تقارير
كيف أصبحت عدن أسيرة لمن يحكمها بالسلاح وغنيمة يتقاسمها قادة النفوذ؟
لم يكن في عدن ما يوحي بأنها ستتحول إلى غنيمة حرب، تُقسّم أراضيها، وتُنهب ممتلكاتها، وتُباع مؤسساتها بأبخس الأثمان، لكنها اليوم باتت في قبضة السلاح، تُدار بشبكات المصالح، وتُحكم بعقلية الغنيمة.
آخر فصول العبث، عقد استثماري مثير للسخرية، حيث وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، بمنح مؤسسة وهمية عقد إيجار في ممتلكات الدولة، بمباركة رسمية، وبسعر لا يساوي حتى ثمن كشك صغير في أحد شوارعها.
أما القمع والسجون، فليست للدولة، بل للميليشيات، إذ لكل قائد كتيبته الخاصة، وسجون لا تخضع إلا لسلطته. بل أصبح المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا اليوم يتحرك بأدوات الدولة، وما حملة الاعتقالات التي طالت عددًا من النشطاء والمحتجين الذين شاركوا في مظاهرات سلمية إلا تأكيد على غياب الدولة.
فرصة ثمينة
يقول الناشط السياسي، حسن مغلس، إن المجلس الانتقالي كانت بيده فرصة ثمينة، يستطيع أن يظهر فيها بأنه حامي هذا الوطن، وأن الناس فوضوه على أساس أنه سيستعيد الدولة، لكننا نلاحظ الآن أن حتى أفراده وقواعده ينتقدونه.
وأضاف: “الذين يخرجون إلى الشوارع اليوم ليسوا كلهم، كما يدّعي البعض، من فصائل مناهضة للانتقالي، بل حتى أبناء الانتقالي خرجوا”.
وتابع: “على سبيل التوضيح والنكتة، من جروبات الانتقالي، قال شخص: فوضناكم أن تستعيدوا دولة الجنوب ولكن بالجملة، أما أن تستعيدوها بالقطعة وبالتجزئة، حوش حوش، قطعة قطعة، لم يكن هذا الاتفاق بيننا”، وهو يقصد ما يدور من استيلاء على الأراضي، وهو موضوع قائم منذ فترة طويلة وليس حديث العهد.
وأردف: “إذا كنا نحمّل الانتقالي هذا الفساد كله، فيجب أن نحمّل أيضًا من أتى بالانتقالي، ومن سمح له، ومن يدعمه”.
وزاد: “لا نستطيع أن نوجه كل اللوم فقط إلى الانتقالي، فهناك أيضًا دولة، وهناك تحالف، وهؤلاء شركاء في الأزمة، من مجلس الرئاسة إلى مجلس الوزراء إلى سلطة الأمر الواقع، وهي سلطة الانتقالي، إضافة إلى التحالف الذي يتبنى كل هؤلاء”.
وقال: “كل هؤلاء شركاء في هذه الأزمة التي تعيشها كل المناطق المحررة، مع الأسف، وبالذات المناطق الجنوبية التي تعاني من أزمة الانتقالي وأزمة التحالف”.
استغلال القضية
يقول الإعلامي عدنان الخضر إن هناك أسبابًا كثيرة وواضحة جدًا دفعت الشارع للغضب ضد المجلس الانتقالي بهذا الشكل، وليس سببًا واحدًا فقط، فالشارع غاضب لأنه لا يحصل على أي من حقوقه، فلا رواتب ثابتة تُصرف، ولا سعر العملة مستقر، وحتى إن صُرفت الرواتب، فإنها لا تكفي الموظف لتغطية قوت يومه لشهر.
وأضاف: “هناك غياب للخدمات، فالمياه تصل بصعوبة، والكهرباء تنقطع لثلاثة أو أربعة أيام، واليوم الذي تأتي فيه، تحضر لساعتين بالكاد، حتى يتمكن الناس من شحن البطاريات، هذا إن كانت لديهم بطاريات أصلًا”.
وتابع: “اليوم هناك فشل على جميع المستويات، وهناك أسباب كثيرة تدفع الناس إلى الخروج، حتى وإن تأخروا في ذلك، لكن أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي”.
