تقارير
ثورة 11 فبراير.. حتمية تاريخية وفق قوانين الاجتماع

تعكس الحملات المنظمة ضد ثورة 11 فبراير 2011 عدم إدراك أصحابها أن الثورات ليست خيارات عبثية أو أحداثا منعزلة تنطلق من الفراغ أو مجرد رفاهية سياسية للجماهير الثائرة، وإنما هي جزء من المسار التاريخي للمجتمعات وتطورها، فالتاريخ يخبرنا بأن الثورات تخضع لقوانين الاجتماع ومسارات التحول التاريخي، وتندلع عندما تصل الأزمات السياسية والاقتصادية إلى ذروتها وتعجز الأنظمة القائمة عن استيعاب المتغيرات أو تقديم حلول فعلية للأزمات المتراكمة بسبب فسادها وعجزها وفشلها في إدارة البلدان التي تحكمها.
وهذا يعني أن ثورة 11 فبراير كانت حتمية تاريخية، ولم تكن الجماهير قادرة على الامتناع عن إشعالها خوفا من غموض مستقبلها، ولم يكن بوسع النظام الحاكم تجنبها ليضمن لنفسه التأبيد في السلطة وتوريثها لعائلته، فأسباب الثورة تراكمت عبر الزمن، ولحظة الانفجار كانت مفاجئة، فحتى أثناء الثورتين التونسية والمصرية لم يكن أحد يتوقع أنه ستندلع بعدهما الثورة اليمنية، رغم أن اليمن كان يشهد احتجاجات ومظاهرات قبل احتجاجات مصر وتونس، وكانت الأوضاع في اليمن هي الأسوأ من بين بلدان الربيع العربي.
ولذلك فإن ثورة 11 فبراير، كغيرها من الثورات، كانت نتيجة حتمية لمسار طويل من التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، فكما أن الطبيعة لها قوانين تحكمها، فإن الاجتماع البشري له قوانينه التي لا تحابي أحدا، والثورات جزء من حركة التاريخ وسننه التي لا تتوقف، وبالتالي لا يمكن قراءة الثورات بعيدا عن سياقها التاريخي والاجتماعي، لأنها ليست أحداثا منعزلة عن تطور المجتمعات ومسار التاريخ.
- تحميل ثورة فبراير أوزار الثورة المضادة
أما اتهام ثورة 11 فبراير بجلب الحوثيين إلى العاصمة صنعاء وتمكينهم من حكم جزء كبير من البلاد، فهذه مجرد محاولات يائسة لصرف الأنظار عن الأطراف التي سهلت للحوثيين دخول العاصمة صنعاء وسلمت لهم مؤسسات الدولة ومخازن الأسلحة وقوات الجيش والأمن وتحالفت معهم ضمن صف الثورة المضادة، وهم علي صالح وعائلته وجناحه في حزب المؤتمر والقبائل والشخصيات الموالية له.
يضاف إلى ذلك الدعم الخارجي للحوثيين والذي كان يهدف لجعلهم رأس حربة لضرب القوى المؤيدة لثورة فبراير، وهناك اعترافات موثقة في هذا السياق، منها تصريحات ضابط المخابرات السعودي أنور عشقي لقناة "روسيا اليوم" في أغسطس 2016، الذي قال إن "الحوثيين خذلوا دولة من دول مجلس التعاون الخليجي بأنهم سوف يضربون فئة معينة في اليمن، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل أخذوا الأموال الطائلة ثم استولوا على العاصمة صنعاء".
كما أن حملات الشيطنة المنظمة ضد ثورة 11 فبراير وتحميلها وزر عودة الإمامة تهدف أيضا إلى التغطية على مؤامرات التحالف السعودي الإماراتي على اليمن وتمويله لمشاريع تفتيت البلاد والحرص على عدم القضاء على مليشيا الحوثيين وعودة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، وفق ما أعلنه التحالف عند بدء تدخله العسكري في اليمن.
غير أن ما حصل كان العكس تماما، فبدلا من القضاء على الحوثيين تم القضاء على السلطة الشرعية وتوزيعها بين مكونات متنافرة أوجد التحالف بعضها من العدم، وبدلا من إعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، تم تشتيت السلطة الشرعية (البديلة) في عواصم بعض دول الإقليم وعرقلة عودتها حتى إلى العاصمة المؤقتة عدن.
