تقارير
في مواجهة "عقول مريضة".. هل يدفع محققو الابتزاز الإلكتروني حياتهم النفسية ثمنا لكشف الجرائم؟

في عالمنا الرقمي المتسارع، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والافتراضي، تلوح في الأفق ظاهرة تهدد أمن وسلامة ملايين الأفراد، إنها جريمة الابتزاز الإلكتروني، تلك الآفة التي تنتشر كالنار في الهشيم، تاركة وراءها دماراً نفسياً واجتماعياً لا يُستهان به.
في قلب هذه المعركة، يقف محققو جرائم الابتزاز الإلكتروني، أبطال مجهولون يخوضون حربًا شرسة ضد الجناة، هؤلاء المحققون لا يقاتلون أعداءً ملموسين، بل يواجهون عقولًا مريضة تستغل التكنولوجيا لأغراض شريرة، حيث يتعاملون يوميًا مع قصص مأساوية لضحايا بريئين وقعوا في شرك المبتزين، يحملون على أكتافهم أعباء نفسية جسيمة، ويتعرضون لتهديدات مستمرة.
مختار عبد المعز -أحد هؤلاء الأبطال- رجل ذو خبرة طويلة في هذا المجال، تحدث عن عالم الابتزاز الإلكتروني المُظلم.
يقول: "كل يوم نستقبل عشرات البلاغات، وكل بلاغ يحمل قصة جديدة، قصة مأساوية لشخص بريء وقع ضحية الابتزاز الإلكتروني، نحن لسنا مجرد محققين؛ نحن جنود في حرب خفية ضد جرائم لا ترى بالعين المجردة".
- الأثر النفسي على المحققين
يصف مختار، في حديثه لموقع "بلقيس"، كيف أن رسائل الصباح، التي يستقبلها هو وفريقه، مليئة بالمعاناة والألم، وكيف أنهم يشهدون يوميًا كيف يدمّر الابتزاز حياة الأبرياء، ويدفعهم إلى التفكير بالانتحار: "نحن نتحمّل مسؤولية كبيرة في حمايتهم، ولكن هذا الثقل يقع على أكتافنا بكل قوة"، يقول مختار.
ويضيف: "إن التعامل المستمر مع هذه القضايا يترك آثارًا عميقة على نفسيتنا، نحن نشعر بالألم والمعاناة التي يشعر بها الضحايا، وكأننا نعيشها بأنفسنا، كل قصة جديدة نسمعها تزيد من أعبائنا النفسية، وتؤثر على حياتنا العملية والمهنية، خصوصا أننا نتعامل مع كثير من الضحايا من جنسيات مختلفة، مصر، ليبيا، الجزائر، تونس، المغرب، السعودية، الكويت، قطر، وسوريا".
التعرّض المستمر لهذه القضايا لا يقتصر على التأثير النفسي فقط، بل يتعرَّض المحققون أيضًا لتهديدات مباشرة من قِبل الجناة، بما في ذلك التهديد بالقتل والاعتقال.
ويعبِّر مختار عن أسفه قائلاً: "ما يحزنني هو أن المجتمع لا يقدم الدعم الكافي للضحايا، بل غالبًا ما يقف إلى جانب الجناة، لهذا نحن نعمل بجهود شخصية، لكننا نواجه تحدِّيات كبيرة؛ بسبب حجم الظاهرة وانتشارها".
وفي خضمِّ المعركة، التي يخوضها مختار ضد الجريمة الإلكترونية، برز اسمه في حديث الضحايا كرمز للصمود والإصرار، فعندما تلقت الشابة هبة (اسم مستعار) تهديدات بالابتزاز، كانت قد وصلت إلى حافة اليأس، في تلك اللحظة، لكنها وجدت ملاذها الأخير في مختار.
- ضحية تجد الأمل
تقول هبة: "عشت شهوراً طويلة في خوف ورُعب، تحاصرني الأفكار السوداوية، وأفكر في الانتحار كحل وحيد للهروب من هذا العذاب، ولكن بفضل جهود مختار وفريقه بدأت تلوح في الأفق بارقة أمل".
