تقارير
دراسة أمريكية: تآكل التحالفات القبلية يضعف نفوذ الحوثيين.. والجبايات والقمع يهددان تماسك الجماعة

كشفت ورقة بحثية صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية 'ويست بوينت'، عن تصاعد الضغوط التي تواجهها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، نتيجة التآكل التدريجي لتحالفاتها القبلية، وتراجع قدرتها على شراء الولاءات، بالتزامن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية واتساع دائرة السخط الشعبي والقبلي إزاء ممارساتها.
وقالت الورقة، التي أعدها الباحث مايكل هورتون ونشرتها مجلة 'CTC Sentinel' تحت عنوان 'هل يتماسك المركز؟ تحالفات الحوثيين القبلية المتصدعة'، إن الجماعة تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على شبكة التحالفات التي شكلت أحد أهم مرتكزات توسعها وسيطرتها على أجزاء واسعة من اليمن.
وأوضحت الورقة أن هذه التحالفات لم تقم على أساس الانسجام الأيديولوجي وحده، بل استندت بصورة أساسية إلى منظومة معقدة من المصاهرة والوساطة والمصالح المالية وتبادل المنافع، إلى جانب استخدام القوة الأمنية والعسكرية لإخضاع المعارضين ومنع تفكك الولاءات.
تحالفات قبلية تحت ضغط المال والقوة
وبحسب الدراسة، اعتمد الحوثيون في إدارة علاقاتهم مع القبائل على ركيزتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في توزيع الامتيازات والمنافع المالية والمناصب لتأمين الولاء، فيما تقوم الثانية على توظيف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقوة العسكرية لردع أي تحركات معارضة.
لكن هذه المعادلة بدأت تواجه اختلالات متزايدة مع تراجع الموارد المالية، وتقلص قدرة الجماعة على تمويل شبكات المصالح القبلية، الأمر الذي دفعها إلى توسيع عمليات الجباية والمصادرة وفرض الإتاوات، بما يفاقم حالة الاحتقان داخل مناطق سيطرتها.
وترى الورقة أن استمرار هذا المسار يضع الجماعة أمام معضلة متصاعدة؛ إذ يؤدي نقص الإيرادات إلى تقليص المنافع المقدمة للحلفاء، بينما تدفعها محاولة تعويض هذا النقص عبر الجبايات إلى زيادة السخط الشعبي والقبلي، وهو ما يهدد بتقويض التحالفات التي اعتمدت عليها في تثبيت نفوذها.
المصاهرة والجذور التاريخية للنفوذ الحوثي
وتتبع الورقة الجذور التاريخية للتحالفات القبلية الحوثية، مشيرة إلى أن مؤسس الحركة بدر الدين الحوثي عمل منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي على بناء شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والدينية، مستفيداً من مكانته الدينية وأدواره في الوساطة والتحكيم والتعليم.
ومثّلت المصاهرة إحدى أبرز الأدوات التي استخدمتها الأسرة الحوثية لتعزيز نفوذها، من خلال إقامة روابط زواج مع أسر قبلية بارزة، إلى جانب توظيف الأنشطة الدينية والتعليمية والاجتماعية في استقطاب شخصيات ومجموعات قبلية، وهي البيئة التي ساهمت لاحقاً في نشوء حركة 'الشباب المؤمن'.
كما أسهمت حروب صعدة الست، التي بدأت عام 2004، في تعزيز الروابط بين الحوثيين وبعض القبائل المتحالفة معهم، حيث وفرت المشاركة في المواجهات المسلحة أرضية مشتركة لتوسيع النفوذ، ومنحت الجماعة حضوراً ميدانياً تجاوز تأثير خطابها الديني.
غير أن التحول الأبرز، وفق الورقة البحثية، جاء مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، إذ انتقلوا من حركة مسلحة تستند إلى شبكة من التحالفات القبلية إلى سلطة تسعى لإعادة تشكيل البنية القبلية وإخضاعها لمركز القرار.
مقتل صالح وإعادة تشكيل المشهد القبلي
وتشير الورقة إلى أن تحالف الحوثيين مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح أتاح لهم الاستفادة من شبكة علاقاته القبلية والعسكرية والأمنية، فضلاً عن الوصول إلى مؤسسات الدولة وأدوات نفوذ كانت تمثل رصيداً سياسياً واجتماعياً مهماً.
