تقارير
تغييب حوثي للحقيقة.. مطالبات بتحقيق مستقل في حادثة التدافع بصنعاء
في ليلة العيد تخضبت صنعاء بدماء عشرات المواطنين الجوعى والمحتاجين وهم يتسابقون للوصول إلى صدقة لا تتجاوز خمسة آلاف ريال، بعد أن عملت مليشيا الحوثي على تجويعهم ونهب حقوقهم طيلة 8 سنوات.
على الرغم من مرور نحو أسبوع على وقوع الحادثة، التي راح ضحيتها أكثر من 80 قتيلا وأكثر من 300 مصاب، إلا أن الغموض حولها لا يزال مخيما، حيث تنفرد مليشيا الحوثي في صنعاء ولا صوت آخر ولا لون غير اللون الأخضر الحوثي، الذي يلف الحياة العامة في كل مكان، بما فيها جراح الناس ودماء ذويهم.
تغيب الرواية الرسمية حتى الآن بتفاصيل ما حدث، ولم يُكشف المسؤولون عن الجريمة، وسط دعوات حقوقية محلية ودولية إلى التحقيق الشفاف والمستقل في الحادثة؛ تخوفا من تلاعب مليشيا الحوثي بالملف، وإخفاء الحقيقة، وإفلات المجرمين من العقاب، فهل سننتظر رواية المليشيا حتى تغيب الحقيقة، وتضيع حقوق الضحايا؟
- سجن كبير
يقول الصحفي والناشط الحقوقي، محمد الأحمدي: "إن الحادثة كانت صدمة كبيرة وألم رغم أنها ليست المذبحة الأولى التي تتم وتقف خلفها مليشيا الحوثي لعدة أسباب، سواء بالنظر إلى البُعد المباشر لحادثة التدافع وإطلاق الرصاص من قِبل مليشيا الحوثي، وحدث على إثره انفجار لمحول كهربائي، وصعق العشرات من الأشخاص في تجمع، وفي مكان ضيق، بحسب شهود عيان".
ويرى أن "البُعد الآخر هو أن مليشيا الحوثي تتحمل مسؤولية تجويع اليمنيين طيلة هذه السنوات، فصور قيادات هذه المليشيا يشاهدها اليمنيون كلهم كيف انتفخوا خلال هذه السنوات، وبدت آثار النعمة عليهم، ليس فقط في أجسادهم، وإنما في طريقة عيشهم، وفي السيارات التي يمتلكونها، والاستثمارات التي يديرونها، والثراء الفاحش الذي بات واضحا، وفي المقابل عملوا على تجويع اليمنيين".
وأضاف: "8 دولارات فقط هو المبلغ الذي كان الناس يتدافعون للحصول عليه في ذلك المكان؛ كونهم بحاجة إليه، وهو مشهد مؤلم يجسد حالة العوز والبؤس الذي يعيشه اليمنيون في ظل سلطة المليشيا، والحرب التي فرضتها على كل اليمنيين".
وأوضح أن "ما يتعلق بحالة التكتم عن الحادثة، فنحن ما زلنا نتذكر مجزرة اللاجئين الأفارقة وغيرها كثير من المجازر، ومنها سرعان ما تقوم المليشيا بتصدير روايات لا تستند إلى حقائق ومعطيات واضحة، ولا توجد سوى هذه الرواية الواحدة".
واعتبر أن "صنعاء أصبحت سجنا كبيرا ومدينة مغلقة على مليشيا الحوثي منذ اللحظة الأولى من دخولها، حيث عملت على فرض اتجاه واحد في الإعلام والصحافة والتداول والنشر، وأغلقت كافة المؤسسات، وقضت على كل التنوع الموجود في العاصمة صنعاء الذي كان حصيلة عقود من نضال اليمنيين ومن حركة المجتمع؛ لخنقه وخنق التعدد في الأفكار والمفاهيم والتوجهات، وعملت على فرض توجه واحد ولون واحد ونمط واحد وفكرة وثقافة واحدة".
وأشار إلى أنه "مهما حاول البعض الادعاء بأن لديه قدرة للوصول إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي من الداخل وممارسة نشاطه من الداخل، فالمليشيا لا تسمح لأي نشاط مدني أو حقوقي أو إعلامي ما لم يعمل تحت سقف شروطها".
وقال: "مليشيا الحوثي عملت على سحق النشاط التجاري في اليمن، وإنشاء قطاع تجاري طفيلي يتبعها، ويستثمر معاناة اليمنيين بالأموال والمنهوبات التي تنهبها".
