تقارير
"في زمن العصابات".. تتعطل شرعية الاحتجاج وتنتعش حالة القمع

فيما تستمر مليشيا الحوثي بفرض وجودها كسلطة أمر واقع، توسعت في تصعيد ممارساتها القمعية بحق السكان المدنيين، بكل المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، وأحكمت قبضتها الأمنية المشددة على مختلف الأصعدة.
بالمقابل شهدت أعمال الغطرسة والتنكيل حالة من الانتعاش اللافت ضد جميع من يدعون إلى إقامة مظاهر الاحتجاج المدني، التي تعطلت أنشطتها بصورة شاملة، كجزء أساسي من سلوك تقويض وسائل التعبير المتعارف عليها بين الدولة والشعب، مستخدمةً أدوات قمع عديدة، كأسلوب ماس وطارئ لردع المناوئين لأدائها الهمجي الأخرق، والمعارضين لسياساتها العبثية الفاشلة في إدارتها لأجهزة الدولة ومصالح المواطنين في مناطق نفوذها، الذين يعيشون ظروفاً معيشية بالغة السوء.
- عصابة مُتسلطة
لا خِبرة في الحُكم تمتلكها جماعة قائمة على أساس عرقي وسلالي، وقودها الأحقاد والانتقامات كثقافة متجذرة في أدبياتها، تتغذى على النزاعات الدائمة والاضطرابات لإطالة زمنها، كعصابة متسلطة تفرض ذاتها بالبطش والقوة الغاشمة، على رقاب الناس الخاضعين بطرق الذل والإهانة.
يقول الباحث في مجال علم الاجتماع، "ربيع سلطان"، لموقع "بلقيس": "عندما تسقط الدولة بيد عصابات يتغير الواقع جذرياً في البلاد نحو الأسوأ، وتختفي جميع المظاهر المدنية، في صالح ارتفاع حالة القمع والتنكيل بالمواطنين، كي تفرض هذه العصابة المسيطرة سلطاتها الغاشمة، ما يجري حالياً في اليمن هو تجسيد لمعاني الغطرسة بشكل واسع، من خلال الممارسات التي تؤسس مرحلة الخوف، وتجنب عملية الصدام بين الناس وأجهزة المليشيات".
وضمن إطار إحكام مليشيا الحوثي قبضتها المشددة، تتزايد ردود الفعل الشعبية الغاضبة شفهياً، على نحو خالٍ من الانفجار والمواجهة؛ نظراً لتعطيل كافة أدوات التعبير بالطرق السلمية، حيث لا مظاهر احتجاج مدني، ولا أجهزة دولة تحترم كل خيارات التنديد بالظلم، من أجل الانتصار لقيم العدالة، وتحقيق مسار المساواة.
عدد من الأهالي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي أكدوا -في حديثٍ لموقع "بلقيس"، بالقول: "نحن هنا عبارة عن رهائن بأيدي هذه العصابة الإجرامية، حقوقنا مغتصبة ولسنا قادرين على تنظيم فعاليات احتجاجية للمطالبة بها، إنهم يحكمونا بالغطرسة، ويريدون منا التصفيق لهم والثناء عليهم، لقد غيبوا كل مظاهر العمل المدني، منذ أن أسقطوا الدولة قبل سنوات، نتعرض للتنكيل منهم على كافة مناحي الحياة".
وتسعى المليشيا، من خلال استخدامها وسائل القمع، إلى تغيير كثير من السياقات المعتادة، وفرض واقع مختلف تسوده التبعية المطلقة للأداء المنبوذ مجتمعياً.
- خارج القانون
مع انهيار كافة الأجهزة الرسمية وغياب المظاهر العامة، عقب الانقلاب الحوثي المسلح أواخر 2014، تتحكم جماعة الحوثي بكافة التفاصيل في مناطق سيطرتها سلباً ونهباً وقمعاً وتنكيلاً.
يقول الناشط الحقوقي "أنور الكناني" لموقع "بلقيس": "منذ فرض الانقلابيون الحوثيون سيطرتهم على صنعاء وبعض المدن، خسر اليمنيون الدولة ومؤسساتها، وانتشرت حملات الاعتقالات للمدنيين بلا سبب، واستخدمت التنكيل والقمع ضدهم، صودرت الحقوق العامة والخاصة ونهبت، وتم تعطيل جميع وسائل التعبير، الاحتجاج المدني توقف من حينها لليوم، الجماعة لا تؤمن الا بقوة السلاح، لا تعترف بشرعية العمل المدني، ولا أياً من وسائله".
لا ترغب المليشيا الانقلابية بأي صوتٍ عالِ ضدها، في كل المناطق الواقعة ضمن نفوذها، وأصبحت فيها الانتهاكات وحملات التضييق حالة سائدة طالت كافة شرائح المجتمع، خارج سياق القوانين والأعراف الرسمية في البلاد.
واعتقلت أجهزة القمع الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، القاضي عبد الوهاب قطران من منزله وسط العاصمة صنعاء، على خلفية كتاباته المناوئة لمشروعها الانقلابي.
يروي نجله "محمد" الواقعة، في تسجيل مصوّر، قائلاً: "وقت الظهر، اقتحمت عناصر حوثية منزلنا، كانوا خيرات، ومدججين بأنواع الأسلحة، عبثوا بمحتوياته، وصادروا علينا كسائب شخصية، استمروا لساعات يحققوا مع الوالد داخل البيت، ثم اعتقلوه، وأخذوه الى السجن، روّعوا النساء وانتهكوا حُرمة المنزل".
- غياب مظاهر الدولة
شكّل انقلاب المليشيا حالة انهيار شاملة لمنظومة الدولة، حيث تلاشت مظاهر النظام الرسمية، وبرزت سلوكيات الجماعة الأشد غطرسة، واستحواذاً في تاريخ البلاد.
يقول عدد من المراقبين لموقع "بلقيس": "هذه الجماعة من حين تأسست تعتمد على القتال والحروب، تقمع وتنكل بكل من يعارضها، فجرت بيوتهم، وهجرت أهلهم، واعتقلت المطالبين بحقوقهم، أخفت وقتلت كثيرا من المواطنين".
بتعطيلها لكل الأنشطة المدنية، وإلغاء شرعية الاحتجاجات، يتصدر القمع والاعتقال والإخفاء لأصحاب الحقوق، كمنهج سلطوي غاشم لدى الجماعة.



