تقارير
كيف حوّل الحوثيون شركات الأدوية إلى مصدر دخل على حساب حياة اليمنيين؟
أدوية منتهية الصلاحية تتسبب بوفاة 18 طفلا وإصابة عشرات آخرين من مرضى مركز السرطان في مستشفى الكويت بالعاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
الجريمة أثارت غضبا شعبيا واسعا، فيما تعمد مليشيا الحوثي إلى التكتيم التام عنها، وعن المتورّطين المباشرين فيها، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية وطبية إلى المطالبة بتحقيق دولي مستقل في الحادثة.
المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر اتهمت مليشيا الحوثي بصرف هذه الأدوية المنتهية الصلاحية، بعد تعديل تأريخ انتهائها، محمّلة وزارة الصحة التابعة للمليشيا، وإدارة مستشفى الكويت في صنعاء، المسؤولية الكاملة عن التستر عن الجريمة.
- المتاجرة بحياة اليمنيين
يقول نقيب الصيادلة في تعز، الدكتور إسماعيل الخلي: "بالنسبة للجريمة، التي حدثت في مستشفى الكويت بصنعاء، هي ما ظهر، لكن هناك عشرات القضايا والضحايا ما زالت تحت الرماد منذ أن سيطرت مليشيا الحوثي على صنعاء، فتحت سوق الدواء لمن هب ودب، من حيث الاستيراد، ومن حيث الاستخدام، ومن حيث التزوير، ومن حيث مصادرة أي كميّات تأتي من المنظّمات، ثم تقوم بتخزينها وتكديسها، لتعيد بيعها أو توزيعها بعد أن تفقد صلاحيتها".
وأوضح أن "مليشيا الحوثي لا يهمها الإنسان - لا من قريب ولا من بعيد - ولا يهمها صحة الإنسان بقدر ما يهمها ما هو الدخل الذي ستستفيد منه، وما هو الدخل الذي ستوفّره لدعم حربها وآلياتها العسكرية، حتى وإن كان ذلك على حساب أطفال ليس لهم أي ذنب، لأنها أولا وأخيرا قد قضت على الأخضر واليابس، ونكّلت بشعب بأكمله، فما بالنا بأطفال.
وأضاف: "هذه مجرد شعرة من جمل ظهرت، بينما هناك الكثير مما هو مخفي، وما لم نعرف عنه"، مشيرا إلى أنه "منذ أن سيطرت المليشيا على صنعاء، وسيطرت على الهيئة العليا للأدوية، فتحت السوق لكل المهربين والمزايدين، ولكل من يمتلك المال، ويريد أن يستورد أدوية لا علاقة لها بالطب، ولا علاقة لها بالصحة، بل إن هناك مئات الأصناف من الأدوية التي لا علاقة لها بالصحة، بل إنها تكاد تكون أكثر ضررا على الصحة ممّا لو توقّف الأشخاص عن استخدامها".
وقال: "ما نلاحظه الآن هناك مئات من الشركات الوهمية التي أدخلت أدوية إلى اليمن بطريقة مريبة وعشوائية وغير صحية، وللأسف الشديد يتحمّل مسؤولو المنافذ، كميناء عدن أو غيره من المنافذ، جزءا من مسؤولية وصول هذه الأدوية عن طريق المستوردين الجُدد، الذين جنّدتهم المليشيا لتجارة الأدوية، وتوفير إمكانيات مادية تخدم آلتها العسكرية".
وأضاف: "مليشيا الحوثي لا يمكن أن تكشف عن مخازيها، هذه جريمة تُسقط دول، ما بالنا بهذه المليشيات التي أسقطت كل القيم، وكل القضايا الأخلاقية، وكل القضايا الإنسانية، وكل القضايا التي يحاسب عليها القانون، فهي مليشيات تريد أن تستمر بحكمها بالحديد والنار، وبالمغالطات، وبالتزييف والتزوير، وبكل ما تملكه من وسائل لتغطية جرائمها، وعيوبها ومخازيها، التي حصلت وستحصل ما لم يتم إزالتها من هذه الأرض الطاهرة".
وتابع: "ضعوا في حسابكم أن من يأتي بالدواء كهبة أو على هيئة مساعدة فهو يتبرّع ببقايا مخلفاته، وإذا لم تكن هناك دولة قوية تحترم إنسانية الإنسان، وتحترم حقوق الإنسان، وصحة الإنسان، فإنها ستقبل بكل المخلفات، التي تأتينا من دول يهمها التخلّص من هذه المخلفات التي لا يمكن استخدامها لمواطنيها".
وأشار إلى أن "تخلص الدول من مخلفات الأدوية، التي لا يمكن استخدامها لمواطنيها، تكلّفها ملايين الدولارات، لذا تلجأ لإرسالها للدول التي تعتبر الإنسان وسيلة لبقائها في الحكم، لا كإنسان تحترم آدميّته وحياته وحقوقه".