"لم يتردد لحظة واحدة في مساعدتي، استمع إلى قصتي باهتمام بالغ، ووعدني بفعل كل ما في وسعه لإنقاذي، حيث بدأ هو وفريقه معركة شاقة ضد المبتزين، عملوا جاهدين لجمع الأدلة، وتتبع خيوط هذه الجريمة"، تضيف هبة.
وتابعت هبة حديثها: "كان مختار بمثابة ملجئي الوحيد في تلك الفترة الصعبة، لقد قدَّم ليَ الدعم المعنوي والقانوني الذي كنت أحتاجه بشدّة، عمل هو وفريقه بلا كلل لإنهاء معاناتي، كنت أحدّثه في كل وقت ولم أجد منه يوما ذرة استياء أو تهكم، كرَّس كل وقته لقضيتي، وكل ذلك دون مقابل مادي، بفضلهم تمكنت من استعادة حياتي وحريتي بعد أن تمكنوا من تحديد هوية المبتزين، وتقديم بلاغات رسمية ضدهم، وحذف المحتوى المسيء".
ولأن التعامل المستمر مع جرائم الابتزاز له أثره النفسي، يؤكد رائد سمور، مؤسس ومدير مركز "ريفلكت" لدراسات التطوّر التقني وأثره على حقوق الإنسان في الأردن، على المخاطر النفسية، التي يتعرّض لها محققو قضايا الابتزاز الإلكتروني.
وأشار إلى أن التعامل المستمر مع قضايا حساسة كهذه يمكن أن يؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية.
يقول سمور لموقع "بلقيس ": "إن محققي الابتزاز الإلكتروني يتعاملون مع قضايا بالغة التعقيد والحساسية، مثل استغلال الأطفال والنساء، والتهديدات بالفضيحة، هذا التعرض المستمر لمثل هذه المحتويات يؤدي إلى ضغط نفسي شديد يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية مختلفة".
ويضيف سمور: "المحقق المثالي في هذا المجال يجب أن يتمتع بمهارات نفسية عالية تمكنه من التعامل مع الضحايا بطريقة إنسانية وفعّالة، وأن يكون قادرًا على فصل حياته الشخصية عن عمله، كما يطالب بضرورة توفير الدعم النفسي الكافي لمحققي الابتزاز الإلكتروني، بما في ذلك إجازات دورية وفرص للاسترخاء والتأمل، بالإضافة إلى برامج علاجية إذا لزم الأمر".
- ضرورة الحماية والدعم
يلجأ الكثير من الخبراء النفسيين إلى التأكيد على أهمية الدعم النفسي والعقلي للأفراد الذين يتعاملون مع مثل هذه القضايا الصعبة.
يؤكد الخبير النفسي المصري د. جمال فرويز، في حديث لـ"بلقيس " على "أهمية إجراء اختبارات نفسية شاملة للموظفين العاملين في مجال التحقيقات، خاصة أولئك الذين يتعاملون مع قضايا حساسة مثل الابتزاز".
ويوضح فرويز أن "الشخصيات التي تميل إلى التوتر والشك والقلق الشديد غالبًا ما تتأثر بشكل كبير بطبيعة عملها، مما قد يؤثر على أدائها، ويجعلها عُرضة للإرهاق النفسي".
ويقول فرويز: "إن الشخصيات الناضجة المتوازنة هي الأقدر على التعامل مع ضغوط العمل والفصل بين حياتها الشخصية والمهنية، بينما الشخصيات العصبية أو المكتئبة، أو المتشككة، غالبًا ما تنقل هذه الصفات إلى حياتها الخاصة، مما يؤثر على علاقاتها مع أفراد أسرتها وأصدقائها".
ويضيف فرويز: "إجراء الاختبارات النفسية لا يقتصر على مجال التحقيقات فقط، بل يجب أن يشمل جميع الوظائف، خاصة تلك التي تتطلب التعامل مع الجمهور أو اتخاذ قرارات هامة".
وأشار إلى أن "هذه الاختبارات تساعد في تحديد مدى ملاءمة الشخص للوظيفة، وتقليل احتمالية حدوث أخطاء ناتجة عن الضغوط النفسية".



