تقارير

ثورة 11 فبراير في ذكراها العاشرة.. وحتمية النجاح

ثورة 11 فبراير في ذكراها العاشرة.. وحتمية النجاح

عبد السلام قائد - قناة بلقيس 

تمثل ثورة 11 فبراير 2011 الشعبية السلمية أبرز محطة مفصلية في تاريخ اليمن المعاصر، ذلك أن الأهداف التي رفعتها شكلت طيًّا لصفحة ماضي اليمن بمجمله، خصوصا الميراث الأسود لعهود الحكم الإمامي الكهنوتي في شمال الوطن والاحتلال البريطاني في جنوبه، فبرزت مشاريع تسلطية بدائية شعرت أن الأهداف والأفكار التي جاءت بها الثورة تعد تهديدا وجوديا لها، كما أن بعض دول الجوار رأت في الثورة إيذانا بمرحلة جديدة من تاريخ اليمن قد تطوي صفحة النفوذ الأجنبي في البلاد إلى الأبد، وما كان يترتب عليه من أزمات سياسية وتعثر التنمية وعدم استقلال البلاد بقرارها السيادي، ومن هنا برزت مؤامرات كبيرة تستهدف الثورة وتعمل على محوها وشيطنتها وتحميلها أوزار القوى الرافضة لها.

ورغم قبح الثورة المضادة وشراستها وتعدد أطرافها المحلية والإقليمية، إلا أن ثورة 11 فبراير يتجدد ألقها كلما مرت ذكراها السنوية، كما تبرز عظمة الأهداف والأفكار التي جاءت بها، مما يثير غيض أعداء الثورة، الذين يحملونها وزر أفعالهم، وما ترتب عليها من انقلاب وحروب عبثية وتفشي الظاهرة المليشياوية في البلاد.

غير أن تنامي الوعي الشعبي بخطر المليشيات الانقلابية السلالية والمناطقية في صنعاء وعدن، وخطر التدخل الأجنبي بذريعة مساندة السلطة الشرعية، واتخاذ ذلك وسيلة لملشنة البلاد وإضعافها وتقليص دور الدولة والسيطرة على المطارات والموانئ ومناطق الثروات الطبيعية كالنفط والغاز والذهب وغيره، كل ذلك جعل الثورة والالتفاف حولها بمثابة الحصن الحصين للحفاظ على البلاد من مشاريع التسلط السلالي والمناطقي والاحتلال الأجنبي المُعطّل لموارد البلاد والمُحاصِر للسلطة الشرعية أكثر من حصاره لمليشيات الحوثي.

- الوحدة الشعبية وصدمة النظام

عندما اندلعت ثورة 11 فبراير، كان لافتا أنها حققت وحدة شعبية حول هدفٍ سام، في وقت بلغت فيه الانقسامات الداخلية التي تسبب بها النظام الحاكم ذروتها، فهناك حراك سلمي منقسم على نفسه في جنوب اليمن يطالب بالانفصال، وهناك حروب صعدة العبثية التي افتعلها النظام الحاكم لأهداف في نفس "علي صالح"، كما ازدادت حدة الأزمة المعيشية وتفشي الفقر والجوع والبطالة. 

أما الأزمة السياسية بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم فقد بلغت ذروتها، بسبب تعمد الحزب الحاكم إفشال الحوارات السياسية بين الطرفين التي بدأت منذ العام 2007، أي بعد انتخابات سبتمبر 2006 الرئاسية، وزاد الطين بلة تلويح الحزب الحاكم بإجراء تعديلات دستورية سبق تكرارها عدة مرات، بهدف ترسيخ مشروعي التوريث والتأبيد في السلطة لرئيس البلاد حينها علي صالح وعائلته.

وفي هذه الحالة من الفوضى والخراب، شكلت ثورة 11 فبراير -لحظة اندلاعها- صدمة عنيفة للحزب الحاكم، وسادت في البداية حالة من الارتباك جعلت الجميع أمام مأزق حقيقي لقناعتهم بأن زمنا يمانيا جديدا قد بدأ، ولكنه زمن يكتنفه الغموض، خصوصا ما يتعلق بمصير المنظومة السياسية القائمة، ومخاوف دول الجوار من انتقال عدوى الثورة إليها، وكان الارتباك هو سيد الموقف بالنسبة للأحزاب والقوى السياسية اليمنية.

