تقارير
غلاء الأدوية .. معضلة المرضى وتساهل السلطات في تعز

في مدينة تعز المحاصرة والأكثر تردياً صحياً وتفشياً للأمراض والأوبئة والحميات الفيروسية، تظل مشكلة غلاء الأدوية هماً شاغلاً ومصدراً للإنهاك المادي والمعيشي، والمعانات والمضاعفات الصحية بالنسبة للمرضى، المثقلين بالفقر وتداعيات الحرب، والتدهور الاقتصادي.
يتشبث المرضى في هذه المدينة كعادتهم بالحياة،،إذ يسعون وراء التعافي من أمراضهم، ويواصلون البحث دون هوادة عن الأدوية اللازمة، رغم افتقارهم للمال، وارتفاع الأسعار، وندرة الأصناف الدوائية ذات المواصفات الجيّدة، وتفشّي العلاجات المهرّبة والمقلّدة، تقول مصادر متطابقة لموقع "بلقيس".
سجّلت أسعار الأدوية، في المدينة الواقعة جنوب غرب البلاد، تزايداً مهولاً بالتزامن، مع انهيار قيمة العملة المحلية أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر من العام الماضي، الذي وإن أعقبه تحسن ملحوظ في سعر الريال الوطني إلا أن أسعار الأدوية لم تتراجع، حسب مواطنين وناشطين.
خلال الأسابيع الماضية، تذبذبت أسعار صرف الريال المحلي مقابل نظيراته من العملات الأجنبية، التي -إن تعافى أمامها- تظل أسعار الأدوية كما هي عليه، أو تتجه نحو الزيادة، وهو ما يرجعه مهتمون إلى غياب السلطات الصحية والمحلية والمكاتب الحكومية ذات الصلة.
يشكو المواطنون من ارتفاع أسعار الأدوية المتواصل، ويقولون -في أحاديث متفرّقة لموقع بلقيس- إن ذلك ضاعف من معاناة مرضاهم، وحد من قدرتهم على شراء العلاج، وعرّض حياتهم للخطر والمضاعفات الصحية، وخصوصاً بالنسبة لذوي الأمراض المزمنة.
المواطن الخمسيني علي أحمد يتردد على الصيدليات المنتشرة في شارع التحرير الأسفل، وسط مدينة تعز، لشراء الأدوية اللازمة لشقيقته، التي تعاني من الترسّب المستمر لحصوات الكلى، وهو ما يتطلّب تعاطي عدد من الأصناف الدوائية بشكل مستمر.
-غلاء
تصل قيمة الأدوية، التي تتعاطاها شقيقته شهرياً، إلى 40 ألف ريال، وهو مبلغ يصعب تأمينه في ظل الأوضاع الراهنة، وما رافقها من انقطاع الرواتب، وفقدان الوظائف، وندرة الأعمال، وغياب مصادر الدخل.
يقول أحمد لموقع "بلقيس": "قبيل قرابة العام، كنت أشتري نفس الأدوية بنصف السعر الحالي".
ويوضح: "كنت أشتري إحدى علب الدواء الهندية، التي تتعاطاها شقيقتي باستمرار، ب1500 ريال، فيما صرت أشتريها اليوم بأكثر من 4 آلاف ريال".
لم يعد يأبه -خلال سنوات الحرب- بنوعية الأصناف الدوائية، التي يشتريها، إذ يبتاع أدوية بعضها مقلّدة، وذلك خلافاً لسنوات ما قبل الحرب، التي كان يحرص فيها على شراء الأدوية الأصلية وذات المواصفات الجيّدة والجودة العالية، والمصنوعة في بلدان معروفة كألمانيا.
وتندر الأدوية الأصلية في الصيدليات والأسواق، فيما تتفشّى العلاجات المزيّفة والمهرّبة ورديئة المواصفات، التي تباع بأسعار مرتفعة، طبقاً لمصادر متطابقة.
ويتردد الباحثون عن الأدوية من المرضى ومرافقيهم في المستشفيات على العديد من الصيدليات، للمقارنة بين الأسعار، واختيار الأقل قيمة، في مشهد يبدو فيه سوق الأدوية أشبه بمزاد مفتوح وعشوائي، وطوع مزاج التجار وأصحاب الصيدليات.
