تقارير
طلاب جامعيون يتركون الدراسة بحثا عن لقمة عيش!!

قناة بلقيس - هشام سرحان
امتدت ظاهرة التسرّب من التعليم إلى الجامعات، التي غادرها -خلال السنوات الأخيرة- عشرات الطلاب، الذين تركوا مقاعد الدراسة في بعض الكليات والأقسام، وتوجّهوا نحو البحث وراء لقمة العيش، والعمل من أجل تأمينها، وانتشال أسرهم من واقعها المرير، وذلك على حساب التضحية بتطلّعاتهم ومستقبلهم.
وتزايدت أعداد الجامعيين الذين لم يكملوا تعليمهم الجامعي، وتخلّوا عن أحلامهم، وذهبوا نحو الشارع، وزاولوا أعمالا مختلفة، بينها أشغال شاقة. كما انخرط بعضهم في القتال بالجبهات، وغادر آخرون بلادهم، واغتربوا في السعودية، وذلك بعد أن أخفقوا في مواجهة الفقر، وقسوة الحياة، وصعوبة الظروف، وتردّي الأوضاع المادية والمعيشية، وارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، وغياب الدعم، وعجز أسرهم عن توفير مستلزماتهم الدراسية، وتغطية نفقات تعليمهم.
أحمد مهدي (22 عاماً)، شاب لطالما تطلّع لأن يكون محامياً، لكنّه تعثر في منتصف الطريق، ولم يتمكّن من مواصلة الدراسة في كلية الحقوق بجامعة تعز، التي غادرها مرغماً بداية المستوى الدراسي الثاني، الذي يأتي بعد تفوّقه في المستوى الأول، وإحراز علامات مرتفعة، أثبت بها جدارته وحبّه وشغفه بالتعليم.
خطى مهدي، الذي ينحدر من أسرة فقيرة، خطوته الدراسية الأولى في العام 2019، وذلك بعد أن تكبّد معانات لا حدَّ لها، وبذل جهودا تفوق طاقته وقدرته على الاحتمال، في حين أخفق في اجتياز الثانية، في ظل وُعورة الدرب، وشدّة الفاقة، وقلّة الحيلة، وغياب الدعم المادي، ومصادر الدخل، وكثرة العراقيل وثقل المسؤولية، وعجز والده عن إعالة والدته وأشقائه وشقيقاته، وتحمّل نفقات تعليمه الجامعي.
أُوصدت في وجهه جميع الأبواب، وأحدقت به هموم كثيرة، بينها توفير مصاريفه الجامعية، والإنفاق على أسرته، وإطعامها، وتحسين وضعها المعيشي، ففكر بوسيلة تمكّنه من ذلك، وقرر البحث عن عمل بدوام جُزئي حتى يتسنّى له مواصلة الدراسة، لكنّ الحظ لم يحالفه في بلد أنهكته الحرب، وأوقفت عجلة التنمية والاستثمارات والمشاريع فيه، وخلّفت انهيارا اقتصاديا حادا، وندرةً في الأعمال والوظائف.
* هواجس
يقول مهدي لموقع "بلقيس": "بحثت عن عمل مناسب كي أتمكّن من مواصلة الدراسة، لكنني أخفقت، فاشتغلت عاملا بالأجر اليومي مع أحد البنَّائين، وهو عمل استنفد معظم جهدي ووقتي، ومنعني من حضور المحاضرات".
يذهب مهدي إلى عمله باكراً ويعود في المساء إلى منزله متعباً، فيغلبه النعاس، مثنياً إياه عن تصفح كُتبه، التي هجرها مع قاعات الدراسة منذ العام الماضي، وحلّ محلها البؤس، والشقاء، والندم، والحسرة، وآمال العودة لإكمال دراسته، وتحقيق حلمه، الذي اغتاله الفقر كما اغتال أحلام الكثيرين من الشباب، ودفعهم نحو البحث عن لقمة العيش، التي أضحت صعبة المنال في ظل الأوضاع الراهنة، التي خلّفت "أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم".
لم يكن مهدي المتسرّب الوحيد من الجامعة، ثمة آخرون فعلوا ذلك بسبب تردّي أوضاعهم المادية والمعيشية وعجزهم عن تحمّل تكاليف التعليم، وانشغالهم طوال الوقت بأعمال متفاوتة، وتحمّلهم مسؤولية إعالة أسرهم، وتأثرهم بالتداعيات الكارثية للحرب، التي ضاعفت من معدلات الفقر والبطالة، وأفقدت الكثيرين وظائفهم وأعمالهم ورواتبهم ومصادر دخلهم، وفاقمت معاناتهم، وأثقلتهم بالعوز والحرمان وشدة الحاجة، ودفعتهم نحو البحث عن قوتهم الضروري، والتخلي عن طموحاتهم، وحقّهم في التعليم -حسب مهتمين.
وجد أحمد سعيد (23 عاماً) - طالب في المستوى الدراسي الثالث بقسم "الصيدلة"- نفسه هذا العام مجبراً على مغادرة جامعته الخاصة، التي لم يعد قادراً على تحمّل نفقاتها، وذلك بعد أن أثقلت كاهل أسرته، واستنفدت مدخرات والدته، وراتب والده الحكومي، الذي يشكل مصدر دخل وحيدا ومتواضعا وغير كافٍ لإعالة أسرة كبيرة، وتوفير أبسط متطلباتها، وتغطية مصاريف تعليمها.
* ندم وأسى
يشفق سعيد على حال والده وأسرته، التي تفاقمت معاناتها، وزاد عجزها عن توفير الغذاء والماء والدواء والمسكن، الأمر الذي جعله يترك الدراسة، ويقوم ببعض التحضيرات اللازمة لمغادرة البلاد، والسفر إلى السعودية للعمل، وتقديم الدعم لأسرته، وتحسين وضعها، والتخفيف من معاناتها.
تشتد حسرته، ويرتسم الحزن على وجهه، وهو يتحدث لموقع "بلقيس" عن قراره هذا، وأسباب قِيامه بهذه الخطوة، التي أُجبر عليها، ولم يجد لها بديلاً.
يذكر لموقع "بلقيس": "أنا نادم وبشدة على هذه الخطوة، التي أرغمتني الظروف الصعبة على الإقدام عليها، والمجازفة بكل شيء، والتضحية بمستقبلي وطموحي وحقّي في التعليم".
رغم مرور الوقت على مغادرة البعض جامعاتهم، إلا أنهم لم يستطيعوا الخلاص من إحساسهم بالحزن والأسى، الذي يستيقظ في نفوسهم كلما استعادوا ذكريات تلك اللحظات، والمواقف، والأحداث التي عاشوها في تلك الأروقة، التي يشدّهم الحنين إليها لمواصلة دراستهم الجامعية، التي توقفوا عنها لأسباب كانوا يرونها سابقاً منطقية، فيما يعدّونها اليوم استسلاما، وطيشا، وضعف شخصية، وقلّة إرادة.