بخصوص أحزاب المعارضة الرئيسية (تكتل اللقاء المشترك)، فهي لم تعلن التحاقها بالثورة إلا بعد أسابيع من اندلاعها، رغم أن معظم شباب الثورة هم من المنتمين لتلك الأحزاب، والنظام الحاكم عجز عن شيطنة الثورة أو وأدها في مهدها، خصوصا بعد اتساع وتعدد ساحات الحرية والتغيير في العديد من محافظات الجمهورية، وما ترفعه من شعارات موحّدة مطالبة بإسقاط النظام وبناء دولة مدنية حديثة لا مكان فيها للحكم العائلي، ولم ينجح أسلوب "البلطجة" الذي واجه به النظام الحاكم الثورة، بل فقد زادها ذلك اشتعالا، وازدادت القناعة بأن نظاما حاكما يستعين بالبلاطجة لقمع ثورة شعبية سلمية بالرصاص الحي والقتل لا يستحق البقاء في الحكم.

- آخر العلاج الكيْ

لم يحدث أن اندلعت أي ثورة عبر التاريخ من فراغ، كما أن الصراعات السياسية في الظروف الطبيعية لا يمكن أن تتحول إلى ثورة، والثورة في طبيعتها تجسيد لمقولة إن آخر العلاج الكيْ، وثورة 11 فبراير 2011 لا تخرج عن هذا السياق، فقد كانت هي "الكيْ" الذي فرضته تلك اللحظة التي تعثرت فيها الحلول السياسية السلمية للأزمة، بعد أن صارت الفوضى وجر النظام الحاكم للبلاد نحو المجهول وتثبيت مشروعي التوريث والتأبيد كمسألة حتمية بالنسبة له غير قابلة للمساومة.

ولعل النظام الحاكم أخطأ التقدير، واستهان بما سيترتب على الأزمات المعيشية والفساد والانقسامات وحالة الفوضى التي رسخها من غضب شعبي، كما أنه في البدء استهان بالثورة، وكانت بالنسبة له "مجرد مؤامرة" تستهدف كرسي الحكم فقط، بإمكانه وأدها والقضاء عليها.

وبإلقاء نظرة سريعة على أسباب اندلاع مختلف الثورات الشعبية في العالم على أنظمة الحكم المستبدة، سنجد أنها تشترك في الأسباب ومراحل التعثر ثم الوثوب مجددا وصولا لتحقيق كافة أهدافها، وهذا ما ينطبق على ثورة 11 فبراير 2011 الشعبية السلمية، التي جاءت بعد ثورة وعي شعبي بالحقوق السياسية والحريات لم ينتبه لها النظام الحاكم.

كما أنها كانت خلاصة سنوات من النضال السياسي السلمي الذي دعت له ورسخته أحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد، غير أن لحظة الحصاد المتمثلة في الثورة كانت فكرتها متقدمة كثيرا على الأحزاب السياسية، وقطعت أشواطًا للأمام بدا للحزب الحاكم وأحزاب المعارضة أن اللحاق بها أمر عسير لم تتوفر أدواته بعد، وفي حال تم ذلك فإنه ينطوي على مخاطر كبيرة، كما أن العودة لما قبل الثورة بدت أيضا مستحيلة.

- تعثر مؤقت

في العادة، لا تندلع ثورة شعبية ضد أي نظام حاكم، سواء كانت سلمية أو مسلحة، إلا في حال تراكمت أخطاء النظام الحاكم من جهة، وتراكم السخط الشعبي إزاء تلك الأخطاء من جهة ثانية، وهذا ما تجسد في الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة 11 فبراير، ويتخلل ذلك التراكم دعوات للنظام الحاكم لإصلاح أخطائه، فيرد النظام بمزيد من الأخطاء والتجاوزات وتحدي الجماهير الغاضبة، مستندا إلى القوة التي راكمها خلال سنوات السيطرة على السلطة.

ويستمر تراكم أخطاء النظام الحاكم بالتوازي مع تراكم سخط الجماهير الغاضبة حتى يصل إلى ذروته، وهنا تندلع الثورة، فتنجح سريعا في هدم النظام الحاكم الذي يكون حينها في لحظة يأس وارتباك يستحيل معها امتصاص غضب الجماهير من خلال إصلاحات شكلية، وبنفس الوقت يكون غير قادر على إشعال معركة كبيرة لوأد الثورة خوفا من حدة الغضب الشعبي الذي قد يتنامى بقوة وستكون عواقبه وخيمة على النظام الحاكم، وقد يجر النظام الحاكم البلاد إلى حرب أهلية للقضاء على الثورة، لكن مصير ذلك الفشل.

