تقارير
في اليوم العالمي للديمقراطية.. اليمن الديمقراطي إلى أين؟
في اليوم العالمي للديمقراطية، تعيش اليمن ردة سياسية وديمقراطية جراء انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة في سبتمبر 2014.
وفي الوقت الذي كانت اليمن فيه على بُعد خطوة حقيقية من الديمقراطية وصياغة دستور جديد للبلاد، تقاطعت رغبة المليشيا مع الرغبة الدولية والإقليمية للقضاء على ميلاد اليمن الجديد كفصل من فصول الثورات المضادة في المنطقة العربية.
رغم تحرير جزء كبير من البلاد بعد الانقلاب، إلا أن النخبة السياسية فشلت في تقديم نموذج يحتذى به في العاصمة السياسية المؤقتة للبلاد عدن، والمناطق المحررة الأخرى، لتستثمرها السعودية والإمارات في مشاريع الاستبداد والتخلف في خضم حربهما ضد كل ما يتعلق بالديمقراطية ومقتضيات الدولة الحديثة.
-جذور تاريخية قديمة
في هذا السياق، يقول وكيل وزارة الثقافة اليمنية، زايد جابر: "ونحن نتحدث عن الثورات العربية والثورات المضادة، فإن ما حدث في اليمن هو أكبر من ذلك بكثير، حيث جاءت مليشيا الحوثي وأطاحت بالثورة والثورة المضادة معا".
وأوضح أن "المسألة لها جذور قديمة، حيث كانت هناك بدايات واضحة لمن يتابع المشهد، لكن كان هناك تجاهل من النخبة السياسية ومن الدولة".
وقال: "نتذكر مسألة الولاية والديمقراطية، حيث ترشح زعيم المليشيا السابق، حسين الحوثي، سنة 1992م باسم حزب الحق، وحصل على مقعدين نتيجة تنافس خصومه، ثم فقدهما سنة 1997م، وكان حينها يقول بأن هذه الديمقراطية لن تصلهم أكثر من مقعدين إلى 3 مقاعد من إجمالي 301 مقعد، وليس لهم سوى العودة للولاية".
وأضاف: "حسين الحوثي كان يراهن أن هذا الشعب متدين، وأن أي صوت يأتي باسم الدين سينفذ منه، لكن حينما طرح هذا في ملازمه سنة 2002م، وهي موجودة وتوزع، لم يكن أحد يلتفت، بل إن هذا الصوت وصل في 2014م إلى أن سيطرت مليشياته على صعدة وانتقل إلى محافظات أخرى، كانت النخبة السياسية المغيبة لازالت تراهن على هذه المليشيات، بأنها ستقبل بالمسار الديمقراطي، وستنخرط في الحوار الوطني".
وأشار إلى أن الحوثي شخص يرى نفسه أنه معيّن من السماء، ووجد ناسا يتبعونه على أساس هذه الولاية، وكان يقول إن البديل عن الولاية هم اليهود وإسرائيل والعملاء، أي كل ما سواه".
ويرى أن "ربما هناك حركات تنشأ نتيجة اضطهاد معيّن أو ظلم معين، لكن هذه المليشيات ترى أن الظلم في إخراجها من الولاية ومن الحق الإلهي".
واعتبر "الخصومات الداخلية هي التي أعمت الناس عن هذا المصير الذي كان واضحا بأنه يسير في هذا الاتجاه، وأن المليشيات لم تصل إلى تلك القوة التي يمكننا القول بأنها استطاعت تطيح بالجمهورية، وجيشها، وما حدث هو تسليم البلد لهذا الفكر، والتخلي أيضا لم يكن عن الديمقراطية التي جاءت لاحقا، بل عن الجمهورية".
وقال إن "الديمقراطية هي طموح كل الأحرار، بل هي أرقى ما وصلت إليه البشرية في قضية الحكم، وللأسف ما يدور من فشل قد ينعكس في أذهان الناس، بل وبعض النخب بدأت تروّج بأن هذا ما نتاج ما أوصلتنا إليه الديمقراطية، وهذا أخطأ فادح"
وأضاف: "البعض بدأ يطالب بإلغاء الأحزاب، ويقال بأن الحزبية فرّقت الناس، مع أن الحزبية هي خلاف في وجهات نظر، وإلغاؤها يعني أن تحل محلها المناطقية، والجهوية والعرقية، والسلالية، التي ستنسف النسيج المجتمعي".
