تقارير
شبح الجوع في اليمن يدفع نساء إلى مِهنة "خادمات في البيوت"

منذ قرابة العامين، اشتدت الأزمة المعيشية على الأربعينية "صفية"، وعجزت أسرتها عن توفير متطلبات الحياة البسيطة، وسداد إيجار المنزل، فطُردت إلى دكان صغير لم يستوعبها وزوجها وأبناءها الخمسة، بالإضافة إلى الأثاث الذي اضطرت إلى توزيعه في بيوت أقارب وأصدقاء العائلة.
لم تنفرج الأوضاع مع الانتقال إلى الدّكان، وضاقت الحياة أكثر على الأسرة، وخرجت "صفية"، لأول مرّة، من منزلها بحثا عن فرصة عمل، وهي تعرف في قرارة نفسها أنها ليس لديها مؤهلات، ولم تدرس سوى الصفوف الابتدائية الأولى، ولا تمتلك الخبرة في أي مجال، ولن يكون لديها نصيب في غير أعمال الخدمة.
- العمل أو الجوع
وسط حالة من الرّهبة والحياء والتردد، جالت "صفية" -أياما عدّة- العيادات والمرافق الطبية والتعليمية وأماكن أعمال كثيرة، للحصول على وظيفة فرّاشة (عاملة نظافة) حتى حصلت على عمل في عيادة لطب الأسنان شمال أمانة العاصمة، براتب خمسين ألف ريال شهرياً.
لم يتقبل الزوج عمل "صفية"، ورفض الفكرة مرارا، لكن مع تدهور أوضاع الأسرة، خضع للأمر الواقع، خاصة بعد أن فقد وظيفته الحكومية، وفشل في القيام بالعديد من الأعمال والحِرف البسيطة، وآخرها بيع القات.
تذهب "صفية" إلى العمل عصر كل يوم، قبل أن يبدأ الدوام بالعيادة، لتقضي ما يزيد عن ساعة في تنظيف البلاط والأثاث وبعض الأدوات، وعلى الرُّغم من مشقة العمل، واصلت البحث عن عمل آخر، وحصلت على عمل في بعض بيوت الأغنياء، حيث تقوم بأعمال نظافة المنزل والمطبخ بعد الظهر، بمبلغ لا يزيد عن 30 ألف ريال.
تعود "صفية" كل يوم مرهقة من أعمال النظافة، لكنها تعرف أن مصير أسرتها مرتبط بكدّها، ولا مجال للراحة والكسل. تقول لـموقع "بلقيس": "كنت دائما أحلم بتحسن أوضاعنا، وامتلاك منزلنا الخاص، والحياة المستقرة، ولم أكن أتوقع أن اعمل بالخدمة في البيوت، فالحرب جعلتنا نرضى بأي عمل، ونبحث عن الفتات".
- ضرورة عائلية
من الحي ذاته، تنطلق العشرينية "أم ناصر" كل صباح - الساعة الثامنة - إلى مركز للأشعة الطبية على خط المطار، لتقوم بأعمال التنظيف لأكثر من ساعة، تاركة خلفها في المنزل ثلاثة أطفال لم يتجاوز عُمر أكبرهم سبع سنوات، بعد أن توفي والدهم قبل قرابة العام.
وعلى الرغم من أن الأوضاع المعيشية لـ"أم ناصر" أفضل حالا من "صفية"، حيث تعيش في منزل يمتلكه أهل زوجها، إلا أنها لم ترفض فرصة العمل بالنظافة، التي حصلت عليه عبر صديقة لها تعمل في المجال نفسه، منذ ستة أشهر.
تقول أم ناصر لـموقع "بلقيس": "هناك متطلبات كثيرة غير السكن، وأهل زوجي لا يهتمون بأولادي، على الرغم أننا نعيش وسطهم، ويمنعون عنهم حتى حقهم في ورث أبوهم، وهذا ما دفعني للعمل". وتضيف: "لو كان زوجي على قيد الحياة لما سمح لي بهذا العمل".
- خيارات مُرة
في السنوات الأخيرة، انتشرت بشكل كبير مهنة الخادمة، أو "الفرّاشة"، أوساط الأُسر التي كانت ضمن الطبقة المتوسطة والمستورة الحال في البلد، نتيجة للحرب التي مرّت عليها 8 سنوات، وأدت إلى تدهور أوضاع الناس، وتجفيف مصادر الدخل، لكن من المفارقات العجيبة أن معظم الشغالات في البيوت يعملن في منازل تتبع قيادات مليشيا الحوثي، التي كانت فقيرة قبل الحرب، كما هو الحال مع الشابة "إكرام"، التي لم يتجاوز عُمرها 20 عاما.
لا تعمل "إكرام" بشكل يومي كالأخريات، وإنما تذهب يوما واحدا في الأسبوع إلى عمارة تمتلكها إحدى الأسر الحوثية، وتقوم بأعمال النظافة المنزلية المتراكمة، بالإضافة إلى تنظيف وغسل درج العمارة بالكامل.
مبلغ متواضع لا يزيد عن ألفي ريال أسبوعيا كل ما تتقاضاه، وتعود به لوالدتها، وذلك لمساعدتها في توفير احتياجات المنزل، علاوة على مبلغ صغير تقدّمه زوجة مالك العمارة كمكرمة في بعض الأحيان، وبقايا طعام أو ملابس قديمة.
لم تكن "صفية" وقريناتها إلا نماذج بسيطة لقصص مأساوية لكثير من النساء والأُسر، تحكي تبدّل الأوضاع وقسوة الحياة، التي جعلتها تصل إلى خيارات مُرة لم تكن بالحسبان، للتشبث بالحياة والقبول بعمل النساء كخادمات، لمواجهة واقعا لم يرحم كبرياء عائلات لا تبحث إلا على الكفاف.