وأردف: “في البداية، عندما تشكّل المجلس الانتقالي، كنا، للأمانة، مستبشرين به خيرًا، لأن الناس عايشوا الأزمة، وكيف أن النظام السابق، نظام علي صالح، استبدّ بهم كمواطنين وبالقضية الجنوبية، ولم يعترف بها. لكن عندما سنحت له الفرصة بأن يكون جزءًا من النظام الذي يحكم، وكان بإمكانه تقديم شيء مشرف لهذه القضية، خذل الجميع”.
وزاد: “الانتقالي استغل القضية الجنوبية، واستغل مظالم الناس وتعبهم من هذا النظام، وخذل الجميع، وفقد كثيرًا من شعبيته، بل فقد قداسته، بعد أن كانت رموزه إلى حد كبير مقدسة”.
وقال: “في 2021، عندما كنت أتكلم عن عيدروس الزبيدي، وأكتب ضد الانتقالي، كنت أواجه كثيرًا من الناس الذين يعترضون ويشتمون، لكن اليوم، فقد المجلس هذه القداسة وهذا التأييد الشعبي”.
وأضاف: “كل الذين خرجوا اليوم، في البريقة وفي المنصورة -وأنا أحييهم-، يهتفون بشعارات: فليرحل الانتقالي، فليرحل التحالف، فلتسقط هذه الحكومة، فليسقط المجلس الرئاسي والمجلس الانتقالي”.
وتابع: “استعادة ثقة الشارع مجددًا تحتاج إلى عملٍ جبار يفوق طاقة الانتقالي وقناعاته، لأننا، للأسف، خلال العشر السنوات الماضية، اكتشفنا أن هذا المجلس لا يمتلك أي مبادئ وطنية إطلاقًا، ومن الصعب أن يستعيد ثقة الشعب”.
ساحة صراع
يقول المنسق الإعلامي في مركز دراسات الرأي العام، وضاح الحريري: “نحن نرى كيف تحولت عدن إلى ساحة صراع على السلطة بين المجلس الرئاسي، والحكومة، والمجلس الانتقالي، حيث يتم استغلال الموارد والممتلكات العامة لمصالح فئات معينة، بينما يعاني المواطنون من غياب الخدمات الأساسية وتزايد الفقر”.
وأضاف: “يتم استخدام السلطة، مع الأسف الشديد، للاستحواذ على الأراضي والممتلكات، مما يعمّق المشكلة بين الحكومة والشعب، فبدلًا من أن يكون المجلس الرئاسي والحكومة حلًا للأزمة، أصبحا جزءًا منها، وساهما في تعميق الفوضى والانقسام، بينما يستفيد البعض من اقتصاد الحرب عبر نهب موارد الدولة”.
وتابع: “في ظل غياب العدالة، أصبحت عدن وبقية المناطق المحررة غارقة في صراعات لا تنتهي، والشعب يدفع الثمن”.
وأردف: “لم يأتِ المجلس الانتقالي إلى عدن كمحتل، بل كحاملٍ للمشروع الجنوبي، لكن مسألة تأجير الأراضي أو حوش النقل بعدن لصالح كيانات مرتبطة بالسلطة تعكس استغلالًا غير عادل للموارد العامة وغيابًا للشفافية، وهو أمر يضر بمصلحة الشعب الذي يعاني من تدهور الخدمات الأساسية”.
وزاد: “مثل هذه العقود تؤكد على غياب الرقابة والمساءلة، مما يعمّق الفجوة بين السلطة والشعب. وينبغي فتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين لتصحيح هذا التوجه، وضمان أن تظل الأصول العامة لصالح الجميع، لا أن تُستغل لمصالح شخصية ضيقة أو لجهات معينة”.
وتابع: “من الضروري أن توضح الجهات المعنية أو تنفي صحة هذه الصفقة التي تثير الكثير من التساؤلات حول النوايا، وغياب الحقيقة حول هذا الموضوع”.
وقال: “في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل النهب المستمر لخزينة البنك المركزي، ونهب النفط من قبل جهات نافذة في الحكومة، دون أي مبرر مقنع”.



