تقارير
كيف يمكن استثمار الدعوات الحقوقية لفتح تحقيق في جرائم غزة؟
قالت مقررة الأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا البانيز، إنه لم يبق مبدأ من مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان لم تنتهكه إسرائيل في غزة، وإن الإبادة الجماعية في قطاع غزة تحدث بإذن العالم، كما حدث في سربرنيتسا، ورواندا.
ورغم ما تنقله شاشات القنوات الفضائية وشهادات الضحايا، وحالة الغضب الإنساني المتنامي في أكبر عواصم العالم، إلا أن آلة الحرب الصهيونية لا تزال مستمرة بحق الفلسطينيين.
وفي محاولة للتصدي لوحشية الكيان الصهيوني، تسعى منظمات دولية لرفع دعوة في محكمة الجنايات الدولية ضد قادة الحرب الإسرائيليين. فما الجدوى من هذا التحرك؟ وكيف يمكن استثماره قانونيا وسياسيا بما يثبت حق الضحايا، وضمان ألا يفلت المجرمون من العقاب؟
يتساءل الصحفي والناشط الحقوقي - محمد الأحمدي: "ما الذي لم يفعله الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين حتى الآن على مدى أكثر من 80 يوماً، ونحن نشاهد مشاهد مروعة، وجرائم يندى لها الجبين ضد الفلسطينيين ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني في غزة؟".
- غياب التحركات الدولية
وقال: "كل ما يتعلق بصنوف الانتهاكات وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية انتهكت خلال هذه الحرب، بدءاً بالقصف الذي طال كل شيء، كل ما يتحرك على الأرض في هذه المساحة الجغرافية البسيطة، قتل وأصيب إلى الآن عشرات الآلاف من الضحايا معظمهم من الأطفال والنساء".
وأضاف: "شاهدنا كيف يتم استهداف الأطفال في مدارس الأونروا التابعة للأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون ملاجئ وأماكن آمنة، ومحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، لكن إسرائيل على مدى تاريخها، ومنذ نشأة هذا السرطان في الجسم العربي لم تلتفت يوما لمسألة قانون دولي، أو قانون حقوق الإنسان أو غيره".
وتابع: "إسرائيل كيان فصل عنصري بامتياز، وبتوقيع خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحقوق الإنسان، وصولا إلى هذه الجرائم، جرائم القتل خارج نطاق القانون، وجرائم الإبادة الجماعية، كما جاء على لسان أكثر من خبير أممي، خلال الفترة السابقة، حيث حذر أكثر من 30 خبيرا لحقوق الإنسان في شأن الإبادة الجماعية، التي يمارسها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في غزة".
وأردف: "على صعيد الواقع، لا توجد أي تحركات فعلية حقيقية دولية، ولا إرادة دولية واضحة لوقف هذه المجازر والإبادات الجماعية".
وزاد: "في أعقاب الدخول البري لقوات الاحتلال إلى غزة، وتلقيه خسائر فادحة، تطور الأمر إلى محاولة خلق انتصارات أمام الداخل الإسرائيلي من خلال اعتقال الفلسطينيين العُزّل، والأبرياء المدنيين من أماكن النزوح، وتجريدهم من ملابسهم بمن فيهم أطفال ونساء، كما شاهدنا في مشاهد نُشرت مؤخراً، حيث تم تصويرهم على أن هؤلاء أعضاء في حركة المقاومة الإسلامية حماس".
وأشار إلى أن "روايات الاحتلال الإسرائيلي تتساقط واحدة تلو الأخرى، في البداية عندما أعلن عدوانه الغاشم على غزة".
وقال: "في الأيام الأولى، كانت الصهيونية تروج لرواية أن حماس، في السابع من أكتوبر، قطعت رؤوس الأطفال، واغتصبت النساء في مستوطنات غلاف غزة، لكن الرواية لم تصمد قليلاً، وفشلت فيها إسرائيل فشلاً ذريعاً بموازاة الفشل العسكري، وتحت وقع الضربات التي تلقاها من رجال المقاومة في غزة:.
