تقارير
دعم الانفصال.. هل تطمح السعودية لالتهام أراضٍ يمنية جديدة؟

تغري حالة الانقسام التي تمر بها الجمهورية اليمنية كلا من السعودية والإمارات بالسيطرة على أراض يمنية واسعة، خصوصا مناطق الثروات النفطية والغازية والمعادن الثمينة والجزر والموانئ. وبما أنه سبق أن تم ترسيم الحدود بين الجمهورية اليمنية والسعودية وفق اتفاقية جدة الحدودية في 12 يونيو 2000، فإن السعودية غير قادرة على الالتفاف على تلك الاتفاقية ونقضها إلا في حال نجاح مشروع الانفصال وعودة الوضع إلى ما قبل عام 1990، لأن نجاح مشروع الانفصال يعني إلغاء مختلف الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت الجمهورية اليمنية (دولة الوحدة) طرفا فيها، بما في ذلك الاتفاقيات الحدودية.
ولذلك، تعمل السعودية على انفصال جنوب اليمن من وراء الستار الإماراتي، حتى لا تلفت الأنظار لمطامعها في اليمن، لأن الانفصال وإنهاء الكيان القانوني لدولة الوحدة (الجمهورية اليمنية) سيمكن السعودية من التنصل من اتفاقية جدة الحدودية، وبالتالي السيطرة على مزيد من الأراضي اليمنية، وتثبيت وضعها قانونيا باتفاقيات جديدة مع من ستسلم لهم السعودية والإمارات مقاليد إدارة الشطر الجنوبي من البلاد، مثلما سبق لها أن ثبتت وضع الأراضي اليمنية التي سيطرت عليها عام 1934 بموجب اتفاقية جدة (عام 2000)، وتخلصت بذلك من عبء اتفاقية الطائف (عام 1934) المحددة بـ20 عاما فقط.
- الانفصال ومصير اتفاقيات اليمن الموحد
هناك تعقيدات كثيرة فيما يتعلق بنجاح مشروع انفصال جنوب اليمن من عدمه وفيما يتعلق بمصير اتفاقيات الحدود بين اليمن الموحد وجيرانه (السعودية وسلطنة عُمان) يدركها خبراء القانون الدولي، بيد أنه من الواضح أن المخاوف من تغيير الخرائط الجغرافية تعد من أبرز أسباب رفض المجتمع الدولي لمشاريع الانفصال في أي مكان في العالم، ورفض حتى مجرد إجراء استفتاءات حول مطالب أي إقليم في العالم بالانفصال.
مثلا، تعترض فرنسا بشدة على محاولة إقليم كتالونيا الانفصال عن إسبانيا لأسباب ذات بعد جغرافي وتاريخي، والخشية من أن تطالب كتالونيا -في حال انفصالها- بأراض تابعة لجمهورية فرنسا بموجب اتفاقيات ومعاهدات دولية قديمة. ومثال آخر بخصوص محاولة إقليم كردستان العراق الانفصال، فمن أسباب تراجع الإقليم عن الانفصال حديث تركيا عن امتلاكها وثائق تدخل في إطار القانون الدولي تمنحها الحق في إعادة النظر في الحدود القائمة مع العراق في حال قيام حركة انفصالية في تلك المناطق.
وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاقية جدة الحدودية بين اليمن والسعودية عام 2000، فهي اتفاقية تتعامل مع دولة يمنية واحدة بناء على الوضع بعد عام 1990، وفي حال عودة وضع البلاد إلى قبل عام 1990، فإن تلك الاتفاقية تعد ملغية، وبالتالي يكون ملف الحدود اليمنية - السعودية قد عاد إلى نقطة الصفر، وعادت أجواء التوتر التي ظلت قائمة بسبب الحدود منذ العام 1934 وحتى العام 2000، ولذلك تدعم السعودية انفصال جنوب اليمن لأجل إنهاء الوضع القانوني للحدود بينها وبين اليمن الموحد، والتنصل من اتفاقية جدة الحدودية مع الجمهورية اليمنية، وبالتالي التهام أراضٍ جديدة وتثبيت وضعها قانونيا باتفاقيات جديدة مجحفة.
تتوارى السعودية خلف حليفتها الإمارات بشأن دعمها لمشروع انفصال جنوب اليمن، بينما قادتها يظهرون في تصريحات صحفية يؤكدون فيها دعم بلادهم لوحدة اليمن واستقراره واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، بينما تتولى الإمارات مهمة دعم الانفصال ظاهريا حتى لا يلتفت اليمنيون إلى أطماع السعودية في أراضيهم، كون دولة الإمارات بعيدة جغرافيا عن الجمهورية اليمنية، ولا ترتبط بحدود معها سواء برية أو بحرية، لذلك قد يبدو غير منطقي أن تطمع الإمارات في احتلال دائم لأراضٍ يمنية بعيدة عنها واستحالة استمرار ذلك بعد تعافي البلاد وانتهاء الحرب.
