تقارير
حرب اليمن.. بين السلام المستحيل والمعارك المؤجلة

مع بداية الشهر الثاني من انتهاء الهدنة في اليمن، تشير المعطيات الحالية إلى احتمال اندلاع جولة جديدة من العنف والمواجهات العسكرية، ذلك أن الوضع بصيغته الراهنة يقود إلى المزيد من التحديات الأمنية والتعقيدات السياسية وتفاقم التداعيات الإنسانية والاقتصادية للأزمة، بيد أنه من المستبعد حدوث متغيرات نوعية في مسار الأزمة في المدى المنظور تفضي إلى مخارج أو نتائج حاسمة، ذلك أن نهج "الحرب المنضبطة" سيظل هو السائد إلى أجل غير مسمى، كانعكاس للهيمنة الأجنبية في البلاد، وأي معارك عنيفة أو هدنة هشة فهي ليست سوى عوارض مؤقتة لـ"الحرب المنضبطة"، أي الحرب التي لا تفضي إلى نتائج غير مرغوبة لدى الفاعلين الأجانب، لكن ستظل المعارك الحاسمة مؤجلة حتى تتهيأ الظروف الملائمة لاندلاعها.
وحتى إذا افترضنا موافقة مليشيا الحوثيين على تمديد الهدنة في الأيام القليلة المقبلة مقابل تنازلات معينة من مجلس القيادة الرئاسي، فالحقيقة هي أن الهدنة في ظل الأوضاع الراهنة لا يمكن التعويل عليها للحل السياسي الأزمة، ذلك أنه لم تحن بعد لحظة النضج أو "لحظة الاستواء" لحل الأزمة سياسيا، بل فالسياق التاريخي للأزمة يعني استحالة السلام وأن طبيعة المعركة تقتضي النصر أو الهزيمة، وبالتالي فإن كل تمديد جديد للهدنة ليس سوى ترحيل جديد للمعارك المؤجلة التي يستعد لها كل طرف من منظوره الخاص، وما الهدنة إلا محطة من محطات الحرب اقتضتها حاجة الأطراف المحلية والأجنبية لإجراء ترتيبات معينة مرتبطة بالظروف الدولية الراهنة من جهة، والاستمرار في هندسة المشهد اليمني وإعادة هيكلته وفق رغبات ومصالح الفاعلين الأجانب في الأزمة اليمنية من جهة أخرى.
- أوهام السلام
في الأيام القليلة الماضية، دعت السعودية إلى الحل السياسي للأزمة اليمنية، وأيضا دعا بعض القادة العرب، خلال القمة العربية التي عقدت في الجزائر، إلى تمديد الهدنة في اليمن والحل السياسي للأزمة، وأكد على ذلك البيان الختامي للقمة. كما وصل المبعوث الأمريكي إلى اليمن، تيموثي ليندركينغ، إلى المنطقة للقاء بأطراف الصراع بهدف تمديد الهدنة في اليمن والتمهيد للحل السياسي للأزمة، ومن المتوقع أن تعاود الأمم المتحدة مساعيها لوقف الحرب وتقديم مقترحات جديدة للسلام قد لا تختلف في جوهرها عن المقترحات السابقة.
تمثل كل تلك الجهود والدعوات للسلام امتدادا لدعوات وجهود سابقة لحل الأزمة اليمنية سياسيا، بدأت منذ ما قبل انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية، لكن مساعي السلام لم تعد تثير اهتمام الشعب اليمني، بل فقد ترسخت في أوساط اليمنيين التصورات بأن التحالف السعودي الإماراتي غير جاد في إنهاء الحرب في البلاد، كما سئم المواطنون اليمنيون الذين طحنتهم الحرب من مبادرات السلام والدعوات الأجنبية للحل السياسي لأزمة البلاد وإنهاء القتال، وباتت تلك الجهود بلا جدوى لأسباب تعد من صنع الفاعلين الأجانب في البلاد.
