تقارير
في صنعاء .. فقراء يبحثون عن ملابس وأدوات بين أكوام القمامة

في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وقفت الأربعينية "وفاء" في ركن إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء، لتفتش في كومة من الملابس المستخدمة والتالفة عن فُستان لصغيرتها تستر به جسدها العاري، حيث يفترش باعة الملابس والأدوات المنزلية المستخدمة بُقعة من أرض السوق، يعرضون فيها أشياءهم المستخدمة والأشبه بالتالفة، التي جمعوها من براميل القمامة المنتشرة في أحياء وأزقة العاصمة، ثم أعادوا تنظيفها بغرض بيعها على الناس المعدَمين الذين صاروا ضحايا للحرب وظروفها القاسية.
تقول وفاء لبلقيس: "بنتي مابش معها فستان، وما أقدر أشتري لها جديد، ابصر الذي فوقها كيف هو ممزق، قلت أدور لها من هنا، أنا داريه أنه مش سواء، لكن ما أفعل". ويرتاد مواطنون كُثر تلك البسطات التي يجلب أصحابها بضاعتهم إليها من براميل القمامة، ليشتروا ما يحتاجونه من ملابس، وبعض الأغراض المنزلية، ليستخدموها بعد أن كانت نفايات، لتكون الحالة تعبيرية عن الوضع المعيشي المزري الذي وصل إليه غالبية السكان في صنعاء الواقعة تحت احتلال وسيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، نتيجة سياسات الإفقار التي تتبعها بحق السكان، كأسلوب للإذلال، مما يسهل لها عملية السيطرة.
أحد البساطين يُدعى "أحمد"، يبلغ من العمر 43 عاماً، يقول لبلقيس: "أجمع هؤلاء الأغراض، وبعض الأدوات المنزلية، وملابس من براميل القمامة، وأنظّفها في البيت، وأجي أبيعهن هنا، والناس يشتروهن منّي، لأنه قد ظروفهم صعبة ما عاد يقدروا يشتروا جديد، يلاه يمشوا أمورهم وبس".
أشياء تالفة
تتنوّع الأدوات والأغراض التي تُعرض على تلك المفارش، إذْ تعتبر معظمها في حكم الأدوات التالفة، ولم تعد صالحة للاستخدام على أي حال، إلا أن الفقراء والمعدَمين من سكان صنعاء يفتشون عمّا يحتاجونه منها، حتى يقضوا بها بعض الوقت، لعجزهم اللا محدود من شراء الأشياء الجديدة. وتحتوي تلك البسطات على كوكتيل من الأدوات المنزلية وأكوام من الملابس البالية، إضافة إلى بعض القِطع الكهربائية والأحذية، وتشكيلة واسعة من أدوات "الخردة". ومن أبرز عيوبها أن كل قطعة لا تتكرر، ولا توجد إلا بمفردها فقط، وكذلك المقاسات، أي أن البدائل والخيارات للبحث عن قِطع أو أدوات مناسبة -بحسب الاحتياج لها- غير متاحة إطلاقاً، إضافة إلى أن مصدرها براميل القمامة.
الباحث الاقتصادي "أ.و"، يبلغ من العمر 39 عاماً، يقول لبلقيس: "الحرب أوصلت كثيرا من المواطنين إلى براميل القمامة، بحثاً عن أكلهم، ولبسهم، وصولاً إلى شراء أغراضهم وأدواتهم المنزلية مما يتم جمعه من بين المخلّفات". لم يألفْ السكان تلك المناظر السلبية لآخرين يفتشون عن احتياجاتهم الضرورية في براميل القمامة، مجبرين تحت وطأة الظروف المعيشية السيّئة التي حلّت بهم، بسبب طول فترة الصراع في البلاد التي تمتد إلى أكثر من 7 أعوام.
المواطن الخمسيني "عبدالله مريط"، يقول لبلقيس: "ما قدرت أشتري حذاء جديد لرجلي، جيت أدور من هنا، قد أنت تبصر على عِيشة احنا فيها، لا قد عرفنا هذه الأوضاع، الحرب خلت الناس يسيروا طريق براميل القمامة".
يجد السكان غصة مرارة من شدّة المأساة التي وصلوا إليها، في زمنٍ مليشياوي مُر، عنوانه "التخلي والحرمان والإفقار".
زمن براميل القمامة
خلّفت الحرب وضعاً معيشياً واقتصادياً مأساوياً على عموم اليمنيين، أحالت معظمهم إلى التجول بين الفقر والجوع والبطالة، خصوصاً في مناطق نفوذ مليشيات الحوثي الانقلابية، بما في ذلك سكان العاصمة المحتلة صنعاء، الذين يتصدرون قائمة الفقر في البلاد، نظراً لاضطرار بعض منهم إلى اللجوء إلى براميل القمامة بحثاً عن كسرة خبز، لسد رمق جوعهم، أو ملبس لهم أو لأطفالهم من وسط أكوام المخلّفات التي كانت تعافها نفوسهم سابقاً، ليعتمدوها لاحقاً مصدراً لبقائهم على قيد الحياة، في زمن تاهت فيه الصراعات، وزادت خلاله أعداد الجائعين والفقراء.
"محمد عمر" يبلغ من العمر 40 عاماً، واحد من الناس الذين لجأوا إلى البحث عن أدوات وملابس تالفة من براميل القمامة، كي يبيعها للآخرين من فقراء المدينة، ويعتمدها مصدراً لدخله المعيشي، يقول لبلقيس: "ضاقت عليَّ الحياة، لا عمل، ولا دخل معي، رجعت أفتش لي في كل ليلة عن أغراض وملابس وقطع وأدوات في براميل القمامة، وأخرج أبيعها هنا، وأصرف على أسرتي ونعيش".
خانت السلطات عمر، وقست عليه الظروف المعيشية، لكن براميل القمامة لم تخنْه، بل ساندته للبقاء والاستمرار في الحياة، مضيفاً لبلقيس: "أحصل في اليوم الواحد 5.500 ريال"، ما يعادل 9 دولارات في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية.



