تقارير
كيف تحولت مكتبة ومطبعة عبادي من إصدارات الكتب إلى بيع القرطاسية؟!!

على بُعد خطوات، وقفت أسأل المارّة وأصحاب البسطات عن مقر مكتبة "عُبادي".
لا أحد يعرف مكانها بالضبط، وبدا الكثيرون وكأنّهم يسمعون بهذا الاسم للمرّة الأولى. قال لي أحدهم إن هذا الشارع ليس فيه مكتبات، ويمكن أن تجدها في الشارع المقابل.
قادتنا خطواتنا إلى مكتبة عُبادي، التي ظلَّت المعلَم الأبرز في مدينة عدن، الذي لا تخطئه العين، والأكثر شُهرة وصيتاً.
بات علينا اليوم أن نجتهد في السؤال عن مكانها بعد أن كانت لعقود معلَما بارزاً من معالِم عدن بكل ما يحمله تاريخ هذه المدينة من إرث ثقافي وحضاري ذائع الصيت على مستوى الجزيرة العربية والعالم أجمع، وظلت معه مكتبة عُبادي تكتسب الكثير من الشُّهرة والرواج والازدهار، حالها حال عدن قُبلة المثقفين والسياسيين من مختلف دول العالم، الذين تحط بهم الرِّحال إلى هذه المدينة.
وقفت في الخارج أتأملها، ونبضات قلبي تزداد، وأنا أقف أمام المكان الذي يختزل التاريخ بأكمله، ويحكي قصة مدينة وأجيال متلاحقة من روَّاد الثقافة والفِكر مرت من هنا.
وتمر في مخيّلتي كثير من الأحداث في واقع مكتبة ذاع صيتها، اكتسبت الكثير من الشُّهرة، وتحتضن بين جدرانها التاريخ بأكمله، وتختزل قصة مدينة وبلد عريق ضارب جذوره في عُمق التاريخ.
الكثير من المشاعر تداخلت وأنا أقف أيضا على عتبات الحاضر البائس الذي يكاد أن يكون في حالة خصام مع التاريخ، فالمكتبة الأكثر شُهرة في الجزيرة العربية يكاد يطويها النسيان والإهمال.
وعندما ولجتها، وأقفت أمام عامل واحد فيها يقوم بتنظيم المواد القرطاسية والمتطلبات المدرسية، من حقائب وغيرها، وعدد من الرفوف الملئية بالكثير منها، وكان من الواضح أن المكتبة انصرفت اليوم إلى بيع القرطاسيات، والمتطلبات المدرسية.
لم تعد مهتمة بإصدار الكُتب، بعد أن توقّف نشاطها في هذا المجال، وحولّته إلى نشاط تجاري آخر وهو بيع القرطاسيات، ومستلزمات المدارس.
أخبرنا العامل بأنها أوقفت نشاطها، واتجهت نحو بيع القرطاسيات ومتطلبات المدارس، مرجعاً ذلك إلى انحسار الجانب الثقافي، وانصراف الناس نحو قضايا أُخرى، ولم يعد مجال إصدارات الكُتب مناسباً في الوقت الحاضر.
- العودة إلى التاريخ
يعيدنا ذلك بحسرة إلى الحديث عن تاريخ المكتبة العريق، التي أسسها -قبل 136 عاماً تقريباً- الحاج عُبادي حسن الهاشمي، المتوفى عام 1928م، الذي تعود جذوره إلى مدينة تريم حضرموت، وقد تزوّج ثلاث عشرة امرأة. وتعاقب على إدارتها -بعد وفاته- عدد من الأبناء والأحفاد، وصولا إلى جمال عبداللطيف الذي يديرها حالياً.
والجدير بالذكر أن مكتبة عُبادي اشتهرت بهذا الاسم على الرغم من أنها تحمل اسم "دار الكُتب العربية"، كما تشير أوراقها الرسمية، ومرت بمراحل عدّة منذ التأسيس.
وفي الوقت الذي اقتصر نشاطها في العامين الأولين على استيراد الكُتب من مصر ولبنان -كما يفيد القائمون عليها- وساعدها في ذلك الحالة التي مرت بها الدول العربية، التي كانت تفرض مزيدا من الرّقابة على الكُتب، وما تشهده مدينة عدن من انفتاح كبير على مختلف الثقافات آنذاك، لتلعب معه دوراً ريادياً مُهماً في انتشار وتوزيع الكُتب وتسويقها إلى مناطق مختلفة، منها شرق إفريقيا والسعودية وعُمان وغيرها.
وخلال مسيرتها الحافلة بالإنجاز، ظلت مكتبة عُبادي تحوي جميع الإصدارات، وصاحبة الحق الحصري في توزيع عدد من الكُتب.
- مراحل من التطور
شهدت المكتبة -بعد عامين من تأسيسها- توسعاً في نشاطها، بعد أن باتت تمتلك مطابع خاصة بها، ودشّنت مرحلتها الجديدة بإصدار أول كتاب في العام 1886م، الذي يحمل اسم "النهر الفائض في أحكام الفرائض"، حيث صُدر باللغتين العربية والإنجليزية، لمحمد عبدالقادر مكاوي، لتتوالى بعد ذلك العديد من الإصدارات الأخرى.
وخلال ذلك، نهل من المكتبة الأولى في الجزيرة العربية الكثير من المثقفين، والسياسيين، ورجال الأعمال، والباحثين، وطلاب العلم، ورجال دين مشهورين، أمثال: الشيخ محمد سالم البيحاني، ومحمد علي لقمان، والشيخ باحميش، والشاعر محمد عبده غانم، والشاعر محمد سعيد جرادة، وأبو الأحرار محمد محمود الزبيري، وأحمد النعمان، والشاعر الكبير لطفي جعفر أمان، وعبدالقوي مكاوي، والقائمة تطول باسماء الأدباء والمثقفين الذين شكلت المكتبة الوحيدة في اليمن مصدراً مُهماً لهم.
- أنشطة أخرى
لم يتقصر نشاط المكتبة على إصدار الكُتب وحسب، لكنها لعبت دوراً تنويرياً بارزاً، وكانت تُعقد فيها ندوات أسبوعية لمناقشات الإصدرات الجديدة في شتّى المجالات، ومكانا يلتقي فيه روّاد الفكر والثقافة، يتبادلون النقاش، ويشاركون في الندوات الأسبوعية المنتظمة، والكثير من روّدها من كُتاب وشعراء، طبَعت لهم المكتبة إصداراتهم.
وظلت خلالها العنوان الأبرز لجيل المثقفين والروّاد، وتحمل صورةً مصغرةً لتاريخ هذا البلد العريق، قبل أن تتعرّض للإهمال، وتحط بها الرِّحال في هذه المرحلة، حيث توقف نشاطها بشكل كُلي بعد أن كانت معلَما بارزا لتاريخ عدن وسُمعتها.



