تقارير
حرب اقتصادية.. كيف يدفع التحالف باليمن نحو الهاوية؟

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
تعد الحرب الاقتصادية من أشد الأسلحة فتكا عندما تريد دولة ما أو مجموعة من الدول تدمير وتمزيق وإضعاف أي بلد من البلدان لأسباب شتى، ويكون الأمر أشد خطورة عندما تكون الأوضاع في البلاد المستهدفة بالحرب الاقتصادية مهيأة لتمرير الحرب الاقتصادية عليها بأدوات من داخلها، وأحيانا بانتهاج سياسات مالية ونقدية خاطئة كانت سائدة قبل الحرب، لتمرير الحرب الاقتصادية بدون أن تشعر بها الدولة المستهدفة، وهذا ما يحصل في اليمن تماما، فالتحالف السعودي الإماراتي يشن حربا اقتصادية على المجتمع اليمني ككل موازية للحرب الأهلية التي يغذيها التحالف ذاته ويعمل على إطالة أمدها بمختلف الوسائل.
لقد تدخل التحالف السعودي الإماراتي في اليمن وهو مثقل بإرث من الأحقاد التاريخية إزاء البلاد ومثقل بحمولات ما بعد ثورات الربيع العربي، وصار يهدف إلى تمزيق اليمن وتقسيمها وإضعافها وليس فقط التخلص من القوى السياسية والاجتماعية التي ساندت ثورة 11 فبراير 2011، وبنفس الوقت هناك سلطة شرعية ومليشيات مسيطرة كأمر واقع تخلت جميعا عن مسؤوليتها الاجتماعية، لذلك من الطبيعي أن تصل الأزمة المعيشية وانهيار العملة المحلية إلى مستويات مفزعة، كنتيجة لوضع شاذ غابت فيه الدولة وحضرت المليشيات ويبرز فيه دور العامل الأجنبي المؤثر من وراء أقنعة محلية، وإذا لم تندلع انتفاضة شعبية أو تحصل أحداث كبيرة في سياق الرفض المجتمعي لهذا التدهور، فإن القادم سيكون أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم.
- تدهور مستمر وحلول فاشلة
لم يعد واضحا إلى أي مدى سيستمر التدهور المتسارع للعملة اليمنية المحلية مقابل العملات الأجنبية، كما أنه من الصعوبة تصوُّر مدى الانهيار الذي ستصل إليه الحياة المعيشية للغالبية العظمى من المواطنين، خصوصا أن الحكومة الشرعية عجزت عن وضع حد للانهيار المتواصل للعملة المحلية، وما يترتب على ذلك من تدهور معيشي واحتقان اجتماعي واتساع لظاهرة الفقر والجوع وتراكم السخط الشعبي ضد جميع الأطراف الفاعلة في الأزمة اليمنية داخليا وخارجيا.
كما أن الحلول التي أعلن عنها البنك المركزي اليمني في عدن لإيقاف تدهور العملة المحلية لم يكن لها أي أثر، بل فالانهيار متواصل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها يتزايد، وسط ذهول وترقب من المواطنين العاجزين عن إبداء أي رد فعل، بسبب غياب الدولة وانتشار المليشيات وسيطرتها على محافظات عدة.
قبل التطرق إلى كيف حدث الانهيار المتسارع والمخيف للعملة المحلية، ينبغي التذكير بأنه عندما تندلع حرب أهلية وتتعدد أطرافها المحلية والفاعلون الأجانب وتتعدد أدواتها، فإن الاقتصاد يكون واحدا من أبرز أدوات تلك الحرب، خصوصا عندما تكون الأهداف من الحرب متعددة وذات أبعاد طويلة الأمد وتأثيرها يستمر مدة زمنية طويلة، فيكون الهدف من الحرب الاقتصادية والتجويع الجماعي للمواطنين إما خلق اقتصاد مقايضة أو اقتصاد مساومة لتمرير أهداف سياسية، أو خلق تبعية اقتصادية مطلقة تمنح الطرف المنتصر أو الطرف الأجنبي (الذي يدعم هذا الطرف ضد الطرف الآخر ويتحكم بإدارة المعركة) إمكانية التحكم بأقوات الناس ومعيشتهم والتحكم باقتصاد البلد المستهدف وإجباره على التبعية الاقتصادية وبالتالي التبعية السياسية، أو تمرير مشروع تقسيم وتمزيق البلاد، في وقت تكون فيه أولوية المواطنين هي الحصول على لقمة العيش وغير مؤهلين للدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها بسبب شدة الجوع.
