تقارير
تصعيد "الانتقالي" ضد المؤتمر.. وجهة جديدة للعنف السياسي

يواصل ما يسمّى "المجلس الانتقالي الجنوبي"، المدعوم إماراتيا، مساعيه الإقصائية لجميع المكوّنات السياسية والفئات الاجتماعية في المحافظات الجنوبية والشرقية، سواء من خلال محاولته بسط سيطرته على كل مناطق جنوبي وشرقي البلاد، أو استمراره في إقصاء كل الأحزاب السياسية والفئات الاجتماعية من الحياة السياسية، من خلال إغلاق مقار الأحزاب السياسية والتضييق على القيادات الحزبية، فضلا عن استمراره في عرقلة عودة الحكومة الشرعية إلى العاصمة المؤقتة (عدن)، ورفضه استكمال تنفيذ بنود الرياض، والاستيلاء على المؤسسات الحكومية في المدن والمحافظات التي يسيطر عليها.
يستند المجلس الانتقالي إلى الدعم الإماراتي له في تحرّكاته الإقصائية للجميع، ومحاولة بسط سيطرته كل المحافظات الجنوبية والشرقية، لكنه بدأ مؤخرا التصعيد ضد فصيل آخر يحظى مثله بدعم الإمارات، وهو المكتب السياسي لما تسمى "المقاومة الوطنية" (الجناح السياسي للتشكيلات العسكرية التي يقودها طارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق علي صالح).
ولم يتضح بعد موقف الإمارات من الخلافات بين أبرز حليفين لها في اليمن، خصوصا أنه في البداية كانت العلاقة بينهما جيّدة، فهل تلك الخلافات تم هندستها لإغراق البلاد في مزيد من الفوضى؟ أم أنها تعكس تباين أهداف أطرافها، واختلاف أجندتهم، وعدم قدرة الإمارات على التوفيق بينهم؟
- العنف السياسي ضد حزب المؤتمر
لم يدم احتفاء المجلس الانتقالي بسيطرته (غير المكتملة) على محافظة شبوة كثيراً، بعد تغيير محافظها السابق، محمد صالح بن عديو، وتعيين محافظ جديد للمحافظة مقرّب من "الانتقالي" والإمارات، ففي حين كانت أنظار "الانتقالي" تتجه شرقا ومحاولة السيطرة على محافظتي المهرة وحضرموت، كانت المفاجأة أن الإمارات دفعت بحليفها طارق صالح إلى إشهار مكتب سياسي لما يُطلق عليها "المقاومة الوطنية" في محافظة شبوة، وهو ما استفز المجلس الانتقالي الذي أصدر بيانا مذيلاً باسم فرعه في شبوة، أكد فيه رفضه لما سماه "إنشاء أي كيانات يمنية في الجنوب"، في إشارة إلى المكتب السياسي المذكور، ودعا "الانتقالي" المواطنين في شبوة إلى التعبير عن رفضهم لذلك.
كما عقد المجلس الانتقالي اجتماعاً في العاصمة المؤقتة (عدن)، الاثنين الماضي، ترأسه محافظ عدن، أحمد لملس، وأُعلِن -خلال الاجتماع- رفض المجلس الانتقالي "القاطع" لما سماه "إنشاء أي كيانات يمنية في الجنوب"، في إشارة أيضا إلى المكتب السياسي لما يُطلق عليها "المقاومة الوطنية" التي يقودها طارق صالح.
وسرَت شائعات تداولتها وسائل إعلامية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث عن أن دولة الإمارات تسعى إلى تصعيد حزب المؤتمر في جنوبي البلاد، والتخلّص تدريجيا من المجلس الانتقالي، بعد أن اتضح لها أنه غير مقبول شعبياً.
ورغم أن تلك الشائعات لم تستند إلى دليل منطقي يؤكدها، لكنها أثارت قلق المجلس الانتقالي، الذي اتخذ خطوة تصعيدية استباقية بعد حملة تحريض واسعة ضد حزب المؤتمر، حيث اقتحم مسلحون يتبعون "الانتقالي" المقر الرئيسي لحزب المؤتمر الشعبي العام في مدينة التواهي بالعاصمة المؤقتة (عدن)، وبعد ساعات من اقتحامه، في 3 مارس الجاري، رفعوا لافتة تحمل اسم "المجلس الانتقالي" على واجهة المبنى، ما يعني تحويله إلى مقر لـ"الانتقالي" ولفرعه في مديرية التواهي، وربما تخصيص المبنى لعدد من الدوائر التابعة له بعد نقلها من المبنى السابق الواقع في المديرية ذاتها.
