تقارير

ثقل الحزن.. فتيات خارج المدارس في تعز

ثقل الحزن.. فتيات خارج المدارس في تعز
المصدر : خاص - هشام سرحان

مدينة العِلم والثقافة في وضع مختلف، المدينة التي كانت بناتها في سُلم التعليم على مستوى اليمن تواجه اليوم تحدّيات كبيرة بعد أن أصبح التعليم "لمن استطاع إليه سبيلا". 

فقد أجبرت الحرب، المستمرة منذ سبع سنوات، مئات الفتيات على التوقّف عن التعليم، لتعود الأمية من جديد، يرافق ذلك عشرات المتسوّلين للبحث عن لقمة تسد الرمق. 

تشهد المدينة -الواقعة جنوب غرب البلاد والأولى سكانياً والأكثر ضحايا ودماراً وفقراً وبطالة- تسرباً جماعياً للفتيات من المدارس في ظاهرة تتوسّع بصمت يوماً بعد آخر. 

هذا التسرُّب المسكوت عنه يفترس براءة الكثيرات ويغتال عقولهن وأحلامهن وتطلعاتهن وحاضرهن ومستقبلهن. 

تغيّرت المعادلة، فالتسرّب لم يعد يترصّد الفتيات في الأُسر الفقيرة بل فرض واقعاً آخر على الكثير من الأسر المتعلّمة والمثقّفة، وألقى بفتياتها خارج المدارس، وترك الحسرة لهن ولعوائلهن. 

قد يتقبل الشخص الأميّ والفقير أمر توقف فتياته وفتيانه عن الدراسة، لكن ذلك يبدو موجعاً ومريراً وثقيلاً بالنسبة لشخص متعلّم ومرهف الحس، وواسع الاطلاع، ومتعدد المعارف والخبرات. 

بعض من هؤلاء تلقّى تعليمه الجامعي خارج البلاد، واطّلع على ثقافات الشعوب الأخرى وطريقة عيشها، وأصبح يعي جيداً معنى تعليم الفتاة وأهميّته، وحقوقها المشروعة.

في المقابل، يبدو الأمر قاسياً وصادماً بالنسبة لأكاديمي وأستاذ جامعي، خبِر الحياة وتجاربها، وتلقّى تعليمه الجامعي في أرقى الجامعات الروسية، وحصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، وعمل لأكثر من عقد ونصف في إحدى الجامعات الحكومية، ثم انقطع راتبه. 

وبسبب هذا الانقطاع، توقفت حياة أسرته، وداهمته الهموم، وتراكمت عليه الديون وإيجارات السكن، وأحدق به العجز عن تعليم وإطعام أسرته، والإيفاء بالتزاماته نحوها.

-حسرة دفينة 

يتحفّظ الرجل الخمسيني -في حديثه لموقع "بلقيس"- عن اسمه ليحكي عن صعوبة توفير مصاريف ونفقات التعليم لعدد من أطفاله، بينهم فتيات توقفن عن التعليم، وانتهى بهن المطاف عند البقاء في المنزل. 

يتجنّب الخوض في تفاصيل موضوع فتياته المنقطعات عن المدرسة في صفوف دراسية متفاوتة، وأسمائهن وأعمارهن، فالتفاصيل تجرحه كما توجعه الأسئلة ووقعها، ويبدو طرح المزيد منها -بالنسبة له- كمن يفتش في جُرحه النازف، الذي لا يندمل، وألمه الذي لا يطيب. 

يقول بحسرة: "لنبقى مستورين أفضل، فبناتي المتوقّفات عن التعليم لن يغيّر وضعنا وواقعنا، ولن يجد أي تفاعل و تجاوب رسمي أو مجتمعي".

مما يُفهم منه أنه لم يعد يثق بالحكومة الشرعية بمقدار يأسه وفقدانه للأمل في تفاعلها مع قضيّته وقضايا الوطن عامة، كما لم يعد يكن الاحترام لها، كونها لم تلتفت إلى معاناته ومعانات غيره، ولم تتلمّس احتياجات مواطنيها، ولم تراعِ واجباتها ومسؤوليتها القانونية والأخلاقية تجاههم، حد تعبيره.

في السياق، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن أن نحو ثلاثة ملايين طفل يمني لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس خلال العام الدراسي الحالي (2021-2022)، وأرجعت ذلك إلى استمرار الصراع في البلاد.

روايات متطابقة ذكرت في أحاديث متفرّقة لموقع  "بلقيس" أن العملية التعليمية تعترضها صعوبات كثيرة بينها غلاء المستلزمات الدراسية وعجز الآباء عن توفيرها وتحمّل مصاريف ونفقات التعليم، لتردي أوضاعهم الاقتصادية. 