وأضاف: "نحن في اليمن أمام مشهد في غاية السوء، حيث تسعى المليشيا للانتقام من اليمنيين لعدة أبعاد بما في ذلك البعد التاريخي؛ باعتبارها عودة إجرامية للإمامة، فتسعى لمحاولة سحق كل مكتسبات اليمنيين منذ ثورة 26 سبتمبر 1962م، بما في ذلك ما يتعلق بحرية النشاط التجاري".
وأوضح أن "مليشيا الحوثي عمدت إلى حرية الصحافة والإعلام، وحرية النشاط المدني والسياسي، وحرية النشاط الحقوقي والإنساني وتوزيع المساعدات، وحرية النشاط التجاري والأعمال الاقتصادية ومارست عليها التضييق بكافة الوسائل، ما يعني أنها تفرض نمطا معينا في مناطق سيطرتها".
ولفت إلى أن "بيان مالك شركات الكبوس التجارية كان بيانا حذرا، لأنه يدرك أن بإمكان المليشيا أن تبطش بشركاته التجارية في مناطق سيطرتها دون رحمة".
- سلسلة من الجرائم
من جهته، يقول مدير مكتب حقوق الإنسان في أمانة العاصمة، فهمي الزبيري: "مليشيا الحوثي ماتزال حتى الآن تتحفظ عن الكشف عن التحقيقات حول الجريمة المأساوية، التي صُدم بها اليمنيون والعالم أجمع، أو حتى الكشف عن أسماء الضحايا".
وأوضح أن "أهالي الضحايا مُنعوا من قِبل المليشيا من تداول أي معلومات حول الحادثة، ومن زيارة أبنائهم وآبائهم، وهذه جريمة تضاف إلى جريمة القتل التي تعرَّض لها العشرات من الأبرياء".
وأضاف: "لا أحد يستطيع الحصول على أي معلومات في صنعاء، وما تم الحصول عليه سوى تلك الصور والفيديوهات والأسماء التي سربت ونشرت، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول أسباب التستر، وإخفاء المعلومات والأسماء من قِبل مليشيا الحوثي".
وأشار إلى أن "مليشيا الحوثي قامت بتشكيل لجنة تحقيق تتكون من أشخاص ينتمون لسلالتها، ولا جدوى منها، ولا يُنتظر منها أي نتائج، كونها ستخضع بكل تأكيد لتوجيهات قيادة المليشيا".
ولفت إلى أن "جريمة إحراق اللاجئين وجريمة قتل الأطفال بالأدوية المهربة والمغشوشة، وجرائم الاغتيالات، والكثير من الجرائم، حتى اليوم لم يتم كشف أي نتيجة من نتائج التحقيقات حولها".
وقال: "سياسة التجويع والإفقار، التي يعيشها اليمنيون اليوم في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، المليشيا وحدها المتهمة فيها، لا سيما زعيمها عبدالملك الحوثي".
وأضاف: "مليشيا الحوثي، منذ 8 سنوات، وهي تقطع المرتبات عن الموظفين، حتى أنها منعت التجار الذين يرغبون بتقديم الصدقات والمساعدات والمعونات للفقراء والمعوزين والمحتاجين، فقامت بمضايقتهم ومنعهم من تقديمها، ونفذت حملات تشويه للتجار وللمجموعات والمؤسسات التجارية".
وأشار إلى أن "المليشيا تقوم بالتضييق على التجار والقطاع الخاص في محاولة لتطفيشهم وإخراجهم، لأنها تقوم بإنشاء شركات اقتصادية تجارية ونفطية موازية لبناء إمبراطورية اقتصادية من أجل تركيع وإذلال اليمنيين".
وتابع: "مليشيا الحوثي تنهب ما يقارب ملياري دولار سنويا من إيرادات الزكاة والجبايات والأوقاف، التي تجنيها، ومن ميناء الحديدة تجني في الشهر الواحد نحو 300 مليار ريال، وهناك أموال كبيرة تجنيها من شركات الاتصالات، وجبايات الشركات الكبيرة، ومن النفط والأسواق السوداء، ومن خلال هذه الأموال تستطيع دفع ثلاثة مرتبات في الشهر الواحد، وليس مرتبا واحدا، لكنها تتعمد إفقار وتجويع اليمنيين، لأسباب سياسية واقتصادية وطائفية".



