تقارير

حينما تكون الأوجاع أرحم من تكاليف العلاج.. مرضى يعزفون عن المستشفيات في تعز

حينما تكون الأوجاع أرحم من تكاليف العلاج.. مرضى يعزفون عن المستشفيات في تعز
المصدر : قناة بلقيس - هشام سرحان

تستوطن العديد من الأمراض المزمنة جسد الخمسيني عبد الإله أحمد، لكنّه يفضّل البقاء في منزله المتواضع، وتحمّل الأوجاع التي تستيقظ بين الحين والآخر في جسده المنهك بتقدّم العمر، والمُعتل بأمراض القلب والسكر، وارتفاع ضغط الدَّم، التي وإن اشتدت عليه مضاعفاتها وآلامها إلا أنها تبدو بالنسبة له أرحم من جشع بعض الأطباء، وتكاليف العلاج الباهظة في العيادات والمستشفيات.

يعزف الرجل عن ارتياد المرافق الطبيّة في حين تسُوء حالته الصحية، وتتفاقم معاناته، إلا أن ذلك لم يغيِّر من قناعته التي ترسّخت في أعماقه بعد رحلة بحث طويلة وشاقة عن العلاج، والتردد على عيادات الأطباء والمشافي في مدينة تعز، ما أنهك جيوبه واستنزف مدّخراته، ولم يضع حداً لمعاناته الطويلة مع المرض.

مجبرٌ أحمد لا بطل، بفعل الفقر وانقطاع الراتب، وندرة الأعمال، وغياب مصادر الدخل، وقسوة الظروف، وتردّي أوضاعه المادية والمعيشية، وافتقاره الشديد للمال، وتزايد مستوى عجزه عن إطعام أطفاله، وتحمّل التكاليف الباهظة للمعاينة والفحوصات والعلاج والرقود في آنٍ واحد، إلى جانب اعتقاده بأن تلك الإجراءات عديمة الجدوى، وليس منها غير إنفاق الفلوس.
   
بقدر اشتداد وطأة الآلام عليه اليوم، ترتفع حدّة تذمّره من تردّي الخدمات الصحية التي تقدّمها المرافق الطبية وفاتورتها الباهظة في مشهد مأساوي تحوّلت فيه مهنة التطبيب إلى تجارة بأوجاع المرضى، والتربّح من وراء أنّاتهم، وذلك دون مراعاة لظروفهم الصعبة والمعقّدة وحياتهم القاسية، وأوضاعهم الاقتصادية المتردّية، كما يقول لموقع "بلقيس".

أضحى الأطباء -في نظره- ملائكة عذاب لا ملائكة رحمة، كما كانوا يُعرفون في السابق، وأصبح نشاطهم ربحياً، وغايتهم جني المال، الذي يتقاضونه من المرضى المجهَدين والغلابى والمثقلين بالهموم والدِّيون وإيجارات السكن، وتوفير القوت الضروري لأسرهم.

يذكر لموقع "بلقيس": "كلّما أصابني المرض أبقى في المنزل، ولا أذهب إلى الأطباء لعدم قدرتي على تحمّل تكاليف الإجراءات الطبية وقيمة العلاج، التي صارت غالية ومكلّفة جداً".

مع استمرار الحرب والحصار للعام السابع على التوالي، توسّعت ظاهرة العزوف عن المستشفيات في تعز، التي تُعد الأولى سكانياً، والأكثر ضحايا ودماراً، وفقراً وبطالة، وتردياً مادياً ومعيشياً وإنسانياً ماساوياً، كما تشهد انهياراً صحياً، وتفشياً ملحوظاً للأمراض والأوبئة والحُميات الفيروسية.

* التزام المنازل

يعيش المرضى في المدينة، الواقعة جنوب غرب البلاد، ظروفاً بالغة السوء والتعقيد، ويصعب عليهم زيارة الأطباء، إذ يجدون أنفسهم عند كل وعكة صحية أمام صعوبات جمّة تفرض عليهم البقاء في المنازل، وتقييم واقعهم الاقتصادي المتهالك، ومراجعة قدراتهم المادية، ومعدّل دخلهم، الذي أضحى لا يتناسب مع تكاليف الإجراءات العلاجية الباهظة في المرافق الطبية.



