تقارير
عزوف عن التعليم الجامعي في صنعاء.. ما الأسباب؟

"لا فائدة من التعليم الجامعي، ولن أستطيع تحمّل نفقاته في ظل الوضع الراهن"، بهذا يبرر نجيب علي على عدم التحاق نجله أحمد بالتعليم الجامعي، ويرى أن تخرّجه من الثانوية العامة يكفي ليبحث عن مستقبله وحياته.
لم يتعمّد علي حرمان نجله من الدراسة الجامعية، لكن قراره جاء نتيجة الظروف القاسية التي يعاني منها مثل كثير من الآباء التي صارت الجامعة لديهم هما كبيرا يُقلق راحتهم.
يؤكد علي، في حديثه لـ"بلقيس"، أن نجله مُتفهّم للظروف التي تعيشها الأسرة، ووصلت إلى قناعة بعدم جدوى الالتحاق بالجامعة، ويفضّل السفر من البلاد بحثا عن عمل، وتأسيس حياته.
- انعكاسات الحرب
الحال ذاته يمر به حمدي عمر، الذي لم يستطع أن يجعل ابنه وابنته اللذين تخرجا العام الماضي من الثانوية العامة يلتحقان بالدراسة الجامعية، وقرر أن يؤجّل تسجيلهما إلى العام القادم لعلّ الظروف المعيشية تتحسّن.
يقول عمر لـ"بلقيس": "الدراسة الجامعية ليست كالدراسة في المدارس يمكن تدبّرها، لأنها تحتاج إلى تكاليف مواصلات، وشراء ملازم، وكُتب، وأن يبدو أمام زملائهم بمظهر لائق".
ليس علي وعمر وحدهما من عجزا عن مواصلة التعليم الجامعي لأبنائهما، فمؤشرات نسبة التنسيق بالجامعات اليمنية، ومنها جامعة صنعاء، التي تعد الجامعة الأولى، يظهر تراجعا مخيفا في أعداد المتقدّمين للدراسة، نتيجة الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، وما ترتّب عليها من أوضاع معيشية متردّية للأسر.
وعلى الرغم من أن الجامعة خفضت نسبة المعدلات إلى مستويات دنيا، ومددت فترة القبول مرات عديدة إلا أن نسبة الإقبال لم تشهد تحسنا ملحوظا في كل الكليات.
-معالجات لم تؤتِ ثمارها
كلية الطب البشري، التي لم يكن متوقعا تدنّي أعداد المتقدّمين فيها، حيث تشهد كل عام إقبالا واسعا يتراوح ما بين 7 آلاف إلى 10 آلاف طالب وطالبة، وتشتد فيها المنافسة لحجز المقاعد، تراجعت الأعداد فيها، خلال هذا العام، إلى 3250 طالبا وطالبة فقط، على الرغم من أن معدل القبول في الأعوام السابقة تجاوز 90% فيما هبط هذا العام إلى 83%.
تخفيض معدل القبول لم يقتصر على كلية الطب وحدها، فجميع الكليات قلّصت المعدل ليصل في الكثير منها إلى 60%، كما يظهر دليل القبول والتنسيق في جامعة صنعاء، لكن كل تلك الإجراءات لم تفِ بالغرض، واضطرت أغلب الكليات إلى إلغاء اختبارات القبول ككلية التجارة والاقتصاد، التي لم تصل إلى طاقتها الاستيعابية على الرغم من تمديد فترة التمديد أكثر من مرّة.
مصدر مسؤول في رئاسة الجامعة -فضّل عدم ذكر اسمه- عبَّر في ل"بلقيس" عن دهشته من التراجع الكبير هذا العام في أعداد المتقدّمين للدراسة، على الرغم من التسهيلات التي قدّمتها الجامعة.
وأكد المصدر أن عدد المتقدّمين في النظام العام يعتبر كبيرا، إذا ما قورن بعدد المتقدّمين لنظامي التعليم الموازي، والنفقة الخاصة (النظام الذي استحدثته الجامعة في السنوات الأخيرة وتعتبر الدراسة فيه كالتعليم الأهلي برسوم كبيرة).
معدلات التعليم بالنظامَي العام والموازي انخفضت هي الأخرى لتصل إلى 50% في بعض الكليات لاستقطاب عدد أكبر من خريجي الثانوية، ومنافسة الجامعات الخاصة، إلا أن مستوى القبول ما يزال متدنيا، بحسب المصدر.
ويرجع المصدر أسباب عزوف الشباب عن التعليم الجامعي إلى استمرار الحرب، التي اندلعت نهاية العام 2014، وانقطاع مرتّبات أولياء الأمور، وما ترتّب عن الحرب من انعدام لفرص العمل، والواقع الاقتصادي المتأزّم.
-مستقبل مجهول
التعليم الجامعي في الكليات الخاصة يعاني الوضع ذاته وأشدّ، فكلية العلوم التطبيقية، التي شهدت في الأعوام الدراسية السابقة، إقبالا واسعا، انحصر عدد المتقدّمين -خلال العام الجاري- ما بين 5 إلى 7 طلاب في كل قسم، بحسب إدارة الكلية.
وتؤكد أنه إذا استمر مستوى التدنّي في أعداد الملتحقين من الشباب بالتعليم الجامعي فستضطر العديد من الكليات الخاصة إلى الإغلاق، لأنها لن تستطيع الإيفاء بالتزاماتها بدفع المرتّبات والإيجارات.
الأوضاع الاقتصادية والحرب حرمت الكثير من الشباب من مواصلة التعليم الجامعي، وأجبرتهم على البحث عن أعمال بسيطة للمساعدة في إعالة أسرهم، وجعلت نسبة الشباب غير المؤهّلين ترتفع كل عام، ويتحوّلون إلى عمالة غير مدرّبة.