لكن أفعال السعودية على الأرض تفضح نواياها، فالقوات السعودية تتواجد بنسب متفاوتة داخل الأراضي اليمنية على امتداد الخط الحدودي، ويزداد التواجد بشكل أكبر داخل محافظة المهرة، ما يعني أن السعودية تسعى لالتهام مساحات كبيرة من الأراضي اليمنية، تشمل محافظة المهرة بالكامل، ومعظم أراضي محافظة حضرموت، وأجزاء واسعة من محافظتي مأرب والجوف الغنيتين بالنفط والغاز.
وبما أن اليمن ممزق وفي حالة ضعف، فإن عودة الدولة قوية ومعافاة قد لا تتيح للسعودية تثبيت سيطرتها الحالية داخل الأراضي اليمنية، لكن نجاح الانفصال وعودة الوضع إلى ما قبل عام 1990، فإن ذلك يعني أنها لم تعد ملزمة قانونا بالاتفاقيات أو المعاهدات التي تمت مع اليمن في ظل دولة الوحدة، بما في ذلك اتفاقيات ترسيم الحدود بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية، وبين الجمهورية اليمنية وسلطنة عمان.
وبالتالي، فإنه بإلغاء اتفاقية جدة الحدودية (عام 2000) يكون ملف النزاع الحدودي بين اليمن والسعودية قد عاد إلى نقطة الصفر بعد توتر دام نحو 70 عاما قبل الوحدة وبعدها، فقبل الوحدة رفض حكام الشطر الشمالي تجديد اتفاقية الطائف (1934) المحددة بـ20 عاما، كما أن الشطر الجنوبي قبل الوحدة لم يرسم حدوده مع السعودية أو مع سلطنة عمان، بل فإن السعودية استغلت الصراعات التي كانت قائمة بين أجنحة حكم الرفاق في عدن واستولت على أراضٍ يمنية جنوبية تتبع محافظة حضرموت.
- الانفصال.. عقبات وعواقب
ومهما كانت الحسابات والأطماع والأحقاد والمؤامرات التي يحيكها حكام الرياض وأبو ظبي ضد اليمن، فإن انفصال جنوب اليمن -إذا افترضنا حدوثه- لن يكون بردا وسلاما على دول الجوار، فضلا عن التوتر الداخلي المزمِن الذي سيتسبب به، سواء بين شطري البلاد أو بين المكونات الجنوبية، وما يمثله ذلك من إبقاء الباب مفتوحا أمام الاختراق الأجنبي، واحتمال تحول البلاد بشطريها إلى ساحة لصراعات النفوذ ولعبة المصالح بين القوى الكبرى، ويعزز من ذلك الاحتمال ظهور توازنات صعبة على المسرح الدولي، واضطراب العلاقات الدولية، وعودة تكتلات الحرب الباردة بعد حرب روسيا على أوكرانيا وتوتر العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بسبب الوضع في تايوان، وأيضا توسع النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي ظل وضع إقليمي ودولي ومحلي مضطرب وشديد الحساسية، لن تكون مسألة انفصال جنوب اليمن عملية سهلة، وأنه بسيطرة مليشيا المجلس الانتقالي وتغيير مسؤولي السلطات المحلية قد أصبح الانفصال أمرا واقعا، ذلك أن ظهور دولة جديدة يتطلب إجراءات قانونية معقدة لن تكون معها عملية الانفصال سهلة، فالإعلان عن دولة جديدة ستتبعه مباشرة رحلة البحث عن الاعتراف الدولي واعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسيكون القانون الدولي حاضرا في مختلف إجراءات الاعتراف بالدولة الجديدة.
مع العلم أن دستور الجمهورية اليمنية يجرم أي محاولة انفصالية، والقانون الدولي يشدد على حماية سيادة الدول واستقرارها، ولا يمنح أي إقليم حق الانفصال إلا بموافقة الطرف الآخر (الدولة التي يسعى للانفصال عنها)، وحتى الاستفتاء على الانفصال فلن يتم إلا بموافقة الحكومة المركزية، وبمشاركة جميع سكان الدولة وليس فقط سكان الإقليم المطالب بالانفصال.
كما أن المزاج الدولي برمته رافض لمشاريع الانفصال في أي مكان في العالم، ورافض أيضا لاستفتاءات الانفصال، وأقرب مثال على ذلك عندما حال المجتمع الدولي، في العام 2017، دون انفصال إقليم كردستان العراق وانفصال إقليم كتالونيا في إسبانيا، لأن الانفصال في أي إقليم في العالم سيؤثر على الأمن والاستقرار وستنتشر عدوى الانفصال وتهز دولا مستقرة.
أيضا، قد تتسبب مشاريع الانفصال في تغيير الخرائط الجغرافية، وفتح المجال لعودة توترات قديمة كانت قد حُسِمت بواسطة اتفاقيات ومعاهدات، خصوصا ما يتعلق بترسيم الحدود والأراضي التي كانت محل نزاع بين دولتين أو أكثر، أو تغيير الوضع القانوني لمقاطعات أو أقاليم كان لها وضعها الخاص قبل الانفصال، كل ذلك يعني أن مؤامرات الرياض وأبو ظبي ضد اليمن تأتي في سياق زمني ليس في صالحهما، وأطماعهما في أراضي البلاد مصيرها الفشل.



