تقارير
كيف تحوّل جمود قضية فلسطين إلى قوة تأثيرية في المحافل الدولية؟
في ظل الأحداث الدامية، التي شهدها قطاع غزة، والعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 70 يوما، أطلق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة إضراب عالمي، تحت وسم #إضراب_لأجل_غزة، التي دعا فيها النشطاء العالم إلى التوحد والوقوف صفا واحدا مع أهالي غزة، وتنديدا بالمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين.
يتزايد التجاوب العالمي مع هذه الدعوة وتظهر قضية فلسطين بوضوح أنها أصبحت محط اهتمام وتضامن إنساني، وتحظى بتضامن عابر للحدود، يعكس تحولا مهما في الوعي العالمي تجاه قضية فلسطين، التي أصبحت محورا حيويا في المحافل الدولية، وشهدت احتجاجات واسعة تطالب آلة الحرب الإسرائيلية بالتوقف لحماية المدنيين.
- نجاح غير متوقع
تقول رشان صغلان ياووز -صحفية ومراسلة حرب-: "إن فكرة الإضراب العالمي كانت في البداية مع زوجها، منذ منتصف شهر أكتوبر، لكن كنا ننظر للفكرة بأنها أكبر منهما؛ لأن الموضوع يتحدث عن إضراب عالمي، وليس في منطقة أو مدينة معينة، ويحتاج إلى اتحادات عمال ونقابات تشتغل فيه، ودول تقف خلفه".
وأضافت: "زوجي كان على تواصل مع أشخاص في أوروبا، وكانوا يشجعوه، وأن الإضرابات عندهم ممكن يحققوا فيها شيئا، ويصلوا من خلالها إلى مطالبهم، من هنا بدأنا مع بعض عمل فيديوهات، وأنشأنا صفحة على الإنستجرام، وتواصلنا مع مؤثرين ومشاهير، على السوشيال ميديا لعلهم يدعموننا، وفجأة وجدنا كل العالم يتحدث عن الإضراب الشامل، وكان هناك أشخاص مشهورون ومؤثرون من إعلاميين وفنانين، ساعدونا، وكل الشكر لهم".
وتابعت: "تفاجأنا بأن هناك تفاعلا، وأن الإضراب سيصبح يوم الاثنين، والذي شجعنا أكثر هو أن الناس في غزة ناشدونا بعدم تأجيل الإضراب، وأن لا نتركهم، بعد أن وجدوا كل المحاولات فشلت في وقف إطلاق النار، وكان بالفعل هناك نجاح للإضراب في لبنان والأردن وفلسطين الداخل، والمغرب، وكان هناك نجاح جزئي في أوروبا، كأمريكا وبريطانيا، وكذلك في تركيا، وهذا النجاح أشعرنا بالمسؤولية، والاستمرار، ولن نتوقف".
وأردفت: "عندما يغلق صاحب رأس المال محله، يعني أنه منع التعاملات النقدية والبنكية، وهذا لوحده شل الحركة الاقتصادية".
وزادت: "في العادة، الإضرابات تكون عبر نقابات واتحادات عمالية، ونحن هذا هو هدفنا، ونطاقنا الجغرافي الذي كنا نستهدفه، هو أوروبا، وكندا وأمريكا، والدول الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، ويدفع فيها المواطنون الضرائب، لدعم أوكرانيا وإسرائيل".
-إسكات الشعوب
تقول الباحثة في مجال الفلسفة السياسية، إناس العوامي: "إن الناس كانت تتحدث عن الإضراب منذ فترة، لكن لم نكن نتوقع أن يكون هناك تفاعل، لذا كان نجاحه مفاجئا".
وأضافت: "كان الهدف من الإضراب هو أن تضغط الشعوب على الحكومات العربية، وتؤثر على قرارها؛ لأن موقفها ضعيف، ولا يصل إلى مستوى المواقف الغربية التي تدعم الصهيونية بالسلاح بشكل مباشر".