تتطلب زيارة الطبيب الواحدة من المريض إنفاق معظم دخله أو راتبه، أو المال الذي بحوزته، الأمر الذي يِخل بتوازن الوضع المادي لأسرته،  ويتسبب بنكسة معيشية لها، كما ينعكس سلباً على توفيره احتياجاتها الغذائية، والإيفاء بالتزاماتها الأخرى، يقول مرضى لموقع "بلقيس".   

يعاني فتحي فرحان (48 عاماً) من حصوات الكلى منذ خمس عشرة سنة، أجرى خلالها 3 عمليات جراحية لاستئصالها، إلا أن ذلك لم يوقف عملية ترسّب 9 أنواع من الأملاح، وتكوين حصوات جديدة في كليتيه، ما يتطلّب منه التردد المستمر على الطبيب المعالج، للمعاينة وإجراء فحوصات دوريّة لوظائف الكلى، وتتبّع الحصوات وحجمها وحركتها، وإقرار الأدوية اللازمة، وهو ما لم يعد بمقدوره فعله.

يحاول التعايش مع أوجاعه في المنزل، بعيداً عن الأطباء الذين كلّما همَّ بزيارتهم تذكَّر مدى صعوبة تدبّر التكاليف الباهظة، وانعكاساتها السلبية على مستلزمات عائلته، ولقمة عيش أطفاله، الذين سيُحرمون منها حال ذهب إلى الطبيب، وهنا تنتابه الحيرة، وتتفرّق وِجهاته بين الذهاب إلى المستشفى للتداوي وجلب العلاج أو الذهاب إلى السوق لشراء الطعام لأسرته، ويجد نفسه يفاضل بين صحته وقوت أطفاله، فيختار الأخير.

يذكر فرحان لموقع "بلقيس": "تكاليف ارتياد المستشفيات باهظة، وتشكّل معضلة حقيقية، كما تأتي على حساب حرمان أفراد أسرتي من قوتها الضروري، ولذلك أفضّل البقاء في المنزل كلّما اشتد عليّ المرض".

يلفت إلى أن زيارة الطبيب الواحدة تكلفه 3 آلاف ريال رسوم معاينة، و8 أو 10 آلاف ريال فحوصات إلى جانب تكاليف التشخيص الأخرى، والكشف بالأجهزة الطبية، ودفع قيمة العلاج التي تصل إلى أكثر من 30 ألف ريال، وهو مبلغ قد يعادل ثُلثي راتبه الحكومي، الذي يشكّل مصدر دخله الوحيد مع عائلته.

* تكاليف باهظة

يقلل من أهمية ارتياد المشافي، والإجراءات الطبية التي يخضع لها المرضى، وتتشابه من زيارة إلى أخرى، ما يرسّخ لديه قناعة بعدم فائدتها، ويجعله يجزم بأن مهنة التطبيب أضحت تجارة، وليست خدمة إنسانية.

يلتزم فراشه أيضاً، في حال داهمته أمراض أخرى، ففي هذا العام أصيب -خلال أوقات متفرّقة- بأنواع من الحميات الفيروسية، لكنّه لم يعرض نفسه على طبيب، ولجأ إلى إجراء فحوصات في أحد المختبرات المجاورة لمنزله، وأخذ بعض الأدوية من الصيدلية، إلى جانب تعاطي المهدِّئات، والتداوي بالأعشاب.

رغم تواضع تلك البدائل وبساطتها إلا أنه اعتاد عليها وألِفها، وصار يفضّلها عمّا عداها، ويعتمد عليها في التداوي من الأمراض والأوبئة، التي تصيبه وأفراد عائلته، ويفسّر ذلك بكونها قليلة الكلفة، وتتناسب مع مستوى دخله وظروفه الصعبة، وأوضاعه المادية والمعيشية المتدهورة.



