تقارير
قصة ضابط إثيوبي.. معنى أن تقضي نصف حياتك منفيا!!

من متجره الشهير، جوار المدرسة "الفنية" في منطقة "حدة"، حيث يبيع الأحذية التي يجلبها من موطنه الأصلي (الحبشة) إلى صنعاء، يقضي "سيساي"، وهو رجل ستيني، معظم وقته داخل ذاك المتجر في خدمة زبائنه الذين يترددون عليه لشراء الأحذية ذائعة الشهرة (الحبشي) في صنعاء، نظراً لجودتها المميزة، وخدمتها الأطول، والأسعار المناسبة.
إذ تعود الرجل المكوث داخل متجره الواسع، برفقة زوجته "سارة" وأولادهما الثلاثة، حيث يحتوي المتجر على ملحقات لمعيشة الأسرة، خلال أوقات عملهم الذي يبدأ عند الثامنة صباحاً وينتهي تمام التاسعة مساء كل يوم.
رغم أن "سيساي" يمتلك شقة سكنية، في المبنى الذي يقع فيه المتجر، إلا أنه شديد الارتباط بعمله، حيث لا يغادر المتجر إلا للضرورة القصوى. وتنوبه زوجته أثناء أوقات غيابه النادرة، وتساعدها إحدى العاملات في عملية البيع والشراء، وتلك العاملة تحمل جنسية سيساي وزوجته سارة ذاتها.
لا يقتصر متجر "سيساي" على بيع الأحذية فقط، لكنه معرض مفتوح للمنتجات ذات المنشأ "الحبشي" الأصل (عسل، فلفل أحمر، أواني فخارية و غيرها).
يعمل "سيساوي" على تسويق تلك المنتجات، باعتبارها مصدر فخر واعتزاز للمنتج الوطني الإثيوبي، وجزءا من الهُوية الوطنية التي يتحتم عليه الاحتفاظ بها وتسويقها، والعمل على نقلها لشعوب العالم.
وحول طرق وصول تلك البضائع من إثيوبيا إلى صنعاء، أبدى تهربا من الإفصاح عنها، بالنظر لحساسية الوضع، وخطورة عمله السابق في جيش بلاده.. يقول "سيساي" ل"بلقيس": "تصل إلينا عبر طرقنا الخاصة".
"اليمن طوق نجاة"
في العام 1991م، تمكنت "الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الإثيوبية" من الإطاحة بنظام "الديرغ"، الذي كان يقوده العقيد "منغيستو هيلي ميريام" ذو الميول اليسارية، واستطاع الفرار إلى "زيمبابوي" حينذاك.
كان على كثيرين من رجالات دولته البحث عن طرق للنّجاة، وبالتحديد العسكريون منهم.
كان "سيساي" ضابطاً صغيراً ضمن منظومة بشرية من العسكر، مهمتها حراسة العقيد الفار، إذ كان حينها ما يزال شاباً، يتسلح بالحماسة والإخلاص للنظام الذي كان يعمل من خلاله كضابط.
عقب تلك الأحداث، التي أطاحت بنظام قائده، كانت فكرة الفرار من بلده هي الطريقة الصائبة بالنسبة له، إذ شكّلت له طوق نجاة. وخشي من الإعدام أو المحاكمة، إذا ما تم القبض عليه.
قرابة 30 عاماً، مُذ فرّ "سيساي" من بلاده إلى اليمن، التي وصل إليها عبر طرق متعددة، واستقر به الحال في صنعاء، ليمكث فيها حتى اليوم.
لقد خلع الرجل بزّته العسكرية إلى الأبد، وتخلى عن رتبته وصار مطاردا، وظل لفترة متخفياً، حتى استطاع التغلب على الهواجس الأمنية، التي ظلت حاضرةً في دماغه فقط.
كان عليه أن يبدأ مشواراً جديداً خلال حياته في المنفى، ليحوز على الاستقرار المادي والنفسي هنا في صنعاء.
حين فرّ كان بمفرده، وما إن استقر حتى تبعته زوجته "سارة"، إذ لم ينجبا أطفالهما الثلاثة إلا في "المنفى" الاضطراري.
تتداعى في ذهن الرجل مجموعة خواطر، كشوقه لأفراد عائلته، وأمنياته لرؤية العاصمة "أديس"، بعد ثلاثة عقود من الزمن، وربما قد لا يعود إليها أبداً، لأنه كان أحد عسكريي العقيد "منغستو"، الزعيم الذي قتل الآلاف من مناوئيه في عملية أطلق عليها "الرعب الأحمر"، خلال 3 أعوام.
وفي سياق صعود "منغستو"، ازدهرت الانقسامات، إذ عمل على تصفية صديقه وقائده الجنرال "أمان عندوم". و"سيساي" ذو ميول يسارية بحتة، ويمتعض كثيراً حين يسمع بأي من الجماعات الدّينية ويصفها بالكاذبة.



