عن ذرائع لتعطيل دور المقاومة الشعبية وجعلها تحت تصرفه ورهن إرادته.

لم يكن هناك أي خيار للتحالف بتعطيل دور المقاومة الشعبية سوى الطلب من الرئيس حينها عبد ربه منصور هادي التوجيه بدمج أفراد المقاومة الشعبية في الجيش الوطني، وكان لافتا أن الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد ربه هادي، في 26 نوفمبر 2015، لغرض التوجيه باستيعاب المقاومة الشعبية في الجيش الوطني، حضره ضابط إماراتي كبير يدعى حمد بن ضحي الكعبي، كما حضره قائد القوات الإماراتية حينذاك في عدن العميد ناصر مشبب، وفي الاجتماع أشار الرئيس هادي إلى أن عملية دمج المقاومة الشعبية في الجيش الوطني ستحظى بالدعم والمساندة من الأشقاء في دول التحالف وتحديدا السعودية والإمارات، وهو ما يؤكد أن فكرة دمج المقاومة في الجيش مصدرها التحالف لتعطيل دور المقاومة.

بدأت عملية دمج المقاومة الشعبية في الجيش الوطني مع مطلع العام 2016، ولقيت تلك الخطوة ارتياحا شعبيا كونها ستؤسس لجيش وطني احترافي يكون عامل أمن واستقرار لليمن الجديد بعد القضاء على الانقلاب، ويُعد الدمج بمنزلة مكافأة للمقاومة الشعبية على دورها الوطني. علاوة على ذلك، فدمج المقاومة الشعبية في الجيش سيسهم في تنظيم معركة استعادة الدولة والتعجيل بها، ذلك أن المعركة تقتضي التنسيق والترتيب والتنظيم والتخطيط والتكتيك والإمداد بالسلاح والغذاء والعمل بمنهجية عسكرية بحتة.

لكن بعد اكتمال عملية دمج المقاومة الشعبية في الجيش الوطني، والتي رافقتها إغراءات بالرواتب وأحيانا بالرتب العسكرية، حدث ما لم يكن في الحسبان، فمعارك استعادة الدولة توقفت في خطوط تماس معينة لم يتزحزح معظمها حتى اليوم، وأي محاولة من الجيش الوطني (المقاومة الشعبية سابقا) للتقدم في خطوط التماس يواجهها التحالف السعودي الإماراتي بهجمات الطيران الحربي والزعم بأن تلك الهجمات "خاطئة"، وبعد أشهر قليلة تقلصت الرواتب المغرية حتى انقطعت تماما، وتقلصت معها الإمدادات بالوقود والغذاء والسلاح والذخائر، مما اضطر بعض أفراد الجيش الذين يعولون أسرا كبيرة لمغادرة مواقعهم والذهاب بحثا عن عمل يعولون به أسرهم.

لم يقف الأمر عند ذلك الحد، فبعد أن وجه التحالف السلطة الشرعية بإبعاد أبرز قادة المقاومة الشعبية من ساحات المعارك ومغادرة البلاد، فإنه نكل بمن بقي منهم في المحافظات المحررة، فبعض قادة المقاومة تعرضوا للاغتيال، وآخرون تم اعتقالهم وتعذيبهم في معتقلات سرية، ولم يقتصر التنكيل على قادة المقاومة الشعبية، وإنما طاول أفرادا كانوا في صفوفها قتلا وسجنا وتعذيبا، وبعضهم ما زالوا مخفيين قسريا في السجون السرية التابعة لمليشيا المجلس الانتقالي إلى اليوم، ولم تقتصر عملية تصفية قادة المقاومة الشعبية على المحافظات التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي المدعوم من التحالف، وإنما شملت محافظات أخرى محررة شهدت اغتيال قيادات بارزة في المقاومة.