وأضاف: "اليوم إسرائيل تقوم باعتقال الأبرياء والمدنيين ثم تعريتهم في الهواء، وفي ظروف الشتاء في وسط هذا البرد، وتصويرهم على أن هؤلاء إرهابيون كما يسميهم الكيان الإرهابي المحتل، وإضافة إلى ممارسة الجرائم الانتقامية بحق الأسرى في سجون الاحتلال، واستمعنا شهادات بعض الأشخاص المحررين من سجون الاحتلال، أطفال كيف كُسرت أذرعهم، كيف تعرضوا للضرب، وأشخاص تم إعدامهم داخل السجون".
وتساءل: "ما الذي تفعله إسرائيل في غزة؟"، مضيفا: "أنه سؤال كبير وواسع، ويمكن الحديث بالأدلة والشواهد إلى ما لا نهاية عن هذه الجرائم المروعة، التي تجري في هذه المنطقة الجغرافية من العالم تحت سمع وبصر العالم، ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية".
وتابع: "يمكن تقديم دعاوى للمحاكم المسؤولة عن كل هذه الجرائم، وهناك إجراءات ومحامون تطوعوا لتقديم ملفات أمام محكمة الجنايات الدولية".
وأردف: "حتى في الفترات السابقة، كان هناك قرارات إدانة للاحتلال الصهيوني في جرائمه بحق الشعب الفلسطيني في وقائع مختلفة، طوال فترة عُمر هذا الاحتلال".
وزاد: "كان هناك إدانات صادرة من الهيئات الحقوقية في الأمم المتحدة، لكن الإشكالية في غياب الإرادة الدولية، وفي وجود قوى دولية كالولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا وغيرها من الدول، التي تقف وراء دعم وإسناد هذا الكيان لارتكاب جرائمه دون محاسبة طوال الفترات السابقة".
وقال: "نحن اليوم نشاهد على المسرح الدولي تطورات وتغيّرات في موازين القوى، وهذا ربما يسمح بتفعيل مسائل المحاسبة، وملاحقة مجرمي الحرب من قادة الكيان الصهيوني، وجرائمهم في حق الفلسطينيين".
وأضاف: "كذلك الضغط الشعبي في بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، قد يسفر عن بَلوَرة خطوات معيّنة من شأنها محاسبة قادة الكيان الصهيوني على جرائمهم في هذه الحرب الأخيرة".
- أهداف الاحتلال
يقول الباحث في الشأن الفلسطيني محمود الخطيب: "إن ما تقوم به قوات الاحتلال في غزة من جرائم بشعة بحق المدنيين على مرأى ومسمع العالم بكله ليست وليدة الصدفة، إنما هي ممنهجة من ضمن العملية العسكرية، التي تقوم بها قوات الاحتلال، خصوصا في شمال قطاع غزة".
وأضاف: "يمكننا رصد عدة أهداف تحاول قوات الاحتلال تحقيقها من خلال هذه الجرائم البشعة، التي تخترق كل القواعد والأعراف الدولية".
وأشار إلى أن "الهدف الأول: هو ما قام بإعلانه رئيس وزراء الكيان المحتل، بنيامين نتنياهو، في أول يوم، وأول خطاب قام بالتصريح به علناً، ونصح سكان غزة إلى الاتجاه جنوباً باتجاه مصر، وهو هدف التهجير".
وتابع: "لذلك هو يسعى من هذه العمليات المتوحشة والغاشمة في حق أبناء شعبنا الفلسطيني إلى إجبار الشعب ومواطني مدينة غزة وقطاعها، وخصوصاً شمال مدينة غزة، إلى الهجرة، والنزوح نحو الجنوب؛ تمهيدا إلى نزوحهم نحو الأراضي المصرية؛ تحقيقاً للهدف الذين يسعون إلى تحقيقه منذ 30 عاماً، وهو إفراغ غزة من سكانها".
وأردف: "هذا تصديق لما قاله آريل شارون في عام 2002، حينما سُئل عن قطاع غزة، وكرر قول بيجن حين، قال: أتمنى أن أصحى يوماً وأجد غزة قد ابتلعها البحر، هم فرحون في ذلك، ولا يخشون في ذلك لومة لائم، هذا الهدف الأول، وهو تحقيق التهجير".