وفي الحقيقة، يعكس الحديث عن الهدنة والسلام والحل السياسي في اليمن مآرب أخرى للأطراف المنادية بذلك، حتى وإن بدت بعض تلك الدعوات وكأنها مجرد إسقاط واجب أو للاستهلاك الإعلامي، لكن اللافت هو أن التحالف السعودي الإماراتي، كطرف رئيسي في الأزمة والحرب بذريعة دعم السلطة الشرعية، تبدو دعواته للسلام في اليمن مثيرة للسخرية، إذ كيف يمكن التوفيق بين الدعوات للسلام وتفخيخ البلاد بالمليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية وتهميش الحكومة الشرعية وإضعاف الأحزاب السياسية وتبديد النظام السياسي للبلاد والحيلولة دون الحسم العسكري ضد مليشيا الحوثيين؟
لعل السلام المنشود في اليمن من قِبَل الفاعلين الأجانب في أزمة البلاد، وتحديدا التحالف السعودي الإماراتي، هو السلام المؤقت، أو السلام المزيف، أي الاسترخاء بالقرب من الزناد، وزحزحة السياسة إلى المقاعد الخلفية، وفسح المجال للرياض وأبو ظبي للاستمرار في العبث في البلاد، ورسم خرائط جديدة للسيطرة على الأرض، وتحديد حجم وقوة كل طرف سياسيا وعسكريا، سواء الأطراف المرضي عنها أو المغضوب عليها.
يضاف إلى ذلك أن يضمن السلام المنشود تحييد الشعب اليمني بمختلف مكوناته عن الانخراط في الصراع وتخديره بسراب السلام حتى لا يثور على الجميع ويخلط كل الأوراق ويربك كل الحسابات، ويفرض معادلة جديدة وصعبة في الصراع من الصعب تجاوزها أو القفز عليها، لا سيما أن حدة الاحتقان الشعبي تتزايد وتيرتها في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين وفي المحافظات الأخرى على حد سواء، بعد أن بلغت الأزمة المعيشية ذروتها.
ومهما يكن، فالحقائق على الأرض تؤكد أنه لا يمكن أن يتحقق السلام وفق رغبات الفاعلين الأجانب، ولا النتيجة النهائية للحرب ستكون وفق رغبات الفاعلين الأجانب أيضا، لذلك فالخيار الثالث هو تأجيل الحسم العسكري، على أمل حدوث متغيرات محلية أو إقليمية أو دولية يعتقد كل طرف أنها ربما تكون في مصلحته، فضلا عن "تجارة الحرب" التي تغري الأطراف الرئيسية باستمرار الوضع الراهن ولو إلى ما لا نهاية، لتحقيق الاستفادة القصوى منه، لكن يظل الوضع قابلا للتبدل والانفجار في حال ظهرت متغيرات طارئة، مثل انتفاضة شعبية مسلحة تنضم إليها بعض وحدات الجيش وتتبعها أخرى، وتفكك بعض التشكيلات والمليشيات المدعومة من التحالف السعودي الإماراتي بين ولاءات متعددة بخلفيات مناطقية وقبلية.
- توتر واحتقان وتصعيد
يعد التوتر هو سيد الموقف منذ انتهاء آخر تمديد للهدنة في 2 أكتوبر الماضي، ومصدر التوتر هو مليشيا الحوثيين التي تقصف الأحياء السكنية في بعض مناطق التماس، وتحديدا في تعز، وتهاجم مواقع الجيش الوطني في جبهات عدة، مثل جبهات مأرب وتعز ولحج والضالع وحجة وغيرها، فضلا عن إرسال طائرات مسيرة مفخخة إلى حقول النفط في محافظتي حضرموت وشبوة، والتهديد بمنع استئناف تصدير النفط والغاز، وأيضا التهديد باستهداف مصادر الطاقة في السعودية والإمارات وتهديد الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر.
لا يبدو أن مليشيا الحوثيين مستعدة حاليا لشن معارك عنيفة لتحقق مكاسب ميدانية كبيرة، كما أنها غير جادة في تهديداتها باستهداف مصادر الطاقة في السعودية والإمارات، أو استهداف الملاحة الدولية، سواء كان ذلك جراء تفاهمات مع التحالف السعودي الإماراتي أو بفعل مخاوف من مغامرات كبيرة ليست قادرة على تحمل تبعاتها، لذلك لم يبقَ أمامها سوى التحرك في الداخل ورفع منسوب التوتر والتصعيد لأجل تمديد الهدنة وفق شروطها، بغية الحصول على مكاسب جديدة تضاف إلى مكاسبها السابقة التي جنتها من الهدنة المنتهية.
