تقارير

صعود وهبوط "الانتقالي الجنوبي".. قصة المشروع الذي انكسر عند أسوار الشرق

28/04/2026, 06:53:10
المصدر : بلقيس نت - خاص

بين "إعلان عدن التاريخي" في مايو 2017، وبيان "الحل" من الرياض في يناير 2026، تسع سنوات اختصرت واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث. لم يكن المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد فصيل سياسي، بل كان "دولة داخل الدولة"، ومشروعاً عسكرياً مدعوماً إقليمياً، انتهى به المطاف إلى التفكك لينهي حقبة "الصوت الواحد" في الجنوب.

- ​أولاً: الولادة من رحم الإقالة

​بدأت الحكاية في 27 أبريل 2017، حين أصدر الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي قراراً بإقالة اللواء عيدروس الزبيدي من منصب محافظ عدن. لم تكن الإقالة مجرد إجراء إداري، بل كانت الشرارة التي أشعلت "إعلان عدن التاريخي" في 4 مايو، والذي فوض الزبيدي بتشكيل قيادة سياسية لتمثيل الجنوب. وفي 11 مايو 2017، وُلد "المجلس الانتقالي الجنوبي" كرافعة سياسية تهدف لاستعادة دولة ما قبل عام 1990، مستفيداً من الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفته الحرب ضد الحوثيين.

- ​ثانياً: الإمارات.. "المهندس" و"الرافعة"

​لا يمكن قراءة قصة الانتقالي بمعزل عن الدور الإماراتي؛ فقد كانت أبوظبي هي "المهندس" الذي صمم الأذرع العسكرية للمجلس. عبر سنوات، مولت وأشرفت الإمارات على تشكيل "قوات الحزام الأمني" في عدن ولحج، و"النخب" في شبوة وحضرموت، و"ألوية الصاعقة".
هذا الدعم لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان سياسياً عبر تسويق قيادات المجلس دولياً، واستراتيجياً عبر تثبيت سيطرته على الموانئ والساحل، مما جعل الانتقالي يتحول سريعاً من كيان سياسي ناشئ إلى "سلطة أمر واقع" تمتلك مخالب عسكرية قوية.

- ​ثالثاً: فرض السيطرة والصدام مع الشرعية

​شهدت الفترة بين 2018 و2019 ذروة تمدد المجلس؛ ففي أغسطس 2019، خاض الانتقالي مواجهات دامية انتهت بالسيطرة الكاملة على عدن، في خطوة وصفتها الحكومة حينها بـ"الانقلاب". أدى تدخّل الطيران الإماراتي في "نقطة العلم" إلى منع القوات الحكومية من استعادة العاصمة المؤقتة، مما أجبر الجميع على الذهاب إلى "اتفاق الرياض" في نوفمبر 2019. كان الاتفاق محاولة لدمج المجلس في السلطة، لكنه ظل "شريكاً مضطرباً" يدير المؤسسات والإيرادات بعيداً عن مركزية الدولة.

- ​رابعاً: تجربة الحكم.. أزمة الخدمات وفجوة الخطاب

​رغم نجاح الانتقالي في تثبيت الأمن "الخشن" وبناء تشكيلات عسكرية "غير حكومية" ، إلا أن تجربته في الإدارة المدنية واجهت إخفاقات كبرى. تدهورت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه في عدن، وتصاعدت حدة الأزمات الاقتصادية، مما خلق فجوة بين خطاب "التحرير والاستقلال" وواقع المعيشة الصعب. كما بدأت تظهر بوادر الانقسامات الداخلية والصراعات المناطقية داخل أروقة المجلس، خاصة مع تركز القرار في "مثلث النفوذ" (الضالع - يافع - ردفان).

- ​خامساً: التوسع نحو الشرق.. بداية النهاية

​جاءت نقطة التحول الكبرى في عام 2024 ومطلع 2025. بدأ الانتقالي محاولات جادة لتوسيع نفوذه نحو المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة)، وهي مناطق تعتبرها المملكة العربية السعودية "خطوطاً حمراء" لأمنها القومي.
أدى هذا التصعيد، الذي بلغ ذروته في ديسمبر 2025، إلى اصطدام مباشر مع المصالح السعودية وصعود قوى بديلة مدعومة من الرياض مثل "قوات درع الوطن" وسياسيا " حلف قبائل حضرموت ومجلس حضرموت الوطني" . ومع تغير الأولويات الإقليمية والضغوط الدولية لتوحيد مؤسسات الدولة، وجد الانتقالي نفسه معزولاً سياسياً.