ومن أبرز الأمثلة على استخدام التجويع الجماعي للمواطنين وسيلة لتمزيق بلادهم وتقاسمها، كون التجويع يجعلهم منشغلين بلقمة العيش وليس لديهم القدرة على الاعتراض على مشاريع التقسيم، ما حدث في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما أرادت الدول المنتصرة، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تقاسم السيطرة على كل جزء من ألمانيا، وكان الشعب الألماني حينها يتضور جوعا بسبب إقدام هتلر أثناء الحرب على فرض رقابة صارمة على الأسعار حدّت من تدفق السلع والواردات إلى شعبه، وقررت الدول المنتصرة استمرار العمل بسياسة هتلر الخاصة بفرض رقابة على الأسعار، كون تلك السياسة لن تلفت أنظار المواطنين لأن منبعها من الداخل، وخلال أشهر أضرت تلك الرقابة على المواطنين بسبب نقص الطعام والواردات الضرورية، وأصبحت العملة الألمانية بلا أي قيمة تقريبا، وفي حين كان الناس يطوفون المدن والأرياف باحثين عن ضرورياتهم الأساسية، كانت دول الحلفاء المنتصرة في الحرب مشغولة في تحديد سيطرة كل منها على ألمانيا، ثم تمزيقها إلى دولتين (ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية).
- سياسة التجويع الجماعي وتداعياتها
ما الذي فعله التحالف السعودي الإماراتي لتجويع الشعب اليمني؟ قبل الحرب، كان الفساد المالي والإداري واختلال ميزان المدفوعات وطباعة العملة المحلية بدون غطاء من العملات الأجنبية أو الذهب أبرز الأسباب المؤثرة سلبا على الاقتصاد الوطني وعلى قيمة العملة المحلية وحياة المواطنين بشكل عام.
وبما أن التحالف السعودي الإماراتي كان قد صادر القرار السياسي والعسكري للحكومة الشرعية، فإنه أيضا صادر قرارها الاقتصادي، ولذا فقد اتخذ التحالف سياسات سائدة وشجع عليها وعيّن -من وراء ستار- من ينفذها في مناصب إدارية حساسة، للإجهاز على ما تبقى من الاقتصاد الوطني أو ما سَلِمَ من آثار الحرب، فاختلال ميزان المدفوعات (الواردات أكثر من الصادرات) زاده خللا تعطيل موارد البلاد وإيقاف التصدير، وفي حال السماح بتصدير كميات محدودة من النفط فإنه يطال عائداتها الفساد.
أما ضعف القيمة الشرائية للعملة المحلية فقد زادها ضعفا وتدهورا الطباعة المفرطة لكميات جديدة من العملة المحلية بدون غطاء من العملات الأجنبية أو الذهب وبدون استئناف تصدير النفط والغاز لزيادة المعروض من العملات الأجنبية في السوق المصرفية المحلية لتلبية احتياجات الاستيراد وتعزيز مكانة وقيمة العملة المحلية، وقبل ذلك لم يسمح التحالف للحكومة الشرعية بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن إلا بعد أن استكمل الحوثيون نهب كل ما فيه من الاحتياطي من النقد الأجنبي البالغ أكثر من خمسة مليارات دولار.
لقد دفع التحالف السعودي الإماراتي الحكومة اليمنية الشرعية إلى الإفراط في طباعة كميات كبيرة من النقود، بسبب تعطيله موارد البلاد، وإيقافه رواتب الجنود في جبهات الحرب ورواتب موظفي القطاع المدني، فلا هو سمح بتفعيل جميع موارد البلاد ولا تكفل بصرف رواتب الموظفين من مدنيين وعسكريين، وكان الحل البديل طباعة العملة المحلية بدون غطاء من العملات الأجنبية، غير أن مخطط تدمير العملة المحلية لم يقف عند هذا الحد، بل فقد تم الإيحاء للحوثيين بمنع تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية، واتخاذ قرار إجباري بشأن أسعار الصرف في مناطق سيطرتهم، وقبل ذلك وجّه التحالف القائمين على البنك المركزي في عدن بجعل الطبعات الجديدة من العملة المحلية مميزة عن الطبعات السابقة شكلا وحجما ليسهل على الحوثيين تمييزها ومنع التداول بها ومصادرتها.