وبعد دمج المقاومة الشعبية في الجيش، بدا وكأن التحالف السعودي الإماراتي يقف موقفا عدائيا ضد أي انتفاضة لمقاومة شعبية تظهر في مناطق سيطرة الحوثيين، وليس مستبعدا أنه أمر السلطة الشرعية (الجيش الوطني) بعدم مساندة أي مقاومة شعبية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، رغم وحشية الحوثيين في قمع تلك الانتفاضات، مثل انتفاضة قبائل حجور بمحافظة حجة في مطلع العام 2019، والتي بدأت بالتمدد إلى منطقة قفلة عذر غربي محافظة عمران، لكن التحالف خذل تلك الانتفاضة رغم أن منطقة حجور تقع بالقرب من تمركز قوات المنطقة العسكرية الخامسة التابعة للجيش الوطني.

كما خذل التحالف انتفاضة قبائل البيضاء في منتصف العام 2020 بقيادة القيادي المؤتمري الشيخ ياسر العواضي، رحمه الله، بالرغم من أنه كان بالإمكان دعمها لقربها من تمركز قوات للجيش الوطني في مأرب وشبوة وغيرهما، ولعل السبب الوحيد لخذلان التحالف للانتفاضات الشعبية خشيته من أن تظهر مقاومة شعبية جديدة تفسد طبخة التحالف في اليمن، فترك لمليشيا الحوثيين حرية التنكيل الوحشي بها حتى لا تظهر أي مقاومة شعبية مكشوفة الظهر مجددا.

- لماذا عودة المقاومة الشعبية ضرورية؟

لا شك أن عودة المقاومة الشعبية في هذا التوقيت ستواجه بكثير من التحديات، لعل أهمها غياب الدعم الحكومي والأجنبي، وانتشار الأسلحة بكثافة في أوساط مكونات ومليشيات شكلها ويمولها التحالف السعودي الإماراتي، لكن لا يعني ذلك أن تنكفئ مختلف المكونات الوطنية على نفسها وتؤثر الصمت والسلامة، بينما المخاطر المحدقة بالبلاد تتوالى من كل حدب وصوب.

وإذا كانت عودة المقاومة الشعبية في هذا التوقيت صعبة من حيث التحديات الميدانية، فإنه من جانب آخر يعد هذا التوقيت هو الملائم لعودتها، لأن أوراق جميع الأطراف صارت مكشوفة، والشعب أصبح أكثر وعيا بما يحاك من مؤامرات ضد البلاد، والسخط الشعبي ضد الحوثيين وضد التحالف والمكونات التابعة له بلغ ذروته، ولذا فالمقاومة الشعبية تبدو ضرورة وطنية ملحة في هذا التوقيت، وللتغلب على التحديات التي ستواجهها عليها أن تبدأ في تنظيم نفسها لتشمل جميع المحافظات اليمنية، وأن تنشر الوعي في أوساط الجماهير بما يحاك ضد البلاد من مؤامرات ومكائد.

كما على المقاومة الشعبية أن ترفع صوتها عاليا للضغط على مختلف الأطراف ولو بتحريك مظاهرات شعبية سلمية، ويكون حمل السلاح هو الخيار الأخير لاستعادة الدولة في حال فشلت جميع الخيارات، على أن يسبق ذلك التنسيق مع الجيش الوطني لمساندة المقاومة دون انتظار التوجيهات العليا، بل ستكون مساندة الجيش للمقاومة الشعبية واجبا أخلاقيا ووطنيا، ومن المؤكد أنه سينشق عن السلطة الشرعية إذا بقيت على خنوعها للتحالف، مثلما انشق سابقا عن نظام علي صالح بعد قتله متظاهرين سلميين ثم تحالفه مع مليشيا الحوثيين الإمامية.

أخيرا، لقد بات مؤكدا أن التحالف السعودي الإماراتي يعمل ضد استعادة الدولة، من خلال دعم مكونات انفصالية ومناطقية وكانتونات، وذهب للتفاوض مع مليشيا الحوثيين، وبات مؤكدا أن السلطة الشرعية بهيكلها الحالي غير قادرة على استعادة الدولة، لتفككها وتمزقها وتنافر مكوناتها وارتهانها للتحالف، وبالتالي فإنه لم يعد أمام الشعب اليمني من خيار سوى تشكيل مقاومة شعبية واسعة والالتفاف حولها لاستعادة الدولة وحماية الوحدة الوطنية وطرد الوجود العسكري الأجنبي من البلاد، وسيلتحق بتلك المقاومة الجيش الوطني والأحزاب وجميع المكونات الوطنية.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.