وتابعت: "الشعوب في أوروبا أصبحت مصدومة من فكرة أن أصواتها أصبحت لا تسمع، حيث يخرجون مظاهرات بالآلاف والملايين ولا أحد يستجب لهم، وبدأت ترى أن الأمر بات بحاجة إلى التصعيد، حتى وإن لم يكن لأجل القضية الفلسطينية بذاتها، وإنما لأجل فكرة أن صوتها كشعوب دائما مسموع، وأنها بلد الديمقراطيات، واليوم هي تطالب بشكل صريح، وهناك أدوات وأموال تضخ لإسكاتهم".
وأردفت: "صحيح أن الإضراب اليوم لم يكن بشكل كامل، لكننا متأكدون بأنه إذا استمر هذا الإضراب سيصّعدون معنا، وهذا هو الهدف؛ لأن فلسطين هي قضيتنا نحن العرب والمسلمين، والقضية الأولى، ويجب أن نضغط لإيصال الفكرة أكثر".
- ثلاثة أبعاد
يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية، حسام السعيدي: "إن الاحتجاجات المدنية هي نوع معروف من حركات النضال فيما يخص حركات التحرر بشكل عام، وشاهدنا في جنوب اليمن، كان العمل المدني جزءا مهما جدا ضد الاستعمار البريطاني، وربما كان له تأثير أكثر من الكفاح مسلح، وكذلك في جنوب أفريقيا والهند".
وأضاف: "العصيان المدني، والإضراب، جزء من النضال مع قضية معينة، أو ضد قضية ما، وهو مهم جدا".
وتابع: "الاحتجاجات بشكل عام حول القضية الفلسطينية إذا لم تؤثر على صناعة القرار؛ لديه أثر في إحضار القضية إلى قمة الأجندة الاقتصادية والإعلامية والسياسية".
وأردف: "نحن نأمل أن يكون هناك أثر للإضرابات بشكل عام، ولاحظنا ذلك خاصة منذ اندلاع الحرب، بمستوى غير مسبوق من التفاعل مع القضية الفلسطينية، وهذا يعني أنه مهم جدا صناعة اللوبيهات وجماعات الضغط؛ لمواجهة المصالح، أو الجماعات التي تتبنّى رؤية العدو الإسرائيلي، وبنفس الوقت لتقديم قضيتنا العادلة إلى العالم، وهذا يحتاج إلى الاحتجاجات المدنية للتأثير على صناع القرار، وعلى الشعوب".
وزاد: "للإضرابات المدنية ثلاثة أبعاد، البعد الأول: الجهات التي تتبنى هذه الإضرابات أو الحركات المدنية، فالأعمال الفردية قد تنجح إلى فترة معينة، لكن إذا لم تتبناها نقابات أو حركات تقوم بتنظيم هذه الاحتجاجات بشكل جيّد وتقوم بالتنسيق، سواء مؤسسات رسمية أو منظمات المجتمع المدني، لا سيما إذا استطاعت الوصول إلى النقابات العمالية".
وأضاف: "البعد الثاني يتعلق بالبعد الجغرافي، خاصة وأن القضية الفلسطينية قضية مركبة، لأن الإضراب خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يؤثر بشكل مباشر على الكيان الإسرائيلي، وإنما يؤثر بشكل غير مباشر، ويكون الأثر بطيء، على خلاف الأمثلة التي ذكرناها في جنوب اليمن، أو في الهند، أو في جنوب أفريقيا".
وتابع: "البعد الثالث هو بعد مهم جدا، يتعلق بالزمان والاستمرارية، فإذا كان الأمر مرتبطا بوجود مؤسسة وعمليات منظمة إلى حد ما، فإن الأمر يضمن وجود استمرارية نوع ما في الاحتجاج؛ لأن الاحتجاجات المدنية على عكس عمليات العنف والكفاح المسلح، الذي يقوم بعملية خاطفة، وفي العمل المدني يجب أن يكون هناك طول نفَس، واستمرارية، من أجل أن يكتب له النجاح".



