تقارير
حين يصبح الفرار من المليشيا طوق النجاة الوحيد!!

حين لاذ الرجل الأربعيني "نذير" بالفرار مع عائلته من مسكنهم، الذي يملكونه في صنعاء، صوب مسقط رأسه في أحد أرياف محافظة تعز (305 كم) جنوب العاصمة، كان الهروب بدايةً لحياة تشرّد الرجل وعائلته من منزلهم إجبارياً، لكنّه طريق النّجاة الوحيد لهم، خشية مضايقات وعسف فرضتها مليشيات الحوثي الانقلابية عليهم، وجعلت حياتهم عُرضة للخطر، بتُهم كيدية لا تمت للواقع بصلة.
ملأت الغُصة حلقه ليبدو كلامه متهدّجاً بالبكاء أثناء إفصاحه عما تعرّضت له زوجته من اعتقال وحبس.
يقول لبلقيس: "قبل فترة من تركنا لمنزلنا، وهروبنا من صنعاء إلى القرية، أقدمت مليشيات الحوثي على اعتقال زوجتي، وإيداعها في السجن لمدة أسبوعين، بتُهمة أنها تعمل ضمن شبكة بلقيس الحداد، ولديها أموال يريدون أن تعيدها لهم، وهي لا تعلم شيء، وكلها تُهم كيدية".
حين تأكّد للمليشيات أن زوجة الرجل بريئة من كل التُّهم المنسوبة إليها، أفرجوا عنها. حينذاك، أحسّ الرجل بمرارة القهر والتسلّط مما تعرّضت له زوجته وأم أطفاله الأربعة، مضيفاً لبلقيس: "الحوثيون كسروا ظهري وسمْعتي، لمّا أدخلوا زوجتي السجن".
ضاقت عليه الأرض، ومرّت عليه عوالم من الظلم من هول الصَّدمة التي تعرّضت لها الأسرة، إضافةً إلى وضعهم في دائرة الشك داخل محيطهم الاجتماعي، تحديداً لدى سكان الحي المجاورين لمنزلهم في العاصمة المحتلة من المليشيات الانقلابية.
يقول نذير لبلقيس: "تركت كل شيء ورحلت من صنعاء مع أسرتي، الحوثيون شردونا وأساءوا لسمعتي، ونحن بعد حالنا لا نتدخّل في شؤون الآخرين".
اتهام باطل
نسبت مليشيات الحوثي الانقلابية لزوجة نذير تُهمة الاحتيال، والعمل غير المشروع كالربا وغيره، واعتبروها ضمن فريق سيّدة الأعمال المعروفة "بلقيس الحداد"، التي تقبع في سجون المليشيات الحوثية بصنعاء، وما تزال تخضع للمحاكمة بتُهمة غسيل الأموال والاحتيال، وكانت قد اُعتقلت، منتصف يوليو من العام الفائت. يقول نذير لبلقيس: "زوجتي كانت تقوم بجمع أسهم المشتركات، مثل كل جمعيات النساء في صنعاء، وتسلِّمها لامرأة أخرى، ولم تكن تعرف الحداد لا من قريب ولا من بعيد".
تبقى الحرب وظروفها الصعبة سبباً أساسياً لدى المواطنين في البحث عن مصادر دخل جديدة تجعلهم مستمرين على قيد الحياة، كبدائل لمصادر العيش التي فقدوها، لكن كثيراً من أولئك الباحثين عن مصادر دخل جديدة وقعوا ضحايا في فخ النّصب والاحتيال، وخسروا كل ما تبقَّى لديهم من آمال في الدخل، وكذلك خسارتهم الكلية لمدخراتهم التي كانت عبارة عن أسهم في مشروع "قصر السلطانة"، التابع للحداد.
يقول نذير لبلقيس: "خسرت كل ما أملك، وكانت قضية اتهام زوجتي، التي دخلت السجن بسببها، فقط ليبرروا مصادرة منزلي الذي أملكه في صنعاء، والحجز عليه، بعد هروبنا بعد إجازة عيد الفطر الفائت".
ويبدو اتهام الحوثيين لزوجة الرجل كما لو أنه محاولة لشرعنة عملية مصادرة ملكية منزل الرّجل والحجز عليه، ومن ثم يسهل لهم عملية بيعه لصالح المليشيات الانقلابية.
لم يكن نذير أول الضحايا الذين تعرّضوا للنّهب والابتزاز ومصادرة ممتلكاتهم، إذ سبقه ضحايا كُثر يختلفون عنه بالاتهامات الملفقة التي وُجّهت لهم من قِبل الأجهزة الأمنية التابعة لمليشيات الحوثي الانقلابية.
فصل جديد في حياة الأسرة
اعتبر نذير عملية هروبه برفقة عائلته وسيلة النّجاة من قبضة الأجهزة الأمنية التابعة للمليشيات، التي ظلت تتعقّبه وزوجته لفترة، بعد خروجها من السجن، مدشناً بذاك الفِرار فصلا جديدا في حياة الأسرة، بعد أن خسروا كل ما اكتسبوه طيلة الفترة الزمنية السابقة من حياتهم.
يقول نذير لبلقيس: "بقدر ما نجونا من ملاحقات الحوثيين لنا، خسرت كل ما جمعته من سابق، بما في ذلك منزلي. لي حوالي 20 سنة وأنا أعيش في صنعاء، لأني كنت موظفا في إحدى الهيئات الحكومية هناك". بعد هذه الخسارة الثقيلة على الرجل وعائلته، يتحتّم عليه البدء من مستوى الصفر في تأسيس فصل جديد في حياتهم بكل متطلباته ومسؤولياته المختلفة.
بنبرة مهزوم يعلِّق نذير لبلقيس: "الحوثيون نكبوني وشرّدوني، لكن بيعوضنا الله، ويعيننا على القادم".
إضافة إلى تلك الخسارات ومسألة تعويضها، يأتي مستقبل تعليم أطفاله الأربعة ضمن أولويات اهتمامه في رحلة حياته القادمة، مضيفاً لبلقيس: "الحقت أبنائي الأربعة بإحدى مدارس منطقتي، وتعهّدت لهم بإحضار ملفاتهم من صنعاء، لأنه ما قد سحبتهم من هناك"، مبدياً عدم رغبته المطلقة في العودة إلى العيش في صنعاء في أي حال من الأحوال، بسبب ما تعرّض له من مضايقات هو وأسرته من قِبل الأجهزة الأمنية الحوثية.