يذكر الدكتور الصيدلاني بكيل اليماني أن أسعار الأدوية ارتفعت بنسبة 100%، لأسباب عدة، أبرزها: انهيار قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية الأخرى.
-ضبط الأسعار
ويضيف: "أكثر المتضررين من غلاء الأدوية هم ذوو الأمراض المزمنة، كالحالات النفسية والصرع ومرضى القلب والسكر، والأدوية التخصصية".
ويلفت إلى أن الأمر لا يقتصر على غلاء الأسعار، بل تجاوزه إلى انعدام العديد من الأصناف الدوائية، بما فيها دواء 'كونفلكت'، الذي كان يباع في السابق ب3800 ريال، فيما غاب اليوم عن السوق، ووصل سعر الباكت الواحد إلى 7800 ريال.
أثّر ارتفاع أسعار الأدوية بشكل كبير على المرضى، حيث فاقم من عجزهم عن شراء حاجتهم من العلاجات، وذلك في الوقت الذي يخوضون كفاحاً مريراً من أجل توفير لقمة العيش، وغيرها من المتطلبات الضرورية فقط.
تقع مسؤولية تحديد أسعار الأدوية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية على عاتق المركز الرئيسي للهيئة العامة للأدوية والمستلزمات الطبية في العاصمة المؤقتة (عدن)، التي تقوم عبر إدارة الاستيراد والتسعيرة بوضع سعر للدواء، وتعتمد في ذلك على سعر بلد المنشأ والبلدان المجاورة لنا، وقيمة الأصناف المشابهة له.
تقول مصادر رسمية لموقع "بلقيس": "إن هيئة الأدوية تقوم بتسجيل الصنف الذي يدخل البلاد، وتحتسب سعر البلد المصنع، وتضيف إليه تكلفة شحن الدواء للموانئ اليمنية، إلى جانب نسبة 35% هي حصة الوكيل، و20% أو 25 % حصة التجزئة، وهذا موجود في القانون، وثابت".
تستبعد المصادر قدرة الهيئة على تطبيق القانون، ووضع تسعيرة موحّدة للأدوية في ظل الوضع الحالي، وترجع ذلك إلى عدم استفرار قيمة العملة المحلية، مقابل نظيرتها من العملات، واضطراب أسعارها بين ساعة وأخرى.
-إشكاليات
وتذكر نائبة رئيس فرع الهيئة العامة للأدوية والمستلزمات الطبية في تعز، الدكتورة سهام ملهي، لموقع "بلقيس":
"نريد أن نثبّت سعر الأدوية ولو لستة أشهر، ولكن يصعب علينا ذلك، جراء اضطراب سعر الصرف، وعدم ثبات قيمة الريال المحلي عند مستوى معيّن، فضلاً عن استمرار الحصار، وبُعد الطريق، وارتفاع تكاليف النقل".
وتضيف: "بالنسبة للأدوية المصنّعة محلياً، لدينا تقريباً 6 مصانع، بينهم 5 في صنعاء، وواحد في حضرموت، وهنا ظهرت مشكلة فارق الصرف، بين طبعتي العملة المحلية القديمة والجديدة، وهذه
إشكاليات تمنعنا أيضاً من وضع تسعيرة محددة للدواء".
يصعب على فرع هيئة الأدوية في تعز وضع تسعيرة محددة للأدوية، كون ذلك من اختصاص المركز الرئيسي للهيئة، التي لم تستطع ضبط ذلك، الأمر الذي يصعّب من مهام الفرع، التي من بينها القيام بدوره الرقابي، الذي يعتمد فيه على البلاغات فقط.
تقتصر رقابته على تجار الجملة، وشركات الأدوية فقط، في حين تخرج الصيدليات عن نطاق مسؤوليته، وتتبع مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة، الأمر الذي يشي بوجود تضارب في السلطات بين فرع الهيئة ومكتب الصحة.
إلى ذلك، كشفت مصادر مطّلعة أن المركز الرئيسي للهيئة قام بالضغط على المراكز الرئيسية لوكالات وشركات الأدوية، وطالبهم بوضع تسعيرة محددة، ليمشوا عليها، وهو ما يتم الاعتماد عليه في الرقابة على الأسواق، في مختلف المناطق المحررة.



