تقارير
جبل حبشي .. سيول جارفة تسبق القطَاف

قناة بلقيس – حسان محمد
بذهول، وقف الثمانيني "ابن حزام" في نافذة منزله، يراقب المطر ينزل بغزارة لم يشهدها من قبل في حياته، وكلّما استمر الهطول تبدّلت علامة الفرحة والاستبشار بالخير، الذي يجلبه الغيث، إلى قلق على منازل القرية والمزارع والممتلكات.
بفارع الصبر كان "ابن حزام" ينتظر رحمة السماء قبل أن يجف الزرع، لكنه لم يتوقع أن تتحول تلك الرحمة إلى نكبة جرفت العديد من مدرجاته الزراعية، وأشجار 'القات' و'البُن'، التي تعب في رعايتها ما يزيد عن 20 عاماً، وطمرت بئرين يتملكهما بشكل كامل، كما يؤكد لـ"بلقيس".
كارثة قبل القِطَاف
قصص إنسانية كثيرة خلفتها السيول وراءها في مديرية 'جبل حبشي'، خلال اجتياحها القرى والبيوت، والمزارع التي شارف حصادها، فبعد أربع سنوات آلت مزرعة حبوب، تتداولها الأُسرة كل عام لأحد الورثة، إلى هائل الهلالي الذي قضى وقت طويلاً في زراعتها والعناية بها.
لم تكتمل فرحة الهلالي، وقبل أيام قليلة على الحصاد، وقَطف ثمرة التّعب والجهد، كان للسيل رأي آخر، وما هي إلا دقائق من بدء سقوط المطر حتى جرفت المياه الزرع والتراب، وحوّلتها إلى أكوام من الحجار، والحُفر العميقة.
الأرض الزراعية، التي يمتلكها الهلالي، ليست إلا واحدة من عشرات الأراضي التي تزيد عن 423 مساحة زراعية جرفتها السيول قبل أن تؤتي أُكلها لأكثر من أربعة آلاف أسرة، تعتمد عليها بشكل أساسي للحصول على احتياجاتها وغذائها، بحسب السلطة المحلية في المديرية.
وتشير إحصائية أولية للسلطة المحلية إلى أن الأضرار الناتجة عن السيول الجارفة في المديرية تسببت بتضرر أكثر من 10 منازل، وعطّلت مصادر ومشاريع مياه لعدد 15 مصدراً ومشروعاً، علاوة على جرف مضخات مياه، والعديد من الآبار وخزانات وشبكات الإسالة لمياه الشرب، كما غمرت سيول الأمطار عدداً من المرافق الصحية والتعليمية، تاركة مأساة لم تعرفها المديرية من قبل.
تلك الإحصائية يُشكك بها المواطنون، ويؤكدون أن الحصر الذي قامت به السلطة المحلية عشوائياً، ولم يشمل الأضرار التي تعرّضوا لها في القرى المعزولة، حيث لم تصل لجان الحصر، التي أعلنت عنها السلطة المحلية، قُراهم، ولم توثّق خسائرهم.
حالة طوارئ
ساعتان متواصلتان، كانت السماء كأنّها تسقط على الأرض، هطلت خلالها أمطار غزيرة مصحوبة بحبات البرد، جعلت كثيرا من المناطق في 'بلاد الوافي' و'بني عيسى' تتحول إلى سائلة مفتوحة، وغمرت المياه أراضي زراعية ومنازل، وقطعت الطرق كلياً على بعض القرى.
السيول جعلت كل شخص ينشغل بمحاولة إنقاذ نفسه ومنزله، وما أمكن من ممتلكاته، ولم يسمع أحد صرخات "خلود" وهي تستغيث أهالي القرية لإنقاذها وأطفالها، حينما تدفقت مياه الأمطار بغزارة إلى داخل المنازل، وغمرت أرضية الغرف.
وجدت خلود نفسها عاجزة عن التفكير، ولا تعرف كيف تتصرّف، حينما رأت أثاث المنزل يطفو فوق مياه تتجمع بسرعة كالبحيرة، وسيطر عليَها الخوف من غرق البيت، وغرقها وأطفالها دون أن يأتي مَن ينقذهم.
تقول خلود في حديثها لـ"بلقيس": "لم أعشْ لحظات صعبة مثل تلك اليوم في حياتي، وكنت أرى الموت يحدق بنا، ونحن عاجزين عن النجاة، ولم يخطر ببالي حتى أن أصعد إلى الطابق الثاني لأنجو من الغرق".
حصار جديد
توقف المطر، وانقشعت السحاب، وبدأ الناس يتفقدون الأضرار في المزارع والممتلكات، ويحصون خسائرهم التي بدأت تتضح شيئا فشيئا، لكن الأمر الأكثر سوءاً تمثل في انقطاع تام للطرق على قرى عزلة 'بلاد الوافي'، التي نحت أبناؤها الصخور سنوات، للإفلات من حصار جماعة الحوثي، ولجأوا إلى تعبيد طرق بديلة لم يكن شقها بالأمر السهل.
السلطة المحلية في مديرية 'جبل حبشي' أوضحت، في بيان صادر عنها، أن السيول المتدفقة من الجبال تسببت بقطع شبه كامل للطرقات الرئيسية المرتبطة مع مركز المحافظة، وقطع كلي للطرق الفرعية المرتبطة بالقرى والعزل.
ووجّهت السلطة المحلية نداء استغاثة ومناشدة عاجلة إلى محافظ المحافظة، والجهات المعنية، والمنظمات الإنسانية لإغاثة أبناء المديرية والنازحين، الذين قالت إنهم تعرضوا لأضرار بالغة، وخسائر مادية جسيمة.
انتظر أبناء القرى المعزولة قيادة المحافظة ما يقارب ثلاثة أيام، للتحرك لمساعدتهم، وخاصة في فتح الطرق التي تحتاج إلى معدات وآليات ثقيلة، كونها أصبحت شبه مطمورة، ولم يعد بقدرة أبناء المنطقة شقها بأيديهم، بحسب عبدالسلام السهيلي، عاقل قرى 'بني خيلة'.
وُعود قيادة المحافظة ذهبت أدراج الرياح، وعادت القرى إلى العُزلة والحصار، وأوشكت مؤنة الناس على النّفاد، فأدرك أبناء المنطقة أن لا جدوى من الانتظار، وخرج الشباب بما تيسّر لهم من أدوات متواضعة لترميم ما أمكن من أضرار السيول، وإعادة شريان الحياة إلى قراهم.
تمكّن أبناء المنطقة من إصلاح جزء من أضرار الطرق، إلا أن مرور السيارات فيها يعد مخاطرة كبيرة على حياة الناس، وتحتاج إلى جهود رسمية من قبل الدولة لتأمينها أمام حركة المواطنين.



