تقارير

حرب اليمن.. هل خرج الأمر من أيدي أبنائه؟

حرب اليمن.. هل خرج الأمر من أيدي أبنائه؟
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد - خاص

يعكس تمكن السعودية والإمارات من فرض التغيير الجذري الأخير في مؤسسة الرئاسة اليمنية مدى تغول نفوذ الدولتين في البلاد، فما حدث يُعد سابقة خطيرة في تاريخ اليمن وعلاقاته مع جيرانه، ذلك أنه لأول مرة تقدم دول أجنبية على عزل رئيس البلاد ونائبه وتشكيل مجلس قيادة رئاسي بشكل مخالف لدستور البلاد وتفرض إرادتها على الشعب الذي تفاجأ بذلك الإجراء، وهو الذي من حقه انتخاب رئيس البلاد أو المطالبة برحيله، كما أن الدستور اليمني يحدد بوضوح آلية انتقال السلطة في حال عجز رئيس الجمهورية عن أداء مهامه أو قدم استقالة مسببة إلى البرلمان.

والغريب في الأمر أن مختلف الأحزاب والمكونات اليمنية لم تعترض على ذلك الإجراء أو تشكل جبهة رافضة له، وإنما حظي بمباركتها جميعا تقريبا، فما هي دلالات ذلك؟ وهل ما حدث يعني أن الملف اليمني خرج من أيدي أبنائه تماما وأن مصير البلاد صار مرهونا بإرادة الفاعلين الأجانب وهم من يحددون مسارات الصراع ويعزلون من يشاؤون ويعينون في الحكم من يشاؤون بدءا بمحافظي المحافظات مرورا برئيس الحكومة وأعضائها وانتهاء برئيس البلاد ونائبه؟ وما الذي يعنيه ما حدث وكيف يمكن تفسيره؟ وما هو الخلل الجوهري الذي تسبب بهكذا وضع شاذ تتعامل مع النخب اليمنية وكأنه قدَر محتوم لا سبيل لمقاومته؟ وهل صار هناك تسليم كامل للدور الأجنبي ليعبث في البلاد كيف يشاء؟

- خلل بنيوي متراكم

ازداد نفوذ السعودية والإمارات في اليمن بشكل متسارع منذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم" وحتى يومنا هذا، وبلغ النفوذ ذروته عندما شكلت الدولتان مجلس قيادة رئاسي وأطاحتا برئيس البلاد عبد ربه منصور هادي ونائبه علي محسن الأحمر من منصبيهما، إثر مشاورات شكلية في الرياض شارك فيها مئات اليمنيين اتضح في ما بعد أنه لا معرفة لهم بما حدث، وأن "الطبخة" كانت جاهزة. ورغم الثغرات القانونية والدستورية التي اكتنفت ذلك الإجراء، والنقاشات التي دارت في الغرف المغلقة حول ذلك، إلا أنه تم تمرير التغيير الجذري في مؤسسة الرئاسة بنجاح. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مليشيا الحوثيين تُدار هي الأخرى من طهران، فهذا يعني أن الملف اليمني خرج من أيدي أبنائه تماما، وسيظل هذا الوضع قائما إلى أجل غير مسمى ما لم تحدث متغيرات داخلية كبيرة، لأن عوامل استمراره أصبحت راسخة، وعوامل التخلص منه شبه منعدمة إن لم تكن منعدمة تماما، فكيف يمكن فهم خلفيات ذلك الوضع ومسبباته؟

يمثل تغول النفوذ الأجنبي في البلاد نتيجة طبيعية لوجود بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية هشة قابلة للاختراق الأجنبي في زمن السلم وتغول الفاعلين الأجانب في زمن الحرب، ويعود سبب تلك الهشاشة إلى مجموعة من العوامل من أهمها النشأة المأزومة للدولة اليمنية الحديثة، وعدم قدرة الحكومات اليمنية المتعاقبة على التصدي للاختراق والنفوذ الأجنبي في البلاد، واضطراب العلاقة بين اليمن وجيرانه في محطات التحول الكبيرة في تاريخ البلاد، وغياب فكرة الدولة وعدم حضورها القوي في الشأن العام من خلال تأدية واجباتها ووظائفها المفترضة، وغلبة الطابع القبلي والمناطقي على بنية الدولة والجيش، في مقابل ضعف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وكان ذلك سبب تعثر انتقال اليمن نحو الحكم المدني الديمقراطي وإتاحة المشاركة الفاعلة لليمنيين في السياسة والاقتصاد وترسيخ حضور الدولة التي تحقق مفاهيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

تتجلى هشاشة البيئة السياسية في اليمن في النشأة المأزومة للدولة اليمنية الحديثة، ذلك أن نشأتها لم تكن نتاج تطور طبيعي، وإنما نتاج أزمات محلية وإقليمية ودولية تركت بصماتها في نشأة الدولة الحديثة ومراحل تطورها، بدءا من تقسيم اليمن جغرافيًا بين الدولة العثمانية وبريطانيا اللتين رسمتا حدود الشطرين وفق اتفاقية بينهما، وبعد الحرب العالمية الأولى سلمت الدولة العثمانية شمال اليمن للإمامة الزيدية، ثم اندلاع ثورة ضد الإمامة والإعلان عن دولة في الشمال لم تشمل الجنوب المحتل، تلا ذلك اندلاع ثورة في الجنوب تأخرت نحو عام عن ثورة الشمال، والإعلان عن قيام دولة شطرية عاصمتها عدن ويختلف نظامها السياسي وأيديولوجيتها ونمط تحالفاتها الإقليمية والدولية عن الشمال، وتنامي دور القبائل في الجنوب قبل ثورة 14 أكتوبر وسحقه بعدها، وضعف دور القبائل في الشمال قبل ثورة 26 سبتمبر لصالح الطائفية والسلالية ثم بروزه بقوة بعد الثورة.