يلجأ الكثيرون إلى التداوي في المنازل بطُرق متواضعة، وأساليب قديمة وبدائية، ما يعكس حقيقة واقعهم المأساوي، وحجم التدهور الخطير والكارثي في أحوالهم وأوضاعهم الاقتصادية والإنسانية.

تتفاقم معاناتهم يوماً بعد آخر، وتشتد حاجتهم إلى الرعاية  الصحية، التي يعجزون عن تحمّل تكاليفها، بمقدار عجزهم عن توفير أبسط متطلبات العيش والبقاء، ما يجعلهم يكتوون بأوجاعهم، وغياب الخدمات، وندرة المساعدات، وانهيار قيمة العملة الوطنية، وغلاء وشحة الأدوية، وارتفاع تكاليف التشخيص والعلاج.

يعجز البعض حتى عن ارتياد المختبرات الخاصة والمجاورة لمنازلهم، لشدة افتقارهم للمال، في حين يستنفرون قواهم المادية ويلجأون إلى الإقتراض، من أجل شراء بعض العقاقير الرخيصة والمسكّنات والأدوية المهربة والأصناف الدوائية ذات المواصفات الرديئة وقريبة الانتهاء، ويتعاطونها ليخففوا من آلامهم.

* مضاعفات

يطول تعايش البعض مع المرض في المنازل، لكن النتيجة لم تحسم لصالحهم، إذ قادهم التساهل إلى الإصابة بالفشل الكلوي، وتصلّب الشرايين، والذبحات الصدرية، والجلطات الدماغية، والنزيف الحاد في الدماغ، والشلل النصفي أو الكلي، وغيرها من المضاعفات التي قد تصل إلى الموت - حسب ما ذكرته مصادر متطابقة لموقع "بلقيس".

يدفعون ثمن خياراتهم، إذ تتدهور حالتهم الصحية بشكل ملحوظ، وتشتد عليهم وطأة المضاعفات والآلام، وتحدق بهم مخاطر المرض، وتداعياته الشديدة، التي قد تصل إلى الإصابة بعاهة مستديمة، أو أمراض أشد عنفاً وفتكاً، وتنتهي ربما بالإعاقة أو الموت.

تعترض المرضى في أرياف تعز الكثير من الصعوبات، بينها عدم القدرة على الوصول إلى المشافي داخل المدينة، جراء طول الطريق ووعورتها، وارتفاع تكاليف المواصلات، وهي مشكلة صنعها الحصار المفروض من قِبل مليشيا الحوثي، التي تسيطر على معظم المنافذ البرية لتعز، وتغلق المداخل الرئيسية المؤدية إليها.
 
يصعب على المرضى تحمّل عناء السفر عبر طرق بديلة وخطرة، واجتياز مسافات تفوق 130 كيلو متراً في ثماني ساعات، فيفضّل البعض البقاء في منازلهم، والاستسلام للمرض، وتحمّل مضاعفاته، كما يدفعون ثمن قرارهم هذا ونتائجه، وذلك أسوة بغيرهم من المرضى داخل المدينة.

المسن أحمد حسن التزم منزله في إحدى المديريات الريفية، وظل يتداوى بالأعشاب وأوراق الزيتون والمسكنات، فتدهورت أوضاعه الصحية، وساءت حالته، وتفاقمت معاناته، ولم يكن يدرك أنه مصاب بالسرطان إلا بعد السفر إلى المدينة، والتوجّه إلى "مركز الأمل" لعلاج الأورام السرطانية.

كان الأوان قد فات عليه، وتأخّر اكتشاف مرضه، الذي انتشر في جسده، وصعب على الأطباء علاجه، أو التخفيف من مضاعفاته، التي انتهت بوفاته، بعد مرور أكثر من عام على اكتشاف مرضه، يقول نجله سليم لموقع "بلقيس".

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.