في شروطها لتمديد الهدنة، تركز المليشيا الحوثية على أن تكون مكاسبها هذه المرة تضفي على انقلابها نوعا من "الشرعية"، لا سيما أن ضعف وتفكك مجلس القيادة الرئاسي يغريها بالاستمرار في مسار الابتزاز والتصعيد، والاتخاذ من الداخل مسرحا عملياتيا لتخويف الخارج، على أمل دفعه نحو الضغط على المجلس الرئاسي لتقديم تنازلات جديدة لمليشيا الحوثيين مقابل موافقتها على تمديد الهدنة، وبعد انتهاء التمديد ستعلن المليشيا الحوثية عن شروط جديدة مقابل موافقتها على تمديد الهدنة مجددا، وهكذا.
لكن هل بإمكان المليشيا الحوثية القدرة على إجبار جميع الأطراف الأخرى على الخضوع لرغباتها، لا سيما أن طائراتها المسيرة (إيرانية الصنع) قادرة على إحداث تحول في مسار المعركة، خصوصا بعد أن برز دور الطائرات الإيرانية المسيرة في حرب روسيا على أوكرانيا، وقدرتها على تحقيق أهدافها بدقة من دون أن تترصدها الرادارات، وأيضا قلة تكاليفها قياسا بما تحدثه من أضرار؟
قد تمنح الطائرات المسيرة مليشيا الحوثيين تفوقا عملياتيا محدودا على الجيش الوطني والتشكيلات العسكرية المختلفة والمليشيات التي يدعمها التحالف السعودي الإماراتي، لكن أثرها لا يشكل عاملا حاسما في حال اندلعت معركة شاملة، لا سيما أن عدد ما تمتلكه المليشيا الحوثية من طائرات مسيرة لا يكفي لخوض معركة مصيرية، لكن يبرز دور هذه الطائرات في أوضاع كالوضع الحالي، فهي تمنح الحوثيين القدرة على التهديد والابتزاز والإيذاء من دون خوض معارك عنيفة تترتب عليها خسائر بشرية ومادية كبيرة وخسائر على الأرض وفي العتاد العسكري.
تدرك مليشيا الحوثيين أكثر من غيرها حجم قوتها ومدى فاعليتها وقدرتها على مواجهة القوات والتشكيلات المناوئة لها، وإذا كان بقدرتها ابتلاع كل اليمن أو مساحات جديدة فلن تتردد في ذلك، ولا شك أن فشل معركتها في السيطرة على محافظة مأرب، خلال العام 2021، قد أصابها بإحباط كبير، لا سيما أنها ألقت بكل ثقلها في تلك المعركة، وتكبدت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والأسرى، غير أن بروز النفط والغاز كعامل جديد في مسرح الصراعات، منحها فرصة ثمينة للابتزاز والمناورة والتصعيد بغية الحصول على مكاسب يصعب الحصول عليها من خلال العمل العسكري، وتلك المكاسب -في حال تحققت كاملة- ستترتب عليها متغيرات ستصب جميعها في مصلحة الحوثيين.
وحتى إذا لم يتم التوافق على تمديد الهدنة، وبقاء الأوضاع كما هي الآن، فلا سلم ولا حرب، ولكن توتر واحتقان وتصعيد وهجمات هنا وغارات هناك واشتباكات محدودة في معظم الجبهات، فاستمرار هذه الأوضاع دون معارك حاسمة، يعد مجرد استهلاك للوقت لمصلحة الحوثيين، فهذا يمكنهم من تعزيز قدراتهم العسكرية، وحشد مسلحين جدد وتدريبهم، وزيادة مخزونهم من الطائرات المسيرة إيرانية الصنع، سواء من خلال التهريب أو تدريب فنيين في الداخل على صناعتها محليا، سواء عبر الإنترنت أو بواسطة خبراء تصنيع لتلك الطائرات سبق تهريبهم إلى مناطق سيطرة المليشيا.
أما ما تقوم به الآن مليشيا الحوثيين من شن هجمات على مواقع الجيش الوطني في جبهات عدة، فالهدف من ذلك إحداث زوبعة إعلامية والإيحاء بأنها قادرة على خوض معارك متزامنة في مختلف الجبهات، كما أن هجماتها المتفرقة وطبيعة الردود عليها تمكنها من معرفة مدى الجاهزية القتالية للجيش الوطني وما نوعية الأسلحة لديه في كل جبهة، لاستكشاف ما هي الجبهات الضعيفة التي يمكن تحقيق انتصارات سريعة في حال الاستفراد بها، وتعزيز قدراتها في الجبهات القوية، أي أن ما يحدث حاليا من اشتباكات هنا وهناك تعد مجرد استطلاع وإعادة تقييم الجبهات، وهذا يعكس استعداد المليشيا الحوثية لخوض معارك عنيفة بعد استكمال الاستعدادات لذلك.
