تقارير
كيف ساهم الانقسام بين النخب السياسية في إسقاط الدولة وتغذية الانقلاب؟
مر 11 عاماً على انقلاب ميليشيا الحوثي واستيلائها على السلطة، الانقلاب الذي كان ثمرة مباشرة لمسار طويل مهّدت له النخب السياسية والعسكرية بفسادها وفشلها وتذاكيها.
على امتداد هذه السنوات لم تغيّر النخب أدواتها، بل واصلت بالنهج ذاته الذي سمح بسقوط الدولة في المقام الأول، فأطالت بذلك عمر الانقلاب وأعاقت كل إمكانية لتجاوزه.
النخب اليمنية التي فشلت في حماية الدولة من الانقلاب هي ذاتها التي أدارت مرحلة ما بعده، بمنطق المناورة والارتهان، الأمر الذي جعل ميليشيا الحوثي الانقلابية تتغذى من ضعف خصومها أكثر مما تتغذى من قوتها الذاتية.
لذلك تحولت السنوات الإحدى عشرة إلى زمن ضائع عُطّلت فيه فرص الإصلاح والتحرير واستُنزفت فيه موارد البلاد تحت قيادة منقسمة ومرتهنة.
- النخب تستثمر مصالحها
يقول الصحفي عبد العزيز المجيدي: من المؤسف أن النخب اليمنية لا زالت تجتر نفس ماضيها في الصراع والنكاية والنقمة والحقد، وأعتقد أن عشر سنوات ماضية من الحرب أثبتت أن النخب والقيادات التي كانت في واجهة المشهد عندما تسللت ميليشيا الحوثي إلى صنعاء، لا زالت هي نفسها تتسبب بالكثير من النكبات لليمنيين وتغرقهم في صراعات، وأصبحت غير قادرة على أن تكون جزءاً من الحل.
وأضاف: الصراعات السياسية أصبحت تتخذ صورة النقمة والكيد، ولم تعد تكترث بفكرة أن البلد بحاجة إلى مخرج أو يواجه مأزقاً كبيراً، بينما يغرق اليمنيون كل يوم في إشكالات ومصائب.
وتابع: هذه النخب لا زالت تحاول أخذ الجميع معها إلى زوايا بعيدة عن اهتمامات الناس، فالكثير من الصراعات الهامشية هي التي تأخذ النخب السياسية باتجاه حساباتها ومصالحها.
وأردف: ما كان قبل الحرب من حالة انقسام وتشرذم وحسابات مرتبطة بأطراف خارجية، انعكس بصورة مكثفة وسلبية أكبر عندما انخرط الناس في الحرب، حيث تشتتت الصفوف بدلاً من أن تلتحم في خندق واحد لمواجهة ميليشيا الحوثي، وأصبحت هذه المكونات والقوى تتصارع فيما بينها وتتسابق للحصول على مكاسب شخصية بعيداً عن هموم الناس وأولوياتهم، وحتى بعيداً عن الاهتمام بالقوات والمقاومة في الجبهات.
وزاد: هناك نخب سياسية تستثمر مصالحها بطريقة صنعت لنا هذه المأساة الكبيرة والمتطاولة.
وقال: ما بعد الانقلاب، كل طرف ذهب لتقديم الولاء لعاصمة إقليمية أو قوة دولية مستمداً شرعيته منها أكثر من الداخل.
وأضاف: معظم الأطراف التي تشكل مشهد النخبة السياسية مرتبطة بأطراف خارجية وتتلقى منها التوجيهات وترتبط بأجندتها.
وتابع: شاهدنا هذا بوضوح خلال فترة الحرب؛ عندما كانت المقاومة والجيش يقاتلان الحوثي، كانت هذه الأطراف تنشغل بقضايا جانبية وتحاول إشغال من يقاتل الحوثي بقضايا وتفاصيل صغيرة.