كما تم منع الجيش الوطني من التقدم صوب العاصمة صنعاء من خلال ما تسمى الغارات الخاطئة، فضلا عن إنهاك الجيش وإضعافه وحرمانه من الرواتب والتغذية والتسليح، وتشكيل مليشيات وفصائل مسلحة خارج إطار وزارة الدفاع ودعمها بالمال والسلاح، وهي تشكيلات تخدم أجندة التحالف، وليس من أولوياتها الحرب على الحوثيين. وهكذا يعرقلون معركة التحرير ويحافظون على بقاء مليشيا الحوثيين، ثم يوجهون أتباعهم والإعلام الموالي لهم لاتهام ثورة 11 فبراير بأنها جلبت الحوثيين إلى العاصمة صنعاء ومكنتهم من حكم العديد من المحافظات اليمنية.
- ثورة 11 فبراير من منظور قوانين الاجتماع
يرى العديد من علماء الاجتماع والمفكرين والفلاسفة أن التاريخ البشري ليس سوى سجل للصراع بين القوى المتنافرة داخل المجتمعات، إذ يؤدي تفاقم الأزمات وعدم قدرة الأنظمة القائمة على الاستجابة لمتطلبات التطور إلى لحظة الانفجار التي تمثلها الثورة.
وعلى مر العصور، كانت الثورات المحرك الأساسي للتغيير، سواء ضد الاحتلال الأجنبي، أو في الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، أو من الأنظمة الاستبدادية إلى الديمقراطية، أو حتى في قلب أنظمة الحكم الاستبدادي من شكل إلى آخر.
وهناك العديد من نظريات علم الاجتماع التي تؤكد أن الثورات تأتي ضمن سياق حركة التاريخ والتغيرات المجتمعية، وأنها ليست عملا عبثيا يأتي من فراغ، أو حدثا منعزلا عن معاناة المجتمع ومطالب الجماهير.
وفيما يلي نماذج من النظريات التي تؤكد حتمية الثورات ضمن قوانين الاجتماع:
• نظرية الدورة التاريخية لابن خلدون: يرى ابن خلدون أن الدول تمر بدورات تاريخية تبدأ بالنشوء ثم التراجع فالسقوط، ففي بداية الدولة تكون العصبية قوية، مما يساعد على توحيد المجتمع، لكن مع مرور الوقت يضعف الحاكم وتزداد مظاهر الفساد والترف، مما يؤدي إلى تفكك العصبية وسقوط النظام. وعندما تفقد الدولة شرعيتها، تبدأ القوى الجديدة في الظهور، سواء من الداخل (ثورات شعبية) أو من الخارج (غزو). وهكذا تتكرر الدورة التاريخية مع صعود قوى جديدة تحل محل النظام السابق.
• النظرية الماركسية أو نظرية "الثورة حتمية تاريخية": يرى كارل ماركس أن الثورات ليست أحداثا عشوائية، بل هي حتمية تاريخية ناتجة عن الصراع الطبقي بين الفئات المستغلة (البرجوازية) والفئات المضطهدة (البروليتاريا)، ويؤكد أن الثورة تحدث عندما تصل الطبقة العاملة إلى وعيها الطبقي، فتدرك أن تحررها لا يمكن تحقيقه إلا بإسقاط الرأسمالية.
• نظرية الحرمان النسبي: وضع هذه النظرية تيد جُر، والتي ترى أن الثورات تحدث عندما يشعر الناس أنهم محرومون من حقوقهم أو من مستوى المعيشة الذي يتوقعونه. ووفقا لهذه النظرية، لا يثور الناس لأنهم فقراء، بل لأنهم يشعرون بأنهم يستحقون أكثر مما يحصلون عليه، وعندما تتحسن الظروف الاقتصادية ثم تسوء فجأة، يشعر الناس بالظلم ويصبحون أكثر ميلا للتمرد ضد النظام، وكلما زاد الفارق بين التوقعات والواقع زاد احتمال حدوث ثورة.