لكن هذا التحالف انتهى بمقتل صالح في ديسمبر 2017، لتبدأ الجماعة مرحلة جديدة من إحكام قبضتها على صنعاء ومناطق واسعة من شمال غربي البلاد، عبر إعادة تشكيل مراكز النفوذ القبلي، وتعيين شخصيات موالية لها، وإقصاء أو إخضاع المشايخ الذين لا ينسجمون مع توجهاتها.
ولفتت الورقة إلى أن الحوثيين أنشأوا منظومة من المشرفين التابعين للجماعة، وفرضوها فوق المؤسسات التقليدية والقبلية، ما أدى إلى تقليص صلاحيات المشايخ وتحويل جزء كبير من أدوارهم إلى سلطة موازية مرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة.
الاستخبارات والمال أدوات لإخضاع القبائل
وفي سياق إحكام السيطرة، استفادت الجماعة، بحسب الورقة، من استيلائها على أجزاء واسعة من أجهزة الأمن والاستخبارات عقب دخول صنعاء، بما في ذلك المعلومات والسجلات المتعلقة بالقبائل وتحالفاتها ونزاعاتها ومصالحها الاقتصادية.
وأتاحت هذه البيانات للحوثيين تحديد نقاط النفوذ والضعف لدى الشخصيات القبلية، واستخدامها في إدارة الولاءات وممارسة الضغوط على المشايخ والوجهاء.
كما عملت الجماعة على ربط بعض الشخصيات القبلية بشبكاتها المالية والتجارية، من خلال الرواتب والمناصب وتراخيص الاستيراد والامتيازات المرتبطة بتجارة الوقود والتهريب والسلع، فضلاً عن منح بعض النافذين صلاحيات تحصيل رسوم على البضائع المارة في مناطق سيطرتها.
وتؤكد الورقة أن هذا النمط من العلاقات جعل جانباً مهماً من التحالفات القبلية قائماً على المصالح والإكراه وغياب البدائل، وليس بالضرورة على القناعة بالمشروع الفكري أو السياسي للحوثيين.
أزمة الموارد تهدد شبكة الولاءات
وتضع الدراسة التحديات الاقتصادية في مقدمة العوامل التي تهدد تماسك التحالفات الحوثية، مشيرة إلى أن الضربات التي طالت الموانئ والمطارات والبنية التحتية، إلى جانب العقوبات الأمريكية والجهود الرامية إلى مكافحة التهريب، أضعفت بعض مصادر التمويل والإيرادات التي تعتمد عليها الجماعة.
وبحسب تقديرات نقلتها الورقة، تشكل الرسوم المفروضة على الواردات وعائدات بيع المشتقات النفطية ما يصل إلى نصف دخل الحوثيين، فيما تراجع حجم الواردات النفطية الواصلة إلى موانئهم إلى نحو النصف مقارنة بالمستويات السابقة.
وأضافت أن تقلص تدفق المنتجات المرتبطة بإيران والاضطرابات التي طالت مسارات الإمداد الإقليمية زادت من الضغوط على الموارد المتاحة للجماعة، خصوصاً في ظل اعتمادها على هذه الموارد في تمويل قدراتها العسكرية وشبكات المصالح المرتبطة بالقيادات القبلية.
وتشير الورقة إلى أن الحوثيين لجأوا إلى تعويض تراجع الإيرادات عبر توسيع المصادرات والجبايات المفروضة على الشركات والأسر الميسورة، وهي سياسة تؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وتشجيع خروج رؤوس الأموال، بما يخلق حلقة متواصلة من تراجع الإيرادات وزيادة الأعباء على السكان.
تراجع التعبئة السياسية وتصاعد السخط
وترى الورقة أن الحوثيين استفادوا، منذ أواخر عام 2023، من هجماتهم في البحر الأحمر واستهداف إسرائيل لتقديم أنفسهم بوصفهم مدافعين عن الفلسطينيين، وهو خطاب ساعدهم على حشد التأييد وتخفيف الانتقادات المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والخدمية في مناطق سيطرتهم.
لكن وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، إلى جانب تكاليف المواجهات والضربات الأمريكية والإسرائيلية، أعاد الاهتمام إلى الأزمات الداخلية وأداء الجماعة في إدارة المناطق الخاضعة لها.
وتضيف أن توظيف الحرب على إيران في الخطاب التعبوي لا يمتلك بالضرورة التأثير نفسه الذي حظيت به القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل وجود تحفظات لدى قطاعات من المجتمع اليمني، بما في ذلك بعض الأوساط القبلية المتحالفة مع الحوثيين، إزاء النفوذ الإيراني والسياسات الإقليمية لطهران.