وأكد أن "ما لم تقم وزارة الصحة والهيئة العليا للأدوية في عدن بمسؤوليتها، في متابعة الدواء منذ وصوله إلى المنفذ حتى وصوله إلى المواطن، فهي ترتكب جريمة، أما الهيئة العليا في صنعاء فهي مختطفة ومغتصبة من قِبل المليشيات، وهي من تتاجر بهذه الأدوية المنتهية أو قريبة الانتهاء".
وقال: "أحيي الهيئة العليا للأدوية في تعز على الجهود التي يقومون بها بحسب الإمكانيات، لكن هذا لا يكفي ما لم يتم إيقاف دخول هذه الأدوية من المنفذ، حتى وإن كانت مقدّمة هبة من منظمات عليهم تفتيشها، وعدم السماح بدخول أي نوع من الأدوية مر على تصنيعها أكثر من 3 أشهر، وفحص مدى فعاليتها، وجودتها وصحتها".
- جريمة بحق الإنسانية
من جهته، يقول مدير حقوق الإنسان في أمانة العاصمة الحكومي، فهمي الزبيري: "تعتبر هذه القضية جريمة ضد الإنسانية، وقتلا متعمدا، وانتهاكا للقانون الدولي الإنساني، ولقانون حقوق الإنسان، وانتهاكا لحقوق الطفولة التي تنتهك على نطاق واسع في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي".
وأوضح أن "القطاع الصحي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، يشهد عبثا واسعا وتدهورا بعد أن أزاحت المليشيا الكوادر الطبية ذات الكفاءة والقدرة التي تتمتع بالنزاهة والمشهود لها، وتبديلها بعناصر سلالية تهمها المتاجرة وجني أكبر قدر من الأموال، من خلال السيطرة على أكبر قدر من المستشفيات، وشركات الأدوية".
وأشار إلى أن "الموانئ والمنافذ اليوم مفتوحة أمام المليشيات، فهي تقوم بتهريب ليس فقط الأدوية وإنما المخدرات والأسلحة والطائرات المسيّرة، والتي تقوم المليشيا بالمتاجرة بها".
وقال: "المنظمات الدولية تمارس فسادا واسعا، تنهب مليارات الدولارات، وتقوم بتقديم أدوية ومواد غذائية الكثير منها سيّئة التخزين وغير صالحة، ونحن ندعو لفتح ملف تحقيق دولي عادل في هذه الجرائم، وهي جرائم لا يجب السكوت عنها مطلقا".
- نتيجة للتجريف
من جهته، يقول الدكتور تيسير السامعي، مسؤول الإعلام بمكتب الصحة العامة والسكان بمحافظة تعز: "ما حصل في صنعاء هو نتيجة لتجريف الكوادر المؤهلة والمدرّبة منذ سنوات طويلة، واستبدالها بكوادر غير مؤهلة، وتقوم بالتعامل مع حياة الناس بهذه الطريقة".
وأضاف: "ما حصل أيضا تعد جريمة إنسانية بحق أطفال أبرياء تم قتلهم بشكل بشع، وهو نتاج طبيعي لهيمنة قوى متطرّفة تجعل من أفكارها وقناعتها الأصل بعيدا عن حياة الناس".
واعتبر أن "الأمر ليس خطأ طبيا، كون الخطأ الطبي نتائجه محدودة تؤدي إلى وفاة شخص، لا أن ت دي بوفاة عشرات الأشخاص"، مشيرا إلى "أننا أمام جريمة لم يسبق لها مثيل، وبحاجة إلى تحقيق عادل وشفاف، بعيدا عن كل الصراعات والمكايدات السياسية، لمعرفة المجرم الحقيقي، والمتسبب فيها".
وأشار إلى أن "الشرائع الإنسانية جاءت من أجل الحفاظ على حياة الناس، واعتبرت الحياة من أقدس المقدسات، لكن عندما يكون هناك جماعة متطرّفة تفرض أفكارها ومعتقداتها، على حساب حياة الناس فهي تحدث مثل هذه الكوارث".
وئال: "وزارة الصحة الحكومية هي المسؤولة عن كافة المواطنين في كافة محافظات الجمهورية، ويقع عليها العبء الأكبر، ويجب عليها أن تتعامل بشكل مباشر مع منظمة الصحة العالمية، التي لا تزال حتى الآن تعمل من العاصمة صنعاء".
وأضاف: "بقاء منظمة الصحة العالمية في صنعاء يثير الكثير من التساؤلات، وبحكم عملي كصحفي متخصص في الإعلام الصحي، أرى بأن هناك تواطؤا كبيرا من قِبل منظمة الصحة العالمية مع الحوثيين، ولا تمارس دورها بالشكل المطلوب، كونها المعنية عن قطاع الصحة في اليمن، كون البلد يعيش حالة حرب".



