تقارير
فاطمة.. يمنية قهرت المُستحيل في زمن الحرب!!

تجلس الخمسينية "فاطمة" عند حافة الرصيف المرتفع والمحاذي لـ"مطبّ" مصنوع من الإسمنت، ينتصف أحد الشوارع السريعة في العاصمة صنعاء، بصورة عرضية.
قبل استفادة فاطمة من وجود ذاك "المطب" كان الهدف الرئيسي من وضعه، وما يزال، تنبيه سائقي السيارات للتخفيف من السرعة العالية للحد من حوادث السير المتكررة هناك.
تقول فاطمة لموقع 'بلقيس': "هذا المطب موجود من قبل ما أجي أبيع ماء وفاين هنا، اخترت الجلوس عنده لطلبة الله، لأن كل السائقين الذين يمشوا في هذا الخط ضروري يهدئوا السرعة، وبعضهم يحتاجوا ماء أو فاين، وأبيع لهم". مثّل لها ذاك المطبّ مصدراً للرزق، استطاعت من خلاله مواجهة قسوة ظروفها المعيشية.
بدأت في مهمّة لكأنّها تقهر المستحيل، بعد أن تلاشت في الغياب كافة مصادر الدخل المعيشي لفاطمة وعائلتها مذ انتشرت الجائحة الحوثية في البلاد، وقوّضت كل مظاهر الحياة بانقلابها المسلّح قبل 7 أعوام.
تضيف فاطمة لموقع بلقيس: "نحن أسرة فقيرة، ومصدر دخلنا كان بسيط، كل يوم في يومه، لما جاءوا الحوثيين ما عاد قامت لنا قائمة، وصّلوا لنا الجوع لبيوتنا، رجعت خرجت هنا أبيع ماء وفاين، وأصرف على بناتي، لأن أبوهن تاعب".
ولكوْن أفراد عائلة فاطمة معظمهم من الإناث، وزوجها مُتعب، إضافةً إلى أن لديها ولدين لم يكملا تعليمهما ويقوما بأعمال حُرة حال توفّرت لهم الفرصة، علماً أن فرصة حصولهما على عمل تكاد تكون منعدمة، مع استمرار تدهور الحالة الاقتصادية في البلاد، وسُوء الأوضاع المعيشية لغالبية السكان في صنعاء المحتلة.
إصرار وتحدِ على البقاء
حرصت فاطمة على مجابهة الجوع، وعدم الاستسلام لأثره السيِّئ منذ وقت مبكِّر، بحثاً عن مصدر دخل معيشي يحميها وعائلتها من قبضة الذّل وزحمة الهوان، فوضعت برنامجا زمنيا لممارسة عملها، التزمت به مذ بدأت رحلة قهر المستحيل.
تقول فاطمة لموقع 'بلقيس': "من يوم بدأت أبيع هنا، ما تجي الساعة التاسعة صباحاً إلا وقد وصلت، وأجلس إلى قبل المغرب، ومعي بنتي تنفعني بالغداء، هو بيتي قريب".
تقضي فاطمة جلَّ ساعات نهاراتها، على امتداد سنوات، تحت أشعة شمس النهار الحارقة، وسط عوامل الجو المتقلِّبة المحمّلة عادة بموجات الغبار والأتربة، ممسكة بيديها قوارير الماء وأكياس "الفاين"، وعرضها للبيع على كل المارَّة هناك.
تبدو وسيلة الرِّزق هذه مضنية لسيِّدة تجاوزت العقد الخامس من عُمرها، لكنّها تستبق مهمتها بإصرار المتعفف على البقاء في زمن تسيّدت أيامه مليشيا الحوثي الانقلابية بأساليب كهنوتية، مارست خلالها حالات من الذّل والافقار والتجويع بحق اليمنيين في كافة مناطق نفوذها.
تؤكد، ما معي أي مصدر ثانِ للرزق والمعيشة أنا وبناتي وأسرتي، ضروري أجلس هنا أبيع، ونستتر لما يحلّها الله علينا كلنا من عنده، ما معانا إلا نصبر ونتحمّل من شأن نعيش، قد أهانوا الناس وأذلّوهم، ما عاد باقي؟".
الأمر الذي جعل حرصها على العمل بارز الأثر في مسألة تماسك الأسرة، واستقرارها معيشياً واجتماعياً، برغم انتشار ظاهرة التفكك الأسري، وتشرّد الأبناء، بل وضياعهم، بسبب زيادة سُوء الحالة المعيشية المستمرة، والمضاعفة لدى غالبية السكان في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، المستمرة في إدارة معركتها الحربية ضد اليمنيين وقوتهم الضروري في مختلف مناطق الصراعات المسلّحة مذ أكثر من 7 أعوام مرت من عمر الحرب بلا توقف يُذكر. الأربعيني "هاني الزريقي"، يعمل ناشطاً اجتماعياً، يقول لموقع 'بلقيس': "كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التفكك الأسري، بسبب الظروف المعيشية السيّئة للمواطنين، نتيجة استمرار الحرب وانعدام فرص الدّخل".
فائدة بسيطة وضرورية
حين أوصدت الحياة أبوابها بوجه فاطمة، قررت الخروج من المنزل والبحث عن مصدر لدخلهم المعيشي، فاستقر بها الحال بائعة متجوّلة لـ"الماء والفاين"، لتستمر في مزاولة البيع حتى اللحظة من المكان ذاته، الذي ابتدأت من خلاله رحلة شقائها في الحياة، رغم قلة الفائدة المادية التي تكسبها من مبيعاتها اليومية.
تضيف، ما أكسب فلوس كثير من البيع هنا، أحصّل حق المصروف اليومي لي أنا والأسرة، أيش أفعل؟ أحمد الله وبس".
لا تملك فاطمة أي خيارات أخرى كمصدر للرزق، غير الذي تزاوله حالياً، كضرورة للحصول على عائد مادي يمكّنها من الإنفاق على الأسرة.
تبلغ فائدتها اليومية من البيع نحو 3000 ريال، ما يعادل 5 دولارات سعر الصرف في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين، لكنه يعتبر مبلغاً ضرورياً وأساسياً في حياة فاطمة وأسرتها، نظراً لسُوء الوضع المعيشي، وانعدام فرص الدّخل.
السائق الأربعيني "بندر" يقول في تصريح خاص': "لولا الحرب ما خرجت هذه المرأة من بيتها تبيع ماء وفاين بين الشمس والغبار في الشارع، أنا أشتري منها من شأن أساعدها وأشجِّعها، الحرب بهذلت الناس وجوَّعتهم".