- ​سادساً: يناير 2026.. لحظة التلاشي الدراماتيكية

​في أسبوع واحد، انهار كل شيء. شهد مطلع يناير 2026 أحداثاً متسارعة:
​7 يناير: استعادة الحكومة الشرعية للسيطرة على عدن واختفاء عيدروس الزبيدي، الذي غادر لاحقاً إلى أبوظبي عبر "أرض الصومال".
​8 يناير: اتهام مجلس القيادة الرئاسي للزبيدي بـ"الخيانة العظمى" وإسقاط عضويته.
​9 يناير: الظهور المفاجئ للأمين العام عبد الرحمن الصبيحي من الرياض ومعه مجموعة من قيادات المجلس الإنتقالي ونواب عيدروس الزبيدي في المجلس أحمد بن بريك وعبدالرحمن المحرمي، ليعلن في بيان متلفز حل المجلس الانتقالي بكافة هيئاته ومكاتبه .

- ​سابعاً: المشهد بعد "الانتقالي".. من يملأ الفراغ؟

​اليوم، يعيش الجنوب مرحلة "ما بعد الانتقالي". بدأت لجان عسكرية رسمية بحصر ودمج قوات الحزام الأمني والنخب ضمن قوام وزارتي الدفاع والداخلية. وفي المقابل، برزت كيانات محلية قوية مثل "مجلس حضرموت الوطني" لتملأ الفراغ شرقاً وجنوباً عادت مجالس الحراك الجنوبية ككيانات رافعة للقضية الجنوبية، بينما ترعى السعودية "مؤتمر حوار جنوبي شامل" يهدف لإنتاج رؤية تشاركية تتجاوز حقبة انفراد فصيل واحد بالتمثيل.

- هل انتهى المشروع؟

تثبت تجربة المجلس الانتقالي أن الكيانات التي تقتات على الدعم الخارجي والزخم العسكري وحده تظل هشة أمام تحولات المصالح الكبرى. لم تنتهِ "القضية الجنوبية" بحل المجلس، لكنها دخلت مرحلة جديدة من التعددية السياسية. فبينما انتهى المجلس كـ"أداة مرحلة"، يظل السؤال قائماً: هل ستنجح الدولة في احتكار السلاح وفرض الاستقرار، أم أن الجنوب موعود بدورة صراع جديدة تحت مسميات أخرى؟
​القرار اليوم يبدو أنه غادر الميدان في عدن، ليستقر في غرف الحوار السياسي في الرياض، بانتظار ما ستسفر عنه توازنات القوى الجديدة في اليمن "الاتحادي" أو "المجزأ".

تقارير

إدانات دولية ومحلية لاغتيال التربوي الشاعر ومطالبات بكشف ملابسات الجريمة

أثارت جريمة اغتيال التربوي والقيادي في حزب لإصلاح، الدكتور عبد الرحمن الشاعر، في العاصمة المؤقتة عدن، موجة إدانات واسعة على المستويين الدولي والمحلي، ترافقت مع مطالبات متزايدة بفتح تحقيق عاجل وشفاف، وضمان محاسبة المسؤولين عن العملية.

تقارير

سقطرى.. لماذا تُعتبر هذه الجزيرة اليمنية من أكثر الأماكن غرابة على وجه الأرض؟

يُشار إلى أرخبيل سقطرى، الواقع في المحيط الهندي، على أنه أكثر مكان غريب على وجه الأرض بسبب ملامحه العجيبة والمنعزلة والعالمية الطابع. فقد انفصل أرخبيل سقطرى عن البرّ الأفريقي منذ 18 مليون سنة، وتحوّل بفعل عزلته إلى مختبر تطوري فريد.

تقارير

إذا بنت إسرائيل بحرية أرض الصومال.. ماذا يمكن أن يتغير؟

لم تكن مياه البحر الأحمر وخليج عدن يومًا هادئة بالكامل. فعلى مدى عقود، حملت هذه الممرات البحرية ليس السفن والتجارة فحسب، بل كذلك التوتر والمنافسة والصراع الاستراتيجي. واليوم، مع تصاعد انعدام الأمن المرتبط بجماعات مثل الحوثيين في اليمن، تقف المنطقة مرة أخرى عند نقطة تحول. وفي هذا المشهد المتغير، يبرز سيناريو افتراضي بات يُناقش بشكل متزايد: ماذا لو دعمت إسرائيل تطوير البحرية في أرض الصومال؟

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.