يضاف إلى ذلك أن تحقيق الوحدة اليمنية ارتبط بتغير الظروف الدولية التي أفرزتها الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، ثم الآثار السلبية لحرب الخليج الثانية على الوحدة اليمنية واندلاع حرب صيف 1994 الأهلية، ثم عودة الطائفية في الشمال وعودة المناطقية في الجنوب خلال السنوات الأخيرة، وتراجع دور الأحزاب السياسية وتشرذم بعضها.

كما أن الصراع السياسي قبل الوحدة داخل كل شطر وبين الشطرين، والصراعات الداخلية بعد الوحدة، أعاقت حدوث تطور في هيكل الدولة ومؤسساتها، بل فإن عهد علي عبد الله صالح كان بمنزلة انتكاسة كبيرة في بنيان الدولة، بسبب غلبة الطابع القبلي والمناطقي على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وغير ذلك من الاختلالات الجوهرية في بنية الدولة خلال مرحلة حكم علي صالح التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود، كل ذلك أنتج بيئة سياسية هشة قابلة للاختراق الأجنبي في زمن تنامى فيه دور الفاعلين من غير الدول والتحالفات الطائفية العابرة للحدود والقوميات، وتفكك التحالفات التقليدية بين الدول، لتحل مكانها تحالفات جديدة مدفوعة بالمخاوف الأمنية والنفوذ السياسي، وظهور تحولات في النظام الإقليمي والدولي، وتصفية الخلافات بين القوى الكبرى أو الصاعدة من خلال الحروب بالوكالة.

- هشاشة الدولة والانقسامات المتوارثة

لقد أعاقت البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهشة تطور الدولة، فلم تنشأ مؤسسات راسخة، وظل ذلك يشكل عوائق أمام التحول الديمقراطي في البلاد، ومن بين هذه البيئة الهشة ظهرت نخب سياسية تنقصها الكفاءة والأهلية بسبب غلبة الطابع العصبوي في التعيينات التي تتم وفقا للقرابة والوساطة وليس وفقا للكفاءة، كما أن التعيينات في الوظائف العليا من خارج العصبية القبلية والمناطقية لنظام علي صالح الحاكم لم تخضع هي الأخرى لمعايير الكفاءة والنزاهة، وإنما خضعت لمعايير العلاقات الزبائنية بين النظام الحاكم والمكونات والاجتماعية والسياسية إما لكسب ولائها أو لتحييدها وإبعادها عن الخوض في الشأن السياسي، أي أنه تشكلت نخبة سياسية وفقا لمعايير محددة مما جعلها غير قادرة على التعاطي مع الأزمة الحالية التي تعصف بالبلاد منذ العام 2014.

وبما أن هشاشة البيئة اليمنية أفرزت نخبة سياسية ضعيفة وفاشلة لم تستوعب طبيعة وظيفتها في الظروف الصعبة، فإن تلك النخبة كانت -وما زالت- أسيرة الانقسامات الداخلية المتوارثة، وهي انقسامات ظلت هي الأخرى قائمة بسبب ضعف مؤسسات الدولة التي تتمكن من محوها وترميم التصدعات الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، فإن ضعف مؤسسات الدولة وفشل النخبة السياسية والانقسامات العمودية والأفقية المتوارثة، كل ذلك مهد الطريق أمام النفوذ الأجنبي للتغول في البلاد، وكان للمال السياسي والسلاح السائب الدور الأكبر في تعميق الشروخ والانقسامات الداخلية، وظهرت مكونات تستعين بالحليف الأجنبي ضد الخصم المحلي، كما ظهرت العديد من الاختلالات المشجعة لتغول النفوذ الأجنبي في البلاد، حتى صار الوضع كما هو عليه اليوم.

وأمام حالة التشظي القائمة في البلاد، فإن نفوذ السعودية والإمارات سيزداد توغلا وتوحشا، وكأن وضع اليمن اليوم بمنزلة فرصة تاريخية للدولتين المذكورتين لا يمكن أن تتعوض ولا بد من استغلالها كاملة، خصوصا في ظل تنامي الرفض الشعبي لذلك النفوذ والتدخل المنتهك لسيادة البلاد وكرامتها، ما يعني أن ترتيبات المشهد العام في اليمن لن تستقر على نمط محدد قريبا، وأن تفاعلات الأزمة ستظل قائمة، وستظل البلاد مجرد مختبر تجارب سياسية حتى التوصل إلى صيغة مناسبة من الحكم والانتقال السياسي من شأنها جعل اليمن تحت الوصاية الدائمة كما يريد الفاعلون الأجانب، غير أن حالة الرفض والممانعة التي يبديها الشعب وعدد كبير من الناشطين والسياسيين، وما يشهده وضع البلاد من تدافع مستمر، يعني أن البلاد مقبلة على تحولات جوهرية لم تتضح ملامحها بعد، وأن تغول النفوذ الأجنبي سينتهي بانتهاء الوضع الحالي الذي تشهده البلاد.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.