- النخب أوصلت الحوثي إلى صنعاء
يقول عضو قيادة مجلس المقاومة الجنوبية رئيس تجمع القوى المدنية الجنوبية، عبد الكريم السعدي: إن سبب دخول الحوثي إلى صنعاء الرئيسي هو تناحر القوى أو "مكايدات" النخب التي أوصلت الحوثي إلى صنعاء، وليس قوة الحوثي نفسه الذي بقي محشوراً في زاوية في مرّان لست أو سبع سنوات.
وأضاف: لم يخرج الحوثي من مرّان إلا حين تآمرت القوى على بعضها وخانت الوطن وسلّمت صنعاء، وما زالت هذه القوى، القديمة التي حملت الحوثي على ظهرها إلى صنعاء، أو الجديدة التي استحدثها الإقليم لتمثل مشاريعه، تمارس نفس طريقتها في إيذاء الوطن وخيانته.
وتابع: ضعف هذه القوى هو السبب الرئيسي في سقوط الدولة، لأنها لم تستند على الشارع في برامجها السياسية، بل استندت على دعم الخارج وتوجيهه ورسم سياساته، وبالتالي نجدها مستعدة دائماً للبيع مقابل البقاء في المشهد السلطوي، حتى لو كان هزلياً كما نراه اليوم في عدن أو صنعاء.
وأردف: القوى لم تستفد من الدروس، والشارع يحتاج لمواجهة هذه القوى أولاً، لأن معركة استعادة الدولة لن تنتصر إلا برفع الوعي لمواجهة هذه النخب التي تصر على أنها تمثل إرادة الشعب.
وزاد: هذه القوى أثبتت خلال سنوات الحرب أنها يجب أن تكون في المعتقلات والمحاكم، لأنها السبب الرئيسي في مأساة اليمن.
وقال: يجب أن يكون هناك تيار وطني يبدأ برفع الوعي، ويتحمّل مسؤوليته ويغيّر موازين القوى التي فرضها الإقليم وأجنداته الخارجية علينا، وتكون اليمن في أولوياته، لا مشاريع الغير.
- النخب لم تتعلم الدروس
يقول الباحث الأكاديمي الدكتور عادل دشيلة: إن الوضع معقّد منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب الصراع بين القوى السياسية، ولم نرَ استقراراً سياسياً منذ قيام الوحدة اليمنية.
وأضاف: قبل أن يصل الحوثي إلى عمران، كانت بعض القوى السياسية واضحة، منها حزب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وبعض الرموز القبلية المحسوبة عليه، بالإضافة إلى تداخل المشاريع الإقليمية والصراعات السياسية بين أسرة آل الأحمر وعلي عبد الله صالح وعلي محسن، والتجمع اليمني للإصلاح.
وتابع: الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، قالها بوضوح: "عليّ وعلى أعدائي"، وكان أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته أحزاب المعارضة حينما منحت الرئيس الراحل الحصانة من الملاحقة القانونية.
وأردف: الخطأ لم يكن في منح الحصانة، ولكن في الاستخدام السيئ لها، فحتى الدولة في عهد الرئيس عبد ربه منصور هادي كانت تتخلى عن القبائل التي تواجه الحوثيين في صعدة، وترسل وساطات قبلية.
وزاد: نرى اليوم نفس سيناريو ما كان يحصل في عمران: "اتركوا جماعة الحوثي تؤدب القشيبي، تؤدب الإصلاح، تؤدب آل الأحمر، وبعد ذلك سنتحاور مع جماعة الحوثي".
وقال: حينما سقط جدار الجمهورية في عمران، دخلت الجماعات الحوثية وأدّبت الحلفاء وغير الحلفاء وشردت الجميع من صنعاء.
وأضاف: النخب لم تتعلم من الدروس، وما تزال تمارس نفس الدور السلبي، سواء النخب المثقفة أو السياسية، وهي التي تتحمّل المسؤولية الكاملة عن الأزمة.
وتابع: يجب أن تكون هناك ملاحقات قانونية لكل من ساهم في إسقاط العاصمة صنعاء، سواء بالكلمة أو القلم أو الشحن المذهبي والمناطقي، كما حصل في رواندا حيث تمت محاكمة النخبة التي شاركت إعلامياً وسياسياً في إسقاط البلاد قبل محاكمة المجرمين السياسيين.