وبحسب الورقة، فإن تراجع قدرة الخطاب التعبوي على حجب الإخفاقات الداخلية يضع الجماعة أمام تحدي الحفاظ على ولاء قواعدها، في وقت تتزايد فيه المطالب المتعلقة بالخدمات والظروف المعيشية والحقوق السياسية.
صراع على عقول الأجيال الجديدة
وتفرد الدراسة مساحة لما تصفه بمحاولة الحوثيين إعادة تشكيل الهوية الفكرية والاجتماعية للأجيال الجديدة، عبر المناهج التعليمية والدورات التعبوية والمخيمات الصيفية والأنشطة المرتبطة بالجماعة.
وتشير إلى أن هذا المشروع بدأ منذ مرحلة 'الشباب المؤمن'، لكنه توسع بصورة أكبر عقب السيطرة على صنعاء، من خلال إدخال تعديلات على المناهج وفرض أنشطة فكرية وتدريبات عسكرية على شرائح من الطلاب والمعلمين والشخصيات القبلية.
وتهدف هذه السياسات، وفق الورقة البحثية، إلى تقديم الولاء للجماعة على الانتماءات القبلية والوطنية، غير أنها ترى أن نجاح هذا المسعى لا يزال جزئياً، في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي واتساع اطلاع الشباب على مستويات المعيشة في دول أخرى، إلى جانب تجدد الاهتمام بالهوية الجمهورية وذكرى ثورة 26 سبتمبر.
وتلفت الورقة إلى أن هذا التباين بين الأجيال قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة التحالفات القبلية، خصوصاً مع ظهور جيل شاب لا يرتبط بالضرورة بالمنظومة التقليدية للمصالح والولاءات التي حكمت علاقة الجماعة بالمشايخ والوجهاء.
التناقضات السلالية والتوتر داخل البيئة الزيدية
وفي الجانب الأيديولوجي، تتناول الورقة التوترات الناجمة عن فرض الجماعة تصوراً للسلطة يستند إلى أحقية سلالية في الحكم، معتبرة أن هذا التوجه يثير اعتراضات اجتماعية وسياسية داخل مناطق سيطرتها.
وتشير إلى أن فرض المشرفين والقيادات المنتمية إلى السلالة الهاشمية على مجتمعات قبلية ومناطق ذات غالبية شافعية، خصوصاً في إب وتعز وأجزاء من تهامة، يفاقم الشعور بالتهميش والتمييز.
كما تلفت إلى أن التوتر لا يقتصر على المناطق الشافعية، بل يمتد إلى البيئة الزيدية نفسها، حيث تتعارض بعض ممارسات الجماعة مع تقاليد تاريخية قامت على التفاوض وتبادل الالتزامات بين القبائل والسادة، وليس الخضوع المطلق لسلطة دينية أو سلالية.
وتضيف أن توجهات الحوثيين الدينية أثارت نقاشات واعتراضات بين علماء زيديين، بينهم شخصيات هاشمية، بشأن ما يعتبرونه تحولاً في المسار الفكري للجماعة واقتراباً من بعض الأفكار المرتبطة بالتشيع الإيراني، مشيرة إلى تعرض عدد من المنتقدين للاعتقال.
صراعات داخلية وقيادات تبحث عن الثروة والنفوذ
وتربط الورقة جانباً من تراجع التماسك الداخلي بتحولات طرأت على قيادة الجماعة خلال سنوات الحرب، إذ راكم عدد من القيادات التي شاركت في حروب صعدة ثروات ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً، مستفيدة من اقتصاد الحرب والفساد والاستيلاء على الممتلكات.
وترى أن حماية المصالح الشخصية والثروات باتت تشغل حيزاً متزايداً في حسابات بعض القيادات، على حساب الروابط والالتزامات التي أسهمت في بناء التحالفات خلال المراحل الأولى للحركة.
وأدى ذلك، بحسب التحليل، إلى اتساع الفجوة بين النخبة الحوثية التي تستحوذ على الموارد والامتيازات وبين القواعد القبلية والمقاتلين الذين يتحملون أعباء الحرب دون الحصول على نصيب مماثل من المنافع.
القمع الأمني لا ينهي التمرد القبلي
وعلى الرغم من تشديد القبضة الأمنية، ترصد الدراسة مؤشرات متزايدة على التذمر والاعتراض القبلي، خصوصاً في المناطق الطرفية التي تقل فيها قدرة الجماعة على فرض سيطرتها مقارنة بالعاصمة صنعاء.