ويمكن وصف قرار الحوثيين بفرض سعر محدد لصرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية ومنع تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية، بأنه قرار "نازي" بامتياز، يشبه قرار هتلر بفرض الرقابة الصارمة على الأسعار، كون تلك الرقابة حدّت من تدفق السلع لأن تكاليف استيرادها أكثر من الأسعار المحددة لها، وتسببت تلك الرقابة بمعاناة الشعب الألماني، وكذلك فإن قرار الحوثيين بمنع تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية وفرض سعر صرف محدد، أثّر على أسعار الصرف وعمولة الحوالات المالية من المحافظات المحررة إلى المحافظات التي تسيطر عليها المليشيا الحوثية.
كما أن منع تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية جعل المصارف في المحافظات المحررة تتعامل مع المصارف الحوثية بالعملات الأجنبية، وكان ذلك أحد أسباب تكدس الطبعات الجديدة من العملة في المحافظات المحررة، خصوصا أن العمالة النازحة من مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسببت بنزوح عكسي للعملات الأجنبية من المحافظات المحررة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، لأن الحوالات الواردة إلى مناطق سيطرة الحوثيين أكثر من الحوالات الصادرة منها، ويؤدي ذلك إلى تكدس المعروض النقدي من العملة المحلية في المحافظات المحررة فقط، يضاف إلى ذلك بروز ظاهرة المضاربة بالعملة المحلية من قبل لوبي فساد تم غرسه في الحكومة الشرعية وفي البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن.
- ما الذي كان يجب فعله؟
لم يعد هناك أدنى شك بأن التحالف السعودي الإماراتي هو المتسبب الرئيسي بالأزمة الاقتصادية التي تشهدها اليمن، وتدهور الوضع المعيشي، وانهيار العملة المحلية، ولو كان التحالف صادقا في دعمه للحكومة الشرعية ضد الانقلاب الحوثي والنفوذ الإيراني في اليمن، حسب زعمه، فإنه كان سيساعد الحكومة الشرعية على اتخاذ جملة تدابير من شأنها اعتماد نظام إنتاجي يعمل على توفير الموارد الاقتصادية، لأنه خلال الحرب تتعطل كثير من مصادر الإنتاج، لذا لا يمكن ضمان استمرار التماسك الداخلي إلا باعتماد نظام إنتاجي لمواجهة نفقات الحرب والتسليح، مقابل تخفيض الإنفاق العام ليقتصر على توفير الاحتياجات الضرورية للمواطنين، وتأمين المواد الأساسية كالوقود والغذاء وبأسعار في متناول الجميع لمنع حدوث مجاعة.
لكن الذي حدث أن التحالف شكّل شبكات مصالح موزعة بين القطاع المصرفي وبين مؤسسات الدولة، وحوّل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تجار الحروب وزعماء المليشيات وشبكات المصالح التي تعبث بالعملة المحلية وبالإنتاج وتعبث بمختلف إيرادات الدولة من جمارك وضرائب وغيرها، وسط تراجع شديد في العديد من القطاعات الإنتاجية وتعطيل التحالف لأهم مصادر إيرادات الدولة مثل النفط والغاز.
لقد اندلعت الحرب في البلاد جراء الانقلاب الحوثي وميزان المدفوعات مختل وضعيف وغير قادر على مقاومة الصدمات الخارجية، والعملة الوطنية هشة وليس لها تاريخ وقيمة بين العملات الأجنبية، والجهاز الإنتاجي للدولة ضعيف وغير قادر على المنافسة عند التصدير، بل غير قادر على تلبية الاحتياجات الداخلية، وبدلا من أن يساعد التحالف الحكومة اليمنية على مقاومة هذه الاختلالات ومعالجتها، فإنه أجهز على ما تبقى من الاقتصاد الوطني، وأصبح يدفع بالبلاد نحو الهاوية.



