تقارير
في ظل سياسة مليشيا الحوثي الطاردة للتعليم.. كليات مهددة بالإغلاق
منذ بدء الحرب، التي أشعلتها مليشيا الحوثي، يتناقص عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات في مناطق سيطرتها، لأسباب عدَّة، بينها تدهور التعليم، وهجرة الأكاديميين، وتحوّل المؤسسات التعليمية إلى منصات لنشر الطائفية ومعسكرات للتجنيد، إلى جانب انتشار البطالة.
وسجَّلت السنوات الثلاث الأخيرة أرقاما صادمة في بعض الكليات؛ لدرجة أن بعض الأقسام مرّت دون تسجيل أي طالب، خصوصا كليتي التربية والآداب.
- هدف إستراتيجي
تقول الدكتورة الأكاديمية، أروى الخطابي: "الشهيد الزبيري قالها، قبل نحو 70 عاما، في بيته الشهير التي قال فيه: جهلٌ وأمراضٌ وظلمٌ فادحٌ .. ومخافةٌ ومجاعةٌ وإمامٌ، فهذان القرينان لا ينفصلان أبدا، وهذه المليشيا لا يمكن أن يأتي معها إلا الجهل".
وأوضحت: "مليشيا الحوثي بدأت، منذ اللحظة الأولى، بتدمير التعليم، وهذا ليس بجديد، فالإمام يحيى عندما وصل إلى الحكم، في عام 1918م، كان أول عمل له إغلاق المدارس الرشدية، التي كان الأتراك قد فتحوها، وبدأ بفتح المعلامات، لكي يعلم الأطفال الجهل والتخلّف، ومليشيا الحوثي عملت نفس الشيء، وهي سياسة ممنهجة من قِبل هذه الجماعة، لأن هدفها ليس الإنسان وإنما استعباد اليمنيين".
وأضافت: "هذه الجماعة تدرك بأنها لن تتمكن من استعباد شعب حر ومتعلم، وأنها ستتمكن من استعباد الشعب الجاهل، الذي يتم حشو رأسه بالأشياء، التي لم تعد مناسبة للزّمن، لذلك هي تستهدف التعليم، وليس فقط التعليم الجامعي، وإنما أيضا التعليم الأساسي".
وتابعت: "مليشيا الحوثي أغلقت أقساما مهمة كالتاريخ والفلسفة واللغات، التي تربط اليمنيين بالعالم، واتجهت لتدريس اللغة الفارسية، التي لن تقدِّم لليمنيين أي شيء، وليس في فارس حتى مغترب يمني واحد، وكل ما لديها هو هذه المليشيا التي تسلطت على رقاب اليمنيين".
وبيّنت: "الأمر لن ينتهي عند هذه النقطة، فالتعليم بالنسبة لمليشيا الحوثي هدفا إستراتيجيا أخطر من الأهداف العسكرية، لأن بالقضاء عليه سيولد لها العبيد، فالتعليم الذي لا يولد أحرارا سيولد عبيدا، وهذا ما تريده سلالة الحوثي".
ولفتت: "جامعة ذمار كانت من الجامعات المهمة، ومن يعرف كيف بناها الأساتذة القدامى، وخصصوا لها مساحة كبيرة، وفيها أقسام مهمة، لكن -للأسف- مليشيا الحوثي لن تترك لليمنيين أي أمل".
وأشارت: "الشعوب كلها تنمو من الجامعات، وتنجح من الجامعات، لذلك ستكون هدفا رئيسيا للتدمير الممنهج من قِبل مليشيا الحوثي".
وتساءلت: "إذا كان البروفيسور تحول إلى عامل وخباز ومجمع بقايا البلاستيك، فماذا سيعطي من أمل للطالب؟ وإذا كان الطالب يشعر بالانتكاسة عندما يرى الأستاذ الجامعي يتحول إلى متسوِّل، ما الذي سيدفعه للالتحاق بالجامعة؟".
وذكرت: "هناك أيضا عملية إفقار وتجويع ممنهجة تمارسها المليشيا، حيث لم يستلم الموظفون مرتباتهم منذ ثماني سنوات، ولا يوجد في العالم كله من يذهب ليدرّس في مدرسة أو جامعة أو معهد، ثم لا يجد ما يطعم أطفاله، حتى وإن كانت الدولة في حالة حرب".