وتذكر مناطق نهم وبني ضبيان وأرحب بوصفها من المناطق التي شهدت اعتراضات قبلية متقطعة، فيما تتصاعد مشاعر السخط في أجزاء من تهامة نتيجة استغلال الموارد وتراجع الخدمات والفرص الاقتصادية.
كما تستعرض الورقة عدداً من الحوادث التي تعكس طبيعة المواجهة بين الجماعة وخصومها المحليين، بينها مقتل الشيخ صالح حنتوس في ريمة في يوليو 2025، واعتقال عشرات ومئات الأشخاص في حملات أمنية بمناطق مختلفة، فضلاً عن مداهمات واعتقالات أعقبت انشقاق شخصيات قبلية كانت موالية للجماعة.
ونقلت الورقة عن بيانات فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن توثيق ما لا يقل عن 403 حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري خلال الفترة من أغسطس 2024 إلى يوليو 2025، نُسبت 306 حالات منها إلى الحوثيين.
كما أشارت إلى أن محافظة إب سجلت نحو 40 بالمئة من حالات الاقتتال الداخلي الموثقة في المناطق الخاضعة للحوثيين بين يناير 2022 ويناير 2025، وفق بيانات منظمة 'أكليد'.
وتخلص الورقة إلى أن اعتماد الجماعة المتزايد على القمع لا يعالج جذور التوترات، بل قد يدفع إلى تراكم المظالم وتوسيع دائرة المعارضين، خصوصاً عندما يقترن بتدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الخدمات.
قدرات عسكرية وأمنية تحول دون الانهيار السريع
ورغم ما ترصده الورقة من تصدعات داخل التحالفات القبلية، فإنها تحذر من اعتبار ذلك مؤشراً على قرب انهيار الجماعة، مؤكدة أن الحوثيين لا يزالون يمتلكون قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، فضلاً عن خبرة طويلة في التكيف مع الحروب والضربات الخارجية.
وتشير إلى أن الجماعة طورت بنية قيادية لامركزية تمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية والعلاقات القبلية وتوزيع الموارد، بما يسمح لبعض الوحدات بمواصلة العمل حتى في حال مقتل قيادات عليا.
كما تمكنت من تطوير وسائل لإخفاء منشآت تجميع الصواريخ والطائرات المسيّرة ومكوناتها، والاستفادة من المنشآت المحصنة والمواقع الواقعة تحت الأرض، وهو ما يعزز قدرتها على امتصاص الضربات ومواصلة نشاطها العسكري.
وتقارن الورقة هذه البنية بما يعرف بمفهوم 'الدفاع الفسيفسائي' الإيراني، القائم على توزيع الصلاحيات والقدرات، مع الإشارة إلى أن التجربة الحوثية في اللامركزية العسكرية نشأت بصورة مستقلة خلال حروب صعدة.
إيران وشبكات الإمداد البديلة
وتتناول الورقة تأثير الحرب على إيران والضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير 2026، على حسابات الحوثيين وموقعهم ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، مشيرة إلى أن الجماعة باتت تمثل، وفق تقديرها، أكبر قوة مسلحة داخل هذا المحور.
وتوضح أن الدعم الإيراني لا يقتصر على الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، بل يشمل النفط والمشتقات النفطية والأموال والسلع والمساعدة الفنية، وهي موارد ساعدت الجماعة على تمويل قدراتها العسكرية وشبكات المصالح المرتبطة بها.
ورغم سعي الحوثيين إلى تنويع مصادر التمويل والإمداد وتقليل الاعتماد على طهران، ترى الورقة أن فقدان الدعم الإيراني، خصوصاً في المجال الصاروخي، سيضاعف الضغوط على الجماعة.
كما تشير إلى أن الحوثيين سعوا إلى بناء علاقات لوجستية مع جهات وشبكات تهريب وفاعلين من غير الدول في القرن الأفريقي، من بينهم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب الصومالية، بهدف تسهيل نقل مكونات الأسلحة ومواد أخرى عبر مسارات إمداد متنوعة.
وتؤكد أن هذه العلاقات تقوم، بحسب تقدير الدراسة، على تقاطع المصالح والاحتياجات اللوجستية، ولا تعني بالضرورة وجود توافق أيديولوجي بين الأطراف.
تهديد الملاحة ومنشآت الطاقة ورقة للتصعيد
وفي مقابل التحديات الداخلية، تؤكد الورقة أن الجماعة لا تزال تحتفظ بأوراق عسكرية قادرة على تهديد المصالح الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الملاحة البحرية ومنشآت الطاقة.
