تقارير
في ظل استلاب القرار الوطني وغياب المؤسسات.. ماذا تبقى من الدولة اليمنية؟
ينتهي العام 2023م، واليمن يشهد واقعا سياسيا معقّدا، فمجلس القيادة الرئاسي تحوّل إلى أداة بيد التحالف، الذي يسيطر على القرارات السياسية، فضلا عن كونه مجلسا منقسما حول نفسه، وجزء منه تحوّل إلى تيار مناوئ لدولة اليمنيين ووحدتهم.
المملكة العربية السعودية -قائدة التحالف العربي، والطرف الأبرز في الحرب- تحوّلت إلى وسيط فيها، وتدير تفاهمات السلام مع مليشيا الحوثي، وسط انقسامات وتحالفات سياسية فاقمت الصراع، وتركت تأثيرات وخيمة على الوضع السياسي والاقتصادي في البلد، عوضا عن تفشي الفساد والإخفاق في تقديم الخدمات الأساسية.
- تحولات مؤجّلة
يقول المحلل السياسي، د. ناصر الطويل: "هناك ثلاثة ملامح أساسية للوضع السياسي في اليمن، خلال العام المنصرم، فالملمح الأول أن المشهد بشكل عام في حالة من المراوحة والانتظار والهدوء طوال العام، فلم تحدث تطورات إستراتيجية في ميزان الصراع، وظل المشهد مرتبطا بالتحولات التي حدثت في العام 2022م".
وأضاف: "كان البعض ينتظر أن تكون هناك تحولات جديدة، خلال العام 2023م، لكن كلها -على ما يبدو- أجلت إلى العام 2024م، وربما إلى ما بعد".
وتابع: "الملمح الثاني، على الأقل من الناحية النظرية والعلنية، هناك تحوّل واضح في ميزان القوة لصالح مليشيا الحوثي على حساب الحكومة الشرعية، وذلك بفعل أمرٍ ما، منع الحكومة من تصدير النفط والغاز، الأمر الذي أثّر على وضعها المالي والاقتصادي:.
وأردف: "الهدنة، التي نُفذت بعملية توافقية غير مُعلنة، في أكتوبر 2022م، وضعت مليشيا الحوثي في مواجهة مع المطالب الشعبية، وكانت حالة التذمّر في تصاعد مستمر، والشارع في حالة من الاحتقان، وهناك تخوّف من قبل المليشيا من مواجهة الشارع، خصوصا وأن هناك كانت مبادرات وتكتلات، كنادي المعلمين".
وزاد: "وإن كانت السلطة الشرعية ومليشيا الحوثي يواجهون مخاطر اقتصادية واحتجاجات شعبية، وسخطا عاما، نتيجة تردي الخدمات العامة، لكن التطورات الإقليمية، غالبا تصب لصالح المليشيا، وهي محظوظة إلى حد كبير".
وقال: "الملمح الثالث ظهر في الربع الأخير من العام 2023م، وهو أن اليمن أصبحت أكثر ارتباطا وتأثرا بتطورات الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة، وهناك حالة من الارتهان لهذه التطورات".
وأضاف: "الحالة اليمنية حالة منفتحة على أي تطور يحدث في المنطقة، وغالبا ما يكون لنا نصيب سلبي من أي تطورات على المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي".
وتابع: "اليمن هي المنطقة الأكثر رخاوة في الإقليم، في ظل قيادة رخوة ومتفككة، وفي حالة من التماهي بين الأطراف اليمنية، وبين القوى الإقليمية، وأيضا حالة ما نسميه الملكية لدى اليمنيين، غالبا لديهم حماس زائد، ويقحمون أنفسهم في تطورات إقليمية ودولية، وغالبا ما ندفع ثمن حالة الشطط على المستوى التاريخي، نتيجة لحالة نزغ بعض القوى اليمنية، والمبالغة في قواتها، واستعراض عضلاتها، التي تجذب التأثيرات السلبية في معظمها على اليمن".
وأردف: "هذه الأحداث، خلال العام 2023م، المحرك الأساسي لها هما عاملان أساسيان، فالعامل الأول هو ارتباط السلطة الشرعية إلى مستوى حالة من التبعية والارتهان، لدولتي التحالف (السعودية والإمارات)، فيما العامل الثاني هو توجه السعودية نحو السلام والخروج من الحرب، وهو العامل الرئيسي الذي أثر على المشهد اليمني طوال عام 2023م".
- الانتماء للتنوّع
يقول الصحفي نشوان العثماني: "الوضع السياسي في اليمن، خلال العام 2023م، ليس فيه تغيير كبير، فهناك تشظي لا زال قائما، على مختلف المستويات".
وأضاف: "هناك شيء طرأ فقط، وهو مسألة التقليل من الصدامات البينية، والهجمات الإرهابية، وفقدان الأرواح، وتوقف آلة الحرب في المعظم، لكن في المقابل -للأسف- هناك مليشيا الحوثي لا تزال غير ملتزمة بالتهدئة، ولا تزال تشن هجوما على العديد من الجبهات".
وتابع: "مليشيا الحوثي كانت تواجه ضغوطا كبيرة من الشارع في المحافظات التي تسيطر عليها، قبل أن تهرب مؤخرا إلى التصعيد في البحر الأحمر، إثر ما تتعرض له غزة".
وأردف: "الوضع الاقتصادي والإنساني يزداد ترديا مع استمرار توقف الصادرات النفطية، الذي يزداد سوءا مع هذه التطورات المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على غزة، ودخول مليشيا الحوثي فيها من خلال الهجمات، التي تشكل مخاطر عديدة وقوية على الممرات الدولية".
وزاد: "مليشيا الحوثي هربت من مقتضيات القضية اليمنية والداخل، وما يريده المواطنون في المحافظات، التي تسيطر عليها، إلى جبهة جديدة".
وقال: "نحن -كيمنيين- انتماؤنا للتنوّع، الذي يشكّله المجلس الرئاسي، وليس للأحادية المظلمة التي تعززها مليشيا الحوثي، والتي لن تستمر".
وأضاف: "هناك حالات فساد متراكمة، وتضخم مصالح لدرجة أن تكون هناك قوة داخل الحكومة الشرعية ومؤسساتها باتت تخشى السلام، والعودة إلى الداخل".
وتابع: "بداية الطريق الصحيح لمكافحة الفساد يفترض أن تكون بالعمل من الداخل، من خلال توطين الوظائف، ويمننة الرواتب، وإلغاء الإعاشات الترفية لكل من هبّ ودبّ".
وأردف: "نحن على اطلاع أن هذه النفقات تقلصت كثيرا منذ أن جاء المجلس الرئاسي، لكن ما زالت هناك قوى ابتزاز ومصالح، تستنزف الخزينة العامة للدولة، مستغلة في ذلك ضعف الدولة، وانقسام المكونات".
وزاد: "نحن نؤمّل على المجلس الرئاسي ومكوّناته، لكن بالفعل نتمنَّى أن يكون أكثر انضباطاً، ويعود ويعمل من الداخل ليكون أقرب إلى المواطنين، وخصوصا أن الجانب الاقتصادي بات يثقل كاهل الشعب، مع توقف الصادرات النفطية، وانهيار العملة المحلية".