واستطردت: "هناك أيضا تفريغ للجامعات الحكومية، وتحويلها للجامعات الخاصة، وانتشرت الجامعات الخاصة مثل الفطر السام في كل مكان، ويتم تشجيع المدرِّسين والأكاديميين للالتحاق بها، لأنها تدفع مرتَّبات بسيطة، ويهملون الجامعات الحكومية، التي منعت فيها المرتبات، مع سبق الإصرار والترصد".
وزادت: "هناك الكثير من الدول والشعوب، التي تعرضت لحروب ومآسٍ، فهناك اليابان تعرضت لقنبلة نووية، وتعرضت ألمانيا في حربين عالميتين، وظلت الجامعات تشتغل، وظل الأكاديميون يعملون، وظل الطلاب يذهبون إلى الجامعات على الأقدام، لكن وضع اليمنيين أشد سوءا من هذه الدولتين، لأن من يحكم 70% من اليمن ليس فيه ضمير، وجاهل، ومتخلف، غير متعلم، ويريد الجهل".
وقالت: "لا توجد جماعة جاهلة تحكم في القرن الواحد والعشرين، حتى في الدول الأكثر تخلفا، كجماعة الحوثي، ففي أفغانستان رغم أن من يحكم هو الجهل إلا أننا لم نسمع أن مدرسا لم يستلم مرتبا".
وأضافت: "لدينا الآن جيل يتشكَّل، وإذا لم نتخلَّص من الآفة الحوثية التي هي تعد أخطر من السلاح النووي، وأخطر من كل أنواع الأسلحة، سوف يكون مستقبل اليمنيين أسود ومعتما".
وترى أن "المجتمع الدولي يتواطأ مع مليشيا الحوثي؛ بسبب غياب الطرف الحكومي، وتشتته وتمزّقه وضياعه، لذا علينا أن نوحِّد الطرف الذي فيه أمل، وعليه أن يعيد النظر في أولوياته، وأهمها لمُّ الشمل، فالمليشيا لا تريد تعليما، وترى مستقبلها في جهل اليمن وتخلفها".
- غياب الدولة
يقول الكاتب والدكتور الأكاديمي في جامعة ذمار، عبدالله صلاح: "من أسباب عزوف الطلاب عن التعليم الجامعي أن هناك مؤامرة دولية وإقليمية بأيادٍ محلية تستهدف اليمن بشكل عام أرضا وإنسانا، وهوية وتاريخا ومستقبلا".
وأضاف: "اليمن تحدثت عن مأساته المنظمات الدولية كأكبر مأساة في العالم، وهو البلد الوحيد في العالم، الذي لا يستلم موظفوه المرتبات بمباركة أممية ودولية، وبتواطؤ محلي، وهناك أسباب كثيرة ومتداخلة ومعروفة للجميع".
وأوضح: "السبب الأول في المأساة، التي يعيشها الشعب اليمني، ومنها عزوف الطلاب عن التعليم، هو غياب الدولة في كل ربوع اليمن، فالدولة، التي تتحمّل مسؤوليتها تجاه الشعب، تتلمّس أحواله وتحس بمعاناته، وتعمل ليل نهار لتخفيف هذه المعاناة، وتقديم الخدمات قدر المستطاع".
وقال: "حتى نكون منصفين، أنا على تواصل تام بجامعات صنعاء وإب والحديدة، فالمشكلة هي مشكلة عامة في الأقسام الإنسانية في كل الجامعات".
وأكد: "عدم صرف المرتبات كانت الطعنة القاتلة في قلب التعليم، وأتوقع أن تغلق جامعات حكومية، وليس أقسام فقط، في حال استمر الوضع كما هو عليه اليوم".
وأضاف: "الفقر الحاصل اليوم جعل الناس لا يفكِّرون بالتعليم، ولا بالكهرباء، ولا بالمشاريع والخدمات، وأصبح كل همهم كيفية الحصول على الخبز والرغيف؛ لكي تبقى على قيد الحياة".
وتابع: "الجيل الصاعد المتخرجون من الثانوية تحطمت فيهم الإرادة، وماتت فيهم الرغبة بمواصلة التعليم، وهم يشاهدون اليوم أوضاع آلاف الأكاديميين الحاصلين على درجة الدكتوراه من أرقى الجامعات في العالم، كيف أصبحوا في فقر مُدقع، ووصلت بالبعض منهم إلى حالات نفسية، وتعرُّضهم للجلطات، وجعلتهم يفكّرون ببدائل أخرى كالسفر خارج البلد، أو الاتجاه نحو الأعمال الحُرة لتوفير لقمة العيش".