وتشير إلى أن الحوثيين نفذوا أكثر من 130 هجوماً على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب استهداف مواقع في السعودية وإسرائيل، وتمكنت بعض صواريخهم وطائراتهم المسيّرة من تجاوز منظومات الدفاع الجوي.
وتحذر من أن تزايد الضغوط على الجماعة، سواء نتيجة تراجع الدعم الإيراني أو تصاعد الضربات العسكرية أو فقدان قيادات مؤثرة، قد يدفعها إلى تبني استراتيجية تصعيد تستهدف منشآت حيوية داخل اليمن وخارجه.
وتشمل السيناريوهات التي تطرحها الورقة استهداف منشآت الطاقة السعودية وخط أنابيب النفط الممتد من شرق المملكة إلى غربها، فضلاً عن منشآت يمنية، بينها مشروع بلحاف للغاز الطبيعي المسال.
وتذكّر الورقة بأن الهجمات الحوثية على المنشآت النفطية في شبوة وحضرموت منذ أواخر عام 2022 أدت إلى تعطيل صادرات النفط الحكومية إلى حد كبير، وحرمت الحكومة اليمنية من مصدر رئيسي للإيرادات.
وترى أن تكرار مثل هذه الهجمات قد لا تقتصر تداعياته على المرحلة الراهنة، بل سيمتد إلى فرص التعافي الاقتصادي وإعادة تشغيل المنشآت الحيوية بعد انتهاء الحرب.
الحكومة اليمنية أمام اختبار تقديم البديل
وفي تقييمها لمستقبل التحالفات القبلية، تربط الورقة بين تراجع نفوذ الحوثيين وبين قدرة الحكومة اليمنية على تقديم نموذج أكثر تماسكاً واستقراراً، قادر على استقطاب القبائل والمكونات الاجتماعية في مناطق سيطرة الجماعة.
وتشير إلى أن التحركات العسكرية والسياسية المدعومة من السعودية مطلع عام 2026، وما أعقب تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر 2025، أسهمت في استعادة قدر من سلطة الحكومة في مناطق جنوبية، وأظهرت استمرار الدعم السعودي لأهدافها الأمنية.
كما تتحدث عن خطوات باتجاه إعادة تنظيم سلاسل القيادة داخل القوات الحكومية، بما قد يعزز قدرتها على تقديم نفسها بديلاً أكثر تماسكاً أمام القوى القبلية والمجتمعات المحلية.
غير أن الورقة تقر بأن الحكومة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، من بينها تشتت مراكز السلطة ومحدودية الموارد والفساد والاعتماد على الدعم الخارجي، وهي عوامل تحد من قدرتها على استثمار نقاط الضعف الحوثية بصورة فعالة.
وتؤكد أن القبائل ستظل تراقب قدرة الحوثيين على مواصلة تقديم المنافع ومعاقبة المعارضين، بالتوازي مع تقييم مدى وجود بديل سياسي وعسكري يمكن الوثوق به والاعتماد عليه.
تآكل التحالفات لا يعني سقوط الحوثيين
وتخلص الورقة البحثية إلى أن مليشيا الحوثي تواجه مرحلة متزايدة التعقيد، تتآكل خلالها بعض التحالفات القبلية التي شكلت ركيزة أساسية لنفوذها، بفعل تراجع الموارد المالية واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة الاجتماعية، وتزايد الاعتماد على الجبايات والقمع الأمني.
لكنها تشدد في المقابل على أن هذه التصدعات لا تعني انهيار الجماعة في المدى القريب، في ظل امتلاكها جهازاً أمنياً واستخباراتياً فعالاً، وبنية عسكرية لامركزية، وشبكات إمداد متعددة، وقدرة على تهديد الملاحة ومنشآت الطاقة في اليمن والمنطقة.
وترى أن مستقبل تماسك الجماعة سيظل مرتبطاً بقدرتها على تمويل شبكة الولاءات القبلية والحفاظ على أدوات الردع، مقابل قدرة الحكومة اليمنية على بناء مؤسسات أكثر فاعلية وتقديم بديل موثوق للمجتمعات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
وبذلك، فإن التحدي الأبرز أمام الجماعة لا يتمثل فقط في الضغوط العسكرية الخارجية، وإنما في قدرتها على منع تحول التذمر الاقتصادي والاجتماعي والقبلي المتراكم إلى انشقاقات وتحركات منظمة تهدد منظومة نفوذها من الداخل.