وقال: "الهدف الثاني -من وجهة نظري- هو التغطية على عجزه في مواجهة المقاومة الفلسطينية، ونحن نرى أنه أعلن، منذ اليوم الأول، أن أهداف العملية العسكرية تتلخص في القضاء على المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، ثم استعادة المحتجزين أو الأسرى".
وأضاف: "عجز الاحتلال عن تحقيق أي هدف عسكري يمكن تسويقه أمام الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تضغط على الحكومة الصهيونية ضغطاً شديداً، لذلك هو يسعى إلى اختلاق إنجازات مصطنعة ليسوّقها أمام الجبهة الداخلية، وينقذ رقبته من المحاكمات الداخلية والدولية".
وتابع: "أما الهدف الثالث -برأيي- هو سياسة العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني، وهو يريد أن يوصل رسالة إلى الشعب الفلسطيني بأنكم طالما تدعمون حركات المقاومة فلن تهنأوا بالعيش في قطاع غزة، يريد أن ينفذ بهم جميع أنواع الإبادة الجماعية؛ عقوبةً لهم على ما قاموا به من احتضان وتأييد لحركات المقاومة الفلسطينية".
وأردف: "فيما الهدف الرابع، يحاول من خلال هذه العمليات أن يجعل الحياة في قطاع غزة مستحيلة حتى يجبر الفلسطينيين -إن لم يستطع أن يقوم بترحيلهم ترحيلاً آنيًا- فهو سيقوم وسيحاول تهجيرهم جزئياً، كما ذكر أمس بنيامين في خطابه".
وقال: "لذلك هو يريد تدمير كل معالم الحياة في قطاع غزة، جميع منظمات القطاع الحكومي، والخدمة العامة، والمستشفيات، والقطاع الصحي، والمدارس والجامعات؛ حتى تصبح الحياة في قطاع غزة للمواطنين الفلسطينيين مستحيلة، ويضطروا إلى مغادرة هذه الأراضي نحو مصر أو نحو الخارج".
واعتبر أن "الاحتلال يقوم برسم أهداف لنفسه، ويتخذ الجرائم البشعة المخالفة للقانون الدولي وسيلة من أجل تحقيق هذه الأهداف، ويقتنع بأن الغاية تبرر الوسيلة؛ أيًّا كانت الوسيلة هي متاحة، وهو أعطى الأوامر لجميع جنوده باتخاذ أي إجراء مناسب في ساحة الحرب دون الرجوع إلى القيادة، وأعطاهم الأوامر باستهداف أي هدف متحرك، أو أي بشر".
- غياب القوانين الدولية
تقول المحامية والناشطة الحقوقية إيناس زايد: "في فلسطين لا توجد أي قاعدة من قواعد اتفاقيات جنيف الدولية، أو حتى بالاتفاقيات الأخرى، إلا وتم انتهاكها على مرأى ومسمع العالم، وبالصوت والصورة".
وأضافت: "هناك انتهاكات بكافة قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا يوجد التزام بأي قاعدة من قواعد الحرب، هناك تفاصيل دقيقة كنا نرصدها في البداية، ولكنها أصبحت هناك جرائم أكثر بشاعة، بحيث لا يمكن أبدا التستر عليها، أو حتى تبريرها بأي شكل من الأشكال".
وتابعت: "المؤسف في الأمر أن ازدواجية المعايير، وكيف أصبح العالم يرى هذه المشاهد والجرائم بعين أخرى غير تلك التي ترى بها ذات المشاهد في الحرب الأوكرانية - الروسية على سبيل المثال، وكيف تحرّك العالم باتجاه أن يقوم بإقامة وتأسيس محكمة جنائية لمحاكمة الرئيس الروسي".
وأردفت: "فيما الآن نرى الجرائم متعددة الأطراف، وهناك شركاء في الحرب، والإمدادات العسكرية، وفي الجنود، هذا الأمر كله يعني أن كل ما يراه العالم بعين أن الإنسان الفلسطيني إنسان من الدرجة الثانية، ولا يمكن تبرير ما يحدث الآن، او الموقف العالمي فيما يحدث في غزة والضفة الغربية، والانتهاكