تقارير
في صنعاء .. مقصورة باص مكان للسكن

تعيش أسرة الثلاثيني "يوسف" حياة التشرّد في ظل عدم حصولها على مسكن آمن، ما دفعها إلى اتخاذ مقصورة باص متوسّطة الحجم مكاناً للعيش والسكن، حيث تتكون من رب الأسرة وزوجته وطفليهما (هاشم "11 عاماً"، وريتاج "3 أعوام").
أجبرت الأوضاع الصعبة يوسف وأسرته على السكن داخل مقصورة الباص المركونة في أحد شوارع صنعاء، لتبدو حياتهم أكثر عُرضة لخطر موجات الطقس البارد، والإزعاج الشديد.
سعت الأسرة لتغطية سطح مقصورة الباص وبعض من جوانبه بـ"طربال أزرق"، ظناً منها أنها ستحميها من الصقيع، وكذلك ساتراً لها من عيون المارّة هناك.
يقول يوسف لموقع "بلقيس": "لست قادراً على استئجار بيت لأسرتي، ولا حتى دكان، لأن الظروف ما تسمح، لنا أكثر من شهرين ساكنين داخل هذا الباص".
تواجه الأسرة ظروف التشرّد والحالة المعيشية بصبر وعزّة نفس، مفترشة الرصيف المقابل لمقصورة سكنها، وبيع بعض قطع الحلوى والشوكولاتة.
وأضاف: "نجلس هنا نبيع بسكويت وحلويات، والفلوس التي أوفّرها آخذ بها مصروفنا اليومي".
لا يمدون أيديهم لأحد، رغم سُوء ظروفهم المعيشية وعيشهم القاسي.
بساطة الأحلام
خلف مأساة أسرة يوسف ومعاناتها الأليمة في العيش والمسكن تبرز أحلام بسيطة يأملان في تحقيقها خلال الأيام القادمة، خصوصاً لطفليهما اللذين حُرما من جو الاستقرار المعيشي، إضافة إلى حرمانهما من الحصول على حقهما في التعليم.
تقول زوجة يوسف لموقع "بلقيس": "أريد أن ينام أطفالي بهدوء، ولو داخل دكان صغير، بدل ما يناموا داخل هذا الباص بين البرد والأصوات المزعجة".
تُسبب كثرة الإزعاج، وخاصة أصوات الكلاب في الليل، مزيداً من الاضطرابات المتكررة للطفلين أثناء نومهما، وتوقظهما مرات عديدة، مسببةً لهما الهلع والخوف مع كل مساء.
وفقاً لوالدة الطفلين، يبدو السعي خلف توفير مسكن مستقر طموحا متفقا عليه من قِبل الزوجين، حتى يستعيدا ترتيب ظروف طفليهما وأوضاعهما المعيشية التي تشهد شتاتاً في العيش، وتشرداً في المسكن، مذ قرابة شهرين.
يضيف يوسف أيضا: "نريد نستقر حتى لو نسكن في دكان، بدل المهانة داخل الباص، سأحاول أفتح لي بقالة صغيرة وأطلب الله فيها، وأُعلّم أطفالي وأتركهم يعيشون في أمان".
وفي أجواء كهذه، حُرم نجله هاشم من الالتحاق بالعملية التعليمية، نظراً للحالة المأساوية التي تعيشها الأسرة، في ظل جو من عدم الاستقرار المعيشي، بينما طفلتهم ريتاج لم تصل بعد إلى سن السابعة، العمر المطلوب للالتحاق بالتعليم في اليمن.
تعقيدات
لم تخترْ الأسرة حياة الشتات بمحض إرادتها، لكنّها أُجبرت عليها، نتيجة الأوضاع السائدة في البلاد منذ أن بدأت الحرب، التي خلّفت كماً هائلاً من تعقيدات الحياة المعيشية بصور مختلفة على الكثير من السكان، وأحالت حياتهم إلى مأساة حقيقية.
كما أن حالة العجز منعت صاحب الأسرة من توفير المسكن الملائم لأطفاله وزوجته، ناهيك عن أمور كثيرة فشل في الحصول عليها.
تبدو إصابته بـ"انزلاق غضروفي"، في إحدى الفقرات، سبباً في عدم قدرته على البحث عن مصدر دخل معيشي يؤمّن حياة العائلة، ومن ثم العمل على منح أسرته قسطاً وافراً من الاستقرار، لكن هذا لم يحدث نظراً للتعقيد الحاصل في كل تفاصيل حياته، حتى أمام إصابته التي لم يستطع مداواتها.
يسترسل بقوله: "أنا مصاب بانزلاق في العمود الفقري، هذا يمنعني من البحث عن مصدر رزق آخر، لأني ما أقدر أشتغل ولا أتعالج، لو توفقت وفتحت بقالة صغيرة بيكون مناسباً لي، ووضعي يتحسّن".
أزمة مساكن
خلقت ظروف الحرب أزمة كبيرة في المساكن، إذ ارتفعت أسعار إيجارات الشقق السكنية والبيوت في صنعاء بصورة مفزعة، وجعلت حياة الكثير من السكان عُرضة للتشرّد والعيش في جوٍ من الشتات، خصوصاً في ظل عدم الاستقرار المعيشي والأوضاع الاقتصادية الصعبة، إضافة إلى التخلّي المطلق لجميع السلطات عن دورها في معالجة أزمة المساكن، وتخفيف العبء الثقيل عن كاهل المواطن الذي توقفت جميع مصادر دخله المعيشي، واختفت الفرص البديلة، وغياب الاستقرار.
يختم حديثه: "من أين لي 60 ألف أستأجر غرفتين نسكن فيها أنا وأسرتي، الإيجارات ارتفعت في صنعاء من أول الحرب وعادها تزيد، ومعيشتنا تدهورت وأوصلونا إلى الجوع".
وهنا غابت كافة الحلول والمعالجات لهذه المعضلة الحقيقية في حياة أسرة يوسف، التي افتقدت المسكن الآمن والعيش البسيط، ممّا اضطرها إلى أن تلوذ بمقصورة باص، وسط عدد من المخاطر على حياة الطفلين.