• نظرية الصراع الاجتماعي: يرى رالف دارندورف، واضع هذه النظرية، أن المجتمع يتكون من مجموعات تمتلك القوة ومجموعات أخرى محرومة منها، وعندما تصبح الفجوة بين هاتين الفئتين كبيرا جدا، يبدأ النظام في مواجهة تحديات خطيرة قد تؤدي إلى ثورة. ويقول إنه في الأنظمة الديمقراطية يمكن احتواء هذه التوترات من خلال الإصلاحات السياسية، لكن في الأنظمة الديكتاتورية فإن الاستبداد والقمع يؤديان إلى تراكم الغضب الشعبي مما يجعل الثورة أمرا لا بد منه.
• نظرية التوترات البنيوية: مفاد هذه النظرية، التي وضعها نيال سميلسر، أنه عندما تتراكم الأزمات يحدث الانفجار، وقدم نموذجا يوضح كيف تؤدي الأزمات المتراكمة إلى الثورات، منها: أزمة اقتصادية مثل البطالة والتضخم، وضعف القيم الاجتماعية وغياب الثقة بالنظام، وفقدان الشرعية السياسية بسبب الفساد والقمع، ووجود قيادة ثورية قادرة على توجيه الجماهير. وعندما تتفاعل هذه العوامل معا، تصبح الثورة أمرا لا بد منه.
• نظرية الديناميكيات الثورية: وضعت هذه النظرية ثيدا سكوكبول، وهي ترى أن الثورات لا تحصل لمجرد أن الناس غاضبون، بل تحتاج إلى ضعف أو انهيار مؤسسات الدولة، فإذا كانت الدولة قوية فإنها تستطيع قمع أي حركة ثورية، لكن عندما تصبح هشة وغير قادرة على السيطرة تصبح الثورة ممكنة.
• نظرية سيكولوجية الجماهير: يرى غوستاف لوبون، واضع هذه النظرية، أن الجماهير عندما تثور تتصرف بدافع العاطفة الجماعية بدلا من التفكير العقلاني، فيستغل القادة الثوريون هذه العاطفة من خلال الخطابات والشعارات الحماسية، مما يدفع الجماهير إلى التحرك بطريقة لا يمكن التنبؤ بها.
• نظرية دورة الثورات: يقول واضع هذه النظرية، كرين برينتون، في كتابه "تشريح الثورة"، بعد مقارنته بين الثورات الكبرى (الفرنسية، الأمريكية، الروسية، والبريطانية)، إن الثورات تمر بمراحل متشابهة:
الأولى، استياء عام بسبب الظلم أو القمع أو الفساد.
الثانية، صعود الحركات الاحتجاجية وتآكل شرعية السلطة القائمة.
الثالثة، تفجر الثورة وسيطرة المتطرفين على المشهد.
الرابعة، تراجع التطرف وظهور نظام جديد أكثر استقرارا.
- انعطافة حاسمة
إذن لقد كانت ثورة 11 فبراير انعطافة حاسمة في مسار التاريخ اليمني، تجسيدا للقوانين الاجتماعية التي تحكم تحولات المجتمعات، فالثورات تأتي نتيجة تراكمات كثيرة، وعندما تصل تلك التراكمات إلى نقطة اللاعودة يكون الانفجار أمرا لا بد منه، وبالتالي لم يكن بإمكان أحد أن يمنع ثورة فبراير، لا الجماهير التي خرجت تطالب بدولة مدنية حديثة، ولا النظام الذي استنفد كل وسائل البقاء، فقد كان الجميع يتحركون ضمن سنن التاريخ التي لا تتوقف عند إرادة فرد أو جماعة.
لكن التاريخ لا يكتفي بإشعال الثورات، بل يفرض على المجتمعات مسؤولية استكمال مسارها. وفي حين يحاول البعض تحميل ثورة 11 فبراير وزر ما جرى بعدها، فإن الحقيقة الأعمق هي أن الثورة لم تسقط، بل ما تزال تخوض معركتها المستمرة مع قوى الماضي التي ترفض الاعتراف بانتهاء صلاحيتها. ورغم كل التحديات، فأحرار الشعب اليمني سيواصلون النضال حتى تتحقق جميع أهداف الثورة، التي ستصبح ذكراها تؤرخ لبداية التحول وليس لنهايته.



