تقارير
ضحايا بلا أسماء.. مشاهد من خيانة البرك المائية؟!!

لم يكن الأربعاء قبل الماضي يوما عاديا على منطقة 'دياش' في مديرية 'القبيطة' شمال محافظة لحج، التي عاشت الفاجعة.
ففي وقت كانت الأسر تنتظر عودة الفتيات الثلات كالعادة بالماء، كما تفعل نساء القرية التي تعتمد على البئر نفسها في الحصول على مياه الشرب، لكن القدر كان قد حمل للجميع فاجعة وصدمة كبيرة.
هرع الجميع إلى البئر، وكانت الفتيات قد فارقن الحياة وأجسادهن تطفوا على السطح.
يوم حزينا كما وصفه عدد من الأهالي، وليل موحش عمَّ فيه الصراخ والعويل، ولن يكون من السهل نسيان تفاصيل قصة فتيات دفعن حياتهن ثمنا للحصول على شربة ماء.
نبيل الشرعبي، الذي كان من أوائل الصحفيين الذين تابعوا قصة الفتيات الثلاث، يصوّر لنا حجم المأساة بكلمات حزينة، حيث يقول: "لقد كان وقع الخبر مؤلماً للغاية في الأربعاء الحزين الموافق 17 نوفمبر، الذي لم يكن كأي يوم بما حمله من مأساة حقيقية، جراء غرق النساء الثلاث".
يتابع: "لا أحد يمكنه تصوّر حالة العويل الذي يصم الآذان، والهلع لأسر الضحايا، والأقارب، وجميع الأهالي".
ويضيف: "أمهات وأطفال، وكبار السن، كانوا في انتظار الماء، فلم تعد من ذهبن لإحضاره، ويجيء إليهم خبر الغرق".
يقول نبيل "كيف يمكن تخيّل الفتيات وهن يتقافزن مذعورات لينقذن بعضهن، فيغرقن جميعاً".
يقول أسامة القباطي "لاتزال القرية تعيش حالة من الحزن الذي لن تمحيه الأيام في قصة غرق النساء الثلاث، الكل سوف يتذكرون هذه المأساة، وسوف يعمّر الحزن طويلا القرية المفجوعة من هول الصدمة".
- ملائكة الماء
يعيد غرق الفتيات الثلاث، في الأربعاء الحزين، إلى الذهن الكثير من المشاهد المتداخلة.. في قصة النساء مع جلب المياه من البرك والآبار في الكثير من مناطق اليمن..
تعود بنا الذاكرة إلى الكثير من الروايات، وكذلك الحقائق التي مرّت لنساء غرقن في الآبار والبرك في أكثر من مكان، والمأساة هي ذاتها.
ففي يوليو الماضي، عاشت قرية االرماء' في مديرية القبيطة بمحافظة لحج فاجعة مماثلة تمثلت في وفاة نساء غرقا. إحداهن كانت تسبح في مياه السد وغرقت، وتلقى الثلاث الأخريات حتوفهن بالمصير نفسه حين كُن يحاولن إنقاذها، تلك القصة حملت الكثير من الحزن.
في 29 أغسطس الماضي، غرقت أربع فتيات في لحج أثناء جلبهن الماء دون أن ترد الكثير من التفاصيل الأخرى، لكن السبب هو ذاته.
- نُزهة لم تكتمل
يبدو الأمر ملفتاً، ففي أجمل الأوقات وأكثرها متعة، وفي القبيطة أيضا سقطت أربع نساء في حاجز مائي بشكل مفاجئ، سقطن من حافة الحاجز، حيث كن برفقة الأسرة التي خرجت للنزهة. لم تنجح محاولة إنقاذهن، وكان من بينهن طفلتان من الأسرة ذاتها، من قِبل الأهالي الذين هرعوا إلى المكان، تم إنقاذ امرأة واحدة من الأربع.
- القصة الأكثر شهرة
ما يحدث في مديرية 'القبيطة' يعيد إلى الأذهان قصة العروسين الشهيرة الّذين لقيا حتفهما في سد 'كمران'، الواقع في 'بيت بوس' بمحافظة صنعاء عام 2013. هذه المرة كان اللافت هو تصويرهما عن طريق هاتفهما للمشهد وهما يلهوان في مياه السد.
-فاجعة الضالع
في محافظة الضالع أيضاً، فجعت منطقة 'جحاف'، في سبتمبر من العام 2020م، بنبأ وفاة أربع فتيات في حاجز سد 'سلمان' المائي بأسفل قرية 'الموقبة'.
-دافع خفي
هل هناك دافع خفي يربط النساء بالماء، فقد قضت غرقا فتاة في السادس عشرة من عُمرها في أغسطس الماضي عقب سقوطها في مياه 'جسر وادي بنا'، الواقع بين 'ردفان' و'يافع' في محافظة لحج، بعد أن تعثرت، وانزلقت إلى المياه الجارية حيث جرفتها بقوة، وفشلت معها محاولة أسرتها لإنقاذ حياتها.
وفي 8 اغسطس أيضاً، توفيت أمرأتان مع 3 من أطفالهن غرقاً أثناء رحلة عِيدية في منطقة 'وادي بنا' بمحافظة إب، ويومها أوردت الأخبار أن أسرتين من آل العزاني والطشي من منطقة 'المصلى' في 'رداع' بمحافظة البيضاء كانتا في نزهة عيدية في منطقة 'وادي بنا'، عندما باغتهم سيل جارف.
- عروس تشاهد الوفاة
في 29 أبريل من العام 2018م، قُدر لعروس أن تشاهد زوجها وثلاثة من عائلته يغرقون في سد مائي في محافظة البيضاء. توفي العريس خالد عبدالرحمن الكشميمي أمام عيني عروسته إلى جانب شقيقه وشقيقته وزوجة شقيقه في سد مائي بمديرية 'الصومعة' بالمحافظة.
أما الأهالي فقد فشلوا في إنقاذ الضحايا، وتم إخراج الجثث بعد ساعات من الغرق.
- ضحايا بلا أسماء
غالباً ما تكون الفتيات هُن الضحايا، والسبب أن المرأة في اليمن هي المسؤولة عن جلب الماء إلى المنزل، ولا فرق في أن كانت البئر قريبة أو بعيدة، فهي مطالبة بقطع المسافة.
كما أن النساء في اليمن يُمنعن من تنمية مهارة السباحة، ويُنظر إلى هذه المهارة باستخفاف يصل إلى حد المنع، ولا تشجّع الأسر بناتها على تعلّمها على العكس من الصبية الذين يشجَّعون على تعلمها.
من خلال تتبع ما تم نشره حول غرق الفتيات، تم إغفال أسماء الضحايا تماما، وكن مجرد أرقام تتناقلها المواقع، وتتداولها الصحف والألسنة.
تموت النساء ويشيّعن من دون أسماء، وهي مصيبة إضافية ترافق موت المرأة، التي تتردد عن الإعلان عن اسمها عند ما يساْلها الآخرون، فيما يتردد أقاربها عن ذكر اسمها أيضا، وقد غادرت الحياة التى تنتهي وسط بركة ماء شكّـلها المطر.