وبخصوص مجلس القيادة الرئاسي، وأيضا التحالف السعودي الإماراتي، فلم يبدر منهم أي استعدادات تتعلق بالحرب على مليشيا الحوثيين، والأمر هنا لا يعكس الانقسامات فقط والتباين في الرؤى والأهداف، ولكن ما يبدو وكأنه ليس هناك أي قلق من إمكانية تحقيق مليشيا الحوثيين انتصارات نوعية، وهو تقدير يُشترط لصحته توحيد الصفوف ودمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع في الحكومة الشرعية، وهذا الشرط يكفي لجعل المعركة ضد الحوثيين شبه محسومة فور انطلاقها.
أما حالة الانقسام واللامبالاة وإطالة مدة الحرب سنوات إضافية، فإن ذلك يمنح الحوثيين الفرصة الكافية لتجهيز جيل جديد من المقاتلين العقائديين وتعزيز قدراتها العسكرية النوعية، وحينها ستكون مهمة القضاء عليها شاقة وعسيرة وكلفتها باهظة هذا إذا كتب لها النجاح، لأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن المليشيا أحدثت تغييرا ديمغرافيا في المدن الرئيسية التي تسيطر عليها، وفخختها بالخلايا النائمة استعدادا لاحتمال القضاء عليها، وكلما طالت مدة الحرب، ستتحول المدن إلى بؤر مفخخة بالخلايا النائمة وحروب العصابات والعمليات الانتحارية وكل أشكال العنف والاضطراب الأمني.
- الانفجار القادم
تشير المعطيات الحالية إلى احتمال انفجار الوضع عسكريا بعد مدة قصيرة، لكنه لن يكون حاسما، أي أن المعارك المؤجلة لم يحن موعدها بعد، لكن ما سيحدث هو مجرد محاولة من كل من إيران والحوثيين للهروب من استحقاقات داخلية ما لم تحدث متغيرات تعيد ترتيب الوضع الداخلي أو تهيئته لحدث معيّن، فقبل أيام تداولت الرياض وواشنطن معلومات استخباراتية تفيد باحتمال شن إيران هجوم عسكري ضد السعودية، ربما في محاولة منها للهروب من ضغط الاحتجاجات الشعبية.
وكذلك فإن مليشيا الحوثيين التي لم تدفع رواتب لمقاتليها بشكل منتظم، تطالب بأن تدفع رواتبهم الحكومة الشرعية من عائدات النفط والغاز، وبما أنها تتخوف من تزايد الاحتقان الشعبي في مناطق سيطرتها، فإن الوسيلة المثلى للهروب من الضغط المجتمعي وضغط مقاتليها الذين هم بلا رواتب هي الهروب إلى الأمام من خلال استئناف العمل العسكري، ربما باتجاه مأرب وشبوة، بذريعة السيطرة على الثروات السيادية للبلاد، وإغراء مقاتليها بالغنائم في حال سيطروا على مناطق ثروات النفط والغاز لدفعهم للاستبسال في القتال، كما حصل من وعود وردية لمقاتليها قبيل معركتها الفاشلة للسيطرة على محافظة مأرب خلال العام الماضي.
وختاما، ليس مبالغة القول بأن كلفة السلام مع مليشيا الحوثيين أكثر ثمنا من كلفة الحسم العسكري، لا سيما أن السلام الذي تريده المليشيا هو الاستسلام التام لها، أي عودة نظام الحكم الإمامي بحذافيره وإلغاء النظام الجمهوري وحل جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية للدولة، والتعايش مع المليشيا كالتعايش مع الأفعى، وما عدا ذلك فهي الحرب حتى النصر أو الهزيمة.
كما أن التواجد العسكري للتحالف السعودي الإماراتي داخل أراضي الجمهورية اليمنية، وتحديدا في الجزر والموانئ والمطارات ومناطق ثروات النفط والغاز، يعيق تحقيق السلام تحت أي مسمى، لذلك ستظل التفاعلات الحالية قائمة، وترحيل معارك الحسم يعني أن الانفجار القادم سيكون بشعا للغاية وكلفته المادية والبشرية باهظة، وهو انفجار قادم لا محالة، لا سيما أن تاريخ الحروب والصراعات يؤكد أن الخيارات المؤلمة والمُرة هي الخيارات الحاسمة والحتمية، وتأتي عندما تحين الظروف المحفزة لها.