-أسباب  أخرى مرافقة 

يعجز البعض عن توفير إيجار الباصات التي تقلّ أولادهم إلى المدارس وتعيدهم منها، في حين يشتد افتقارهم للمال، وتزداد أجرة المواصلات بشكل يفوق الاحتمال، حيث رفع مالكو الباصات مؤخراً أجرة الراكب الواحد إلى 300 ريال، ما يفاقم معانات الطلبة ويدفعهم نحو التوجّه إلى المدارس واجتياز مسافات بعيدة سيرا على الأقدام، أو الانقطاع عنها والتزام المنازل.

منار الزبيدي (13 عاماً) توقفت عن الدراسة وهي في الصف الثاني الإعدادي، وذلك لشدة فقر أسرتها وعجز والدها عن شراء الدفاتر والأقلام والزي المدرسي، وتأمين وجبة الإفطار، وتوفير مصاريف الدراسة اليومية وأجرة المواصلات ونفقات التعليم، وذلك لها ولثلاثة من أشقائها.

تقول منار -بحرقة- لموقع "بلقيس": "ما قدرت أواصل الدراسة بسبب ظروف أسرتي الصعبة ومرض والدي، وانقطاع راتبه منذ العام 2016، وعدم قدرته على تحمل تكاليف الدراسة، وتوفير احتياجاتنا، والقوت الظروري لنا".

تضيف -بصوت ممتزج بالبكاء ومختنق بالعبرات: "لم أكن أرغب في ترك الدراسة والانقطاع عن المدرسة، فأنا أحب العلم والتعلم، ومتفوّقة في مختلف المستويات الدراسية، كما أنني من أوائل الطلاب في الصف".

يلازمها الحزن ولا يفارقها كظلها، وتستوطنها خيبة أمل كبيرة لن تبرأ منها إلا بتحقق حلمها، وتطلّعاتها نحو العودة إلى المدرسة، لكن لا جدوى من ذلك.

تعيش مع أسرتها ظروفاً بالغة السوء والخطر والتعقيد، وذلك في منزل متواضع ويخلو من المواد الغذائية والفُرش والبطانيات، والغاز المنزلي، وغيرها من متطلّبات الحياة. 

يحاول والد الفتاة - رجل خمسيني- أن يتناسى مأساة أطفاله المتوقّفين عن الدراسة، ويجتهد في البحث عن بديل متواضع، وقليل الكلفة للشقة التي يسكنها، ويقود مساعي يومية بحثاً عن دكان صغير، يلمَّ شتات أسرته ويتفادي أمر تشرّدهها في الشوارع. 

-حسرة الآباء

يضيف: "الحياة متعبة وشاقة ومريرة وقاسية، والأبواب موصدة في وجهي، ولم أستطع إعادة أطفالي إلى المدرسة، ويؤلمني حالهم بشدة، كما لم أعد احتمل النّظر في وجوههم الحزينة، ورؤيتهم بهذا الحال  وتشتد خشيتي عليهم، وكدت أن أُصاب بالجنون".

تزايدت -خلال السنوات الأخيرة- أعداد المتسرّبات من التعليم في تعز، في ظاهرة خطيرة، وتتوسع يوماً بعد آخر، ملقية بمئات الفتيات خارج أسوار المدارس، ويتم ذلك وسط تكتم رسمي شديد.

"تتعدد أسباب التسرّب التي من أبرزها الحرب والحصار والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتفشّي الفقر والأوبئة وجفاف مصادر الدخل وارتفاع تكاليف التعليم وغلاء مستلزماته وغياب أوجه الدعم، لا سيما التعليمي"، تقول الأخصائية الاجتماعية بشرى فرحان لموقع "بلقيس".

تلتزم بعض الفتيات المنقطعات عن المدارس البقاء في المنازل، والانشغال بأعمال المنزل، ومحاولة التعايش مع البُؤس والعوز، وشظف العيش، وصعوبة الظروف، وقسوة الحياة، فيما لم يعد بإمكان الأخريات فعل ذلك، إذ ضاقت بهن مساكنهن، فتوجهن نحو الشوارع لبيع الأشياء البسيطة في الأرصفة والجولات، أو ممارسة التسوّل، تقول روايات متطابقة.

إلى ذلك، تتحفّظ قيادة مكتب التربية والتعليم في تعز، وربّما تتهرّب من الحديث حول ظاهرة تسرّب الفتيات من المدارس، ومدى تفشّيها، ومعدّل تزايدها ودرجة خطورتها، والعدد الحقيقي للمتسرّبات، وغيرها من التساؤلات.

موقع "بلقيس" حاول التواصل بمدير مكتب التربية ونائبه للحديث حول موضوع في غاية الخطورة يمسّ مستقبل الكثير من الفتيات، لكنّه لم يلمس أي تجاوب.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.