تقارير
تعجيل التحالف والانتقالي بمسار انفصال جنوب اليمن.. دلالات التوقيت

يبدو ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي وكأنه في سباق مع الزمن لتوسيع رقعة سيطرته في المحافظات الجنوبية والشرقية بمساندة عسكرية من التحالف السعودي - الإماراتي، نتيجة للعديد من العوامل التي شجعته مؤخرا على المضي في هذا المسار، غير آبه بتداعيات أحداث شبوة التي لم ينقشع غبارها بعد، والتي كانت أشبه بزلزال سياسي حرك المياه الآسنة وألقى بتأثيره على مختلف الأطراف وقلص خياراتها، ولم يعد أمامها سوى المواجهة أو الاستسلام.
وبما أن المواجهة تبدو كخيار مؤجل حتى تحين اللحظة الحاسمة، أي لحظة الانفجار الشامل، فإن المجلس الانتقالي والتحالف السعودي - الإماراتي يرون ضرورة التعجيل بالمضي في مسار الانفصال، كون اللحظة الراهنة تعد الأنسب لذلك، بعد حالة التشتت والفراغ التي صنعها التحالف في رأس السلطة الشرعية من خلال تشكيل مجلس قيادة رئاسي لن ينجح التماسك الشكلي في ردم الفجوات والتنافر بين أعضائه، وهو تماسك محكوم باعتبارات أمنية وسياسية وشخصية أيضا، لكنه قد ينهار في أي لحظة.
- دلالات ودوافع التصعيد المتزايد
تتعدد دوافع المجلس الانتقالي للتصعيد ومحاولة توسيع رقعة سيطرته التي ستتركز على المنشآت الحيوية والثروات السيادية ومراكز المحافظات والمدن الرئيسية في جنوب البلاد، ومن أهم تلك الدوافع أن سيطرته على مركز محافظة شبوة، مدينة عتق، من دون اندلاع معركة شاملة أو تكبد خسائر مؤلمة، ثم السيطرة على حقول النفط والغاز في المحافظة ذاتها، فتحت شهيته للتوسع في بقية المحافظات الجنوبية والشرقية التي لم يسيطر عليها، حيث أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي ورئيس "الانتقالي"، عيدروس الزبيدي، عن عملية عسكرية جديدة للسيطرة على محافظة أبين، وهو ما تم من دون قتال، بذريعة تطهيرها من الإرهاب، حسب زعم بيان صادر عنه.
لكن الهدف الحقيقي هو السيطرة على المحافظة لتأمين تحرك مليشيا المجلس الانتقالي إلى محافظتي حضرموت والمهرة، وليكون "الانتقالي" بذلك قد تخلص من أهم عقبتين تعترضان توسع المليشيا التابعة له، أي شبوة وأبين، وبالتالي لم يبقَ أمامه سوى محافظتي حضرموت والمهرة، وهما لا تشكلان عقبة كبيرة أمام مليشيا "الانتقالي" كالعقبة التي كانت تشكلها شبوة وأبين، فمحافظة المهرة تسيطر قوات سعودية على مراكزها الحيوية، ومحافظة حضرموت تتواجد فيها مليشيا تابعة للمجلس الانتقالي تعرف بـ"النخبة الحضرمية" ستمهد الطريق لقدوم مليشيا من خارج المحافظة، كما أن الطيران الحربي للتحالف السعودي - الإماراتي كفيل بمساندة مليشيا المجلس الانتقالي وإبعاد القوات الحكومية من مواقعها إلى خارج المدن ومنح مليشيا "الانتقالي" نصرا مزيفا.
يضاف إلى ذلك أن المجلس الانتقالي استغل تشتت أعضاء مجلس القيادة الرئاسي وسفر رئيس المجلس إلى الإمارات ومنها إلى السعودية، لينفرد عيدروس الزبيدي بتمثيل ما تسمى سلطة شرعية تحت لافتة المجلس الرئاسي في العاصمة المؤقتة عدن، والتصرف كحاكم وحيد يصدر الأوامر والتوجيهات ويدير المشهد العسكري والأمني، رغم أن تواجد رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي في عدن لن يعرقل المجلس الانتقالي عن المضي في المسار الحالي، لكن حدوث التطورات الجارية في جنوبي البلاد، في ظل تواجد رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي في عدن، سيكون لها رد فعل شعبي ضاغط على المجلس الرئاسي ودفعه لاتخاذ إجراءات ما، ولو استقالة بعض أعضائه والانتقال إلى خطوة جديدة من المجابهة.
كما أن مخاوف المجلس الانتقالي ومخاوف داعميه، الإمارات والسعودية، من أن تؤدي التطورات الجارية إلى دفع الأطراف المتضررة إلى التكتل وإعادة تدوير حساباتها بشكل يؤثر على مسار الانفصال، فإن هذه المخاوف تدفع بالتعجيل في فرض الأمر الواقع، واستغلال حالة الصدمة بالنسبة للأطراف المتضررة للاستمرار في الوثوب عليها وعدم منحها الفرصة لتدارس خيارات المواجهة والتنسيق لها.
ولذلك فإن الخطوات المتسارعة لتوسيع رقعة السيطرة وتداعياتها كلها عوامل تنهك الأطراف المتضررة وتقلص من خياراتها، أي قوات الجيش والأمن الحكومية في المحافظات المستهدفة والقبائل الرافضة لقدوم مليشيا من خارج مناطقها للتحكم بمصيرها، خصوصا عندما تتم عملية السيطرة بتواطؤ من مجلس القيادة الرئاسي وبتدخل عسكري إماراتي وسعودي مباشر، حتى وإن كان ذلك لا يعني الحسم لصالح الانفصاليين في ظل توازنات ستحول الأرض إلى جحيم على مليشيا "الانتقالي" في المحافظات التي لا توجد فيها حاضنة شعبية لها، ويُنظر لها باعتبارها مليشيا غازية ومعتدية، وعامل المباغتة والإرباك عامل لحظي ولن يدوم طويلا، فهناك قوات تتواجد على الأرض، وهناك قبائل مسلحة وغاضبة تتحين لحظة الانفجار والحسم.
أيضا، يرى المجلس الانتقالي والتحالف السعودي - الإماراتي أن هذه اللحظة هي اللحظة المواتية لقطع أشواط كبيرة في مسار انفصال جنوب اليمن لاعتبارات أخرى، من بينها سيولة الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية المنهكة للمواطنين، كونها تعطل صوتهم وتعيق أي طرف من تحريك ورقة الشارع المنهك الذي لم يعد يجد سلطة أو حاكم قوي يمثله أو يستحق منه المساندة، بينما الهدنة مع مليشيا الحوثيين أفسحت المجال للمضي في ترتيبات الانفصال.
كما برز عامل مهم جعل التحالف السعودي - الإماراتي يطمئن بأن ما بقي من الحكومة الشرعية وأبرز المكونات السياسية المساندة لها لم يعد لديها أي أوراق ضغط مثل البحث عن حليف أجنبي جديد يغير معادلة الصراع، كما حصل في ليبيا عندما تدخلت تركيا، فمخاوف الرياض وأبو ظبي السابقة من احتمال تدخل تركيا في اليمن تلاشت بعد المصالحات الإقليمية وتصفير الأزمات التي برزت بعد ثورات الربيع العربي، مثل تحسن العلاقات بين تركيا وكل من السعودية ومصر والإمارات، وانتهاء أزمة حصار قطر، وتراجع حدة التنافس على زعامة الإقليم بين القوى الرئيسية في المنطقة.
- لحظة تحول جوهري
تمر الأزمة اليمنية في صيغتها الراهنة بتحولات هيكلية ومفصلية ستلقي بتأثيرها على مختلف أطراف الصراع المحلية والخارجية، وستدفع الأطراف المتضررة إلى إعادة تدوير حساباتها، وربما تؤدي لفك وإعادة تركيب التحالفات القائمة وفقا للحسابات التي ستفرزها التطورات الراهنة.
ومجمل القول إن تحولات الأزمة اليمنية والحرب داخل الحرب وتباين الرؤى والأهداف، كلها أمور سترتب خيارات وسيناريوهات متعددة، وتؤكد ذلك الاضطرابات والفوضى المتزايدة كل يوم ومساراتها وأنماطها، واستمرار حالة عدم الاستقرار، وطموحات النفوذ والهيمنة لأطراف أوجدها التحالف من العدم.