وتابع: "نرى بعض الناس يقولون إن دول الخليج مستقرة وفيها أنظمة غير ديمقراطية، لكنهم غير مدركين الفروقات بين اليمن وهذه الدول، فمثلا السعودية كان للأسرة الحاكمة دور في توحيد الدولة وجمع الناس، فأصبحت محل رضا الجميع بغض النظر عن نوعية نظام الحكم، لكن نحن في اليمن الحكم الإمامي المتخلف كان أداة تمزيق اليمن، وليس هناك أسرة أن توجد أسرة يجتمع الناس حولها".
وأشار إلى أنه "لا يمكن الحديث الآن عن الديمقراطية في ظل غياب الدولة وسيطرة مليشيا مسلحة عليها، لا يعني بأننا سنقول مستقبلا إننا سنطالب بإلغاء الديمقراطية لأنها السبب، أو الحديث في هذا الجدل البيزنطي، وتحميلها المسؤولية".
- تفريط الأحزاب بالديمقراطية
وعن دور الأحزاب، قال جابر: "حينما بدأت ثورة فبراير كانوا المطّلعين على التجربة من الخارج، والمتفائلون يقولون من حسن حظ اليمنيين أن هناك أحزابا سياسية ناضجة وجاهزة لقطف ثمرة الثورة الشعبية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية، لكن الأحزاب التي كانت نقطة القوة والتي راهن الناس عليها هي أيضا كانت نقطة الضعف، فهذه الأحزاب قفزت إلى الثورة بخلفية غير ثورية".
وأوضح أنه "بسبب دخول هذه الأحزاب والعودة إلى التقاسم، ضاعت البلاد"، مضيفا: "كنا نشاهد العاصمة صنعاء وهي تسقط بيد مليشيا الحوثي، فيما البرلمان الذي يمثل جميع الأحزاب لم يعقد جلسة طارئة، ولم يستدعِ وزير الدفاع أو الحكومة لمعرفة ماذا حدث، وطوال هذه الفترة ذهبوا لتوقيع اتفاقية السلم والشراكة، ثم ذهبوا بعد ذلك إلى الرياض، ومع ذلك ماتزال المماحكات بينهم، والتي صلت إلى التهاني بالمناسبات".
ويرى أن "هناك تفريطا واضحا بالنسبة لمهام الأحزاب، والمهام المطلوبة منها اليوم أكبر من المهام التقليدية والطبيعية في ظل دولة، كوننا اليوم في مرحلة نضال وطني، وواجب عليها الحفاظ على الجمهورية والوحدة والديمقراطية".
وتابع: "يحب على الشعب الدفاع عن الديمقراطية، وخصوصا النخب اليمنية، التي تتحمّل مسؤولية السقوط ومسؤولية تجميع الناس حولها للدفاع عن الدولة والجمهورية والوحدة".
- غياب دور الشباب
من جهته، يقول الكاتب الحارث الثور: "في مسألة الفشل لا يجب أن نحمّل جميع اليمنيين، فهناك شريحة كبيرة من اليمن كان لديهم الحلم والسعي لبناء دولة حديثة، لكن الديمقراطية لا توجد إلا في ظل وجود دولة".
وأوضح أن "الديمقراطية لديها مقوّمات، منها الاقتصادية والتعليمية والأمنية، وأيضا النّخب الثقافية والسياسية الموجودة"، مشيرا إلى أن "من الجميل جدا أن من بعد 2011م بدأت نخب جديدة تنادي بالديمقراطية".
ويرى أن "أصوات الشباب الأكثر طموحا وحبا للحياة والتغيير، وكذلك المنخرطين في جميع الأحزاب والأطراف، حتى المنخرطين في الطرف الذي وقف ضد الجمهورية، ضاعت بسبب القوة والسطوة الموجودة، والفصائل المسلحة، ولم يعد لديهم سوى مواقع التواصل الاجتماعي والإعلامي".
وقال إن "معظم الشباب المسيس منخرطون في الأحزاب، ولكل حزب أجندة لقواعده وأعضائه، والشباب خارج الأحزاب المسيسون والناشطون والفاعلون هم قليلون جدا".
وأضاف "علينا أن نتساءل هل ما تزال هناك دولة وحكومة مسؤولة عن الدفاع عن طموح اليمنيين، بالحد الأدنى، والحفاظ على الدولة، ومن ثم الديمقراطية؟".