وبعد مرور مدة قصيرة على اندلاع الثورة، تبدأ الخلافات بين الثوار تبرز إلى الواجهة، بينما الدولة العميقة للنظام الحاكم تعمل بكل جهد للملمة شتاتها، ثم يستغل النظام الحاكم المترنح خلافات الثوار وينفخ فيها ويدعمها ماليا وإعلاميا، وبنفس الوقت يعمل على إثارة الفوضى الأمنية وتخريب الخدمات العامة وتحريك ورقة الإرهاب، واستثمار تلك الأفعال في الدعاية السوداء ضد الثورة، بغية شيطنتها أمام الرأي العام، وتحميلها وزر أفعاله وجرائمه.

وهكذا يظل النظام القديم يعمل على تهيئة الظروف مجددا للعودة إلى السلطة بشكل أو بآخر، ويتم له ذلك في اللحظة التي تزداد فيها الخلافات بين الثوار ويصلون إلى مرحلة معينة من الضعف، غير أن النظام الحاكم هذه المرة سيجد نفسه عاجزا عن فعل شيء يطمئن الجماهير بأن عودته تمثل عهدا جديدا، فيتسم أداؤه بالفشل في كل المجالات، ثم يبدأ في التآكل من داخله، في وقت تكون فيه الثورة قد بدأت باستعادة أنفاسها، لتندلع موجة ثانية من الثورة مكملة للموجة الأولى، وتستطيع تحقيق الأهداف التي تصبو إليها.

- نجاح حتمي

الثورات ليست محصورة بتاريخ اليوم الذي اندلعت فيه وما الذي حققته في اليوم التالي، وإنما هي مراحل تغيير طويلة المدى، نظرا لما يعترضها من عراقيل ومؤمرات من قِبَل أطراف محلية وأجنبية، وتظل الثورة، بفكرها وأهدافها، توجه المراحل التالية للحظة اندلاعها، وتعيد تحريك بوصلة الأحداث إلى مسارها الصحيح، راسمة الأهداف التي اندلعت من أجلها كدليل يرشد الجماهير إلى مصالحهم وحريتهم وحقوقهم التي نادت بها الثورة، ويستمر صمودها ضد المؤامرات مهما طال الزمن حتى تحقق أهدافها كاملة.

فمثلا، الثورة الفرنسية التي تعد أعظم ثورة في التاريخ، استمرت عشر سنوات حتى تحققت أهدافها كاملة، وخلال تلك السنوات حصلت خلافات حادة بين الثوار، وعاد النظام القديم للسلطة، لكن نجاح الثورة كان مسألة حتمية، ثم انتقلت شرارة الثورة إلى عدة بلدان في قارة أوروبا وخارجها. وفي الحالة اليمنية، فقد استمرت ثورة 26 سبتمبر 1962 سبع سنوات تقريبا حتى آخر رصاصة أطلقها جندي إمامي ضد الثورة والجمهورية الوليدة، واستمرت ثورة 14 أكتوبر 1963 ست سنوات تقريبا حتى جلاء آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن. 

ولذا، فإن ثورة 11 فبراير لن تختلف في مسارها عن بقية الثورات اليمنية وغيرها، خصوصا أنها اندلعت ضد نظام حكم عائلي استمر 33 عاما، راكم خلالها القوة والعلاقات الزبائنية، وفي داخل هذا النظام كانت تتمدد الدولة العميقة للحكم الإمامي الكهنوتي بأسلوب خبيث وماكر. وبعد اندلاع الثورة، تحالفت الدولة العميقة لحكم علي صالح العائلي، مع الدولة العميقة لحكم الأئمة السلاليين، في ثورة مضادة أحدثت أسوأ أزمة في البلاد. ونظرا لجسامة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها ثورة 11 فبراير، فمن الطبيعي أن يتحقق النصر بعد مرور عدة سنوات من الحرب التي أشعلها أعداء الثورة، وكلما زاد صمود الثورة والثوار زمنا أطول، كان النجاح أقوى وأكثر رسوخا وثباتا.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.