وإذا لم تعمل الإمارات على إنهاء الخلافات بين المجلس الانتقالي والمكتب السياسي التابع لطارق صالح، فمن المحتمل أن يزداد تصعيد "الانتقالي" ضد خصومه الجدد، خصوصا أن هناك أنباء تفيد بأن المكتب السياسي التابع لطارق صالح يعتزم افتتاح فروع في عدد من المحافظات المحررة، بما فيها العاصمة المؤقتة (عدن)، يقابل ذلك حملة تحريض واسعة ضد حزب المؤتمر وطارق صالح، يقودها بعض أنصار وقيادات المجلس الانتقالي.
ويتزامن تصعيد المجلس الانتقالي ضد حزب المؤتمر والمكتب السياسي لـ"المقاومة الوطنية"، التي يقودها طارق صالح، مع ظهور مفاجئ لما يسمى "المجلس الجامع" في محافظة المهرة، الذي دعا إلى فتح باب التسجيل وتشكيل قوات جديدة في المحافظة خارج إطار مؤسسات الدولة، وذلك بعد فشل محاولات سابقة بذلها المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا للسيطرة على محافظة المهرة، كما فشلت محاولات سابقة لنشر الفوضى في محافظة حضرموت والسيطرة الكاملة عليها.
- أهداف مزدوجة؟
إذا كانت الإمارات تدعم المجلس الانتقالي من أجل التمكين لمشروع الانفصال، فإنها تدعم طارق صالح ومكتبه السياسي التابع لـ"المقاومة الوطنية"، التي يقودها، بهدف التمكين السياسي والعسكري لعائلة الرئيس السابق علي صالح، ولذا، فإن افتتاح فروع للمكتب السياسي التابع لطارق صالح في محافظات جنوبية يراه "الانتقالي" تهديدا له ولمشروع الانفصال، خصوصا في ظل دعوات توحيد الصف الجمهوري الموجّهة لكل الأطراف المناهضة للحوثيين، وهي دعوات تثير فزع المجلس الانتقالي مثلما تثير فزع الحوثيين.
ويبدو أن الإمارات عندما دفعت بـ"المكتب السياسي" التابع لطارق صالح إلى افتتاح فروع في بعض المحافظات الجنوبية أو المحررة، لم يكن ذلك بهدف مزاحمة المجلس الانتقالي في الجغرافيا التي يسعى لاحتكار تمثيلها والسيطرة عليها، ولكن بهدف جعل "المكتب السياسي" يملأ الفراغ الذي خلّفه الغياب التنظيمي لحزب المؤتمر، وليكون كوعاء لاستيعاب قيادات المؤتمر التي تبدي ممانعة إزاء توسّع المجلس الانتقالي أو ترفض الانخراط فيه، وبالتالي تعزيز حضور "المكتب السياسي" التابع لطارق صالح، وجعله مدخلا للتقارب بين المجلس الانتقالي والقيادات المؤتمرية (الجنوبية) الرافضة الانخراط في المجلس الانتقالي أو المعترضة على توسعه ومساعيه لاحتكار تمثيل الجنوب والقضية الجنوبية.
ومهما يكن، سيظل المجلس الانتقالي "حليفا متعبا" للإمارات والسعودية، ذلك أن حجم حضوره وما حققه منذ تأسيسه لا يرقى إلى مستوى الدعم المالي والعسكري الذي ظل يتلّقاه طوال السنوات الماضية، وكاد كل ذلك الدعم أن ينتهي في لحظة واحدة أثناء أحداث أغسطس 2019، لو لم تتدخل الإمارات، وتقصف بالطيران الحربي وحدات الجيش الوطني، التي أوشكت على استعادة السيطرة على العاصمة المؤقتة (عدن)، وإنهاء التمرّد.
كما أنه -أي المجلس الانتقالي- لا يحظى بقبول شعبي في المحافظات الجنوبية والشرقية يؤهّله لتمرير أجندته وأجندة داعميه، وزاد أن ارتكب مخالفات وفشل في إدارة المدن والمناطق التي يسيطر عليها، مما يزيد من عزلته ونفور المواطنين منه.
إذاً، هل صحيح ما يُشاع بشأن سعي الإمارات لإحلال تيار آخر ليكون بديلاً عن المجلس الانتقالي، ويحظى بشعبية في كل المحافظات الجنوبية والشرقية بعد فشل "الانتقالي" في تنفيذ المهام الموكلة إليه؟ أم أن ثمة سيناريوهات أخرى يجري الترتيب لها على وقع الاضطرابات وتنامي حالة الرفض لتمدد المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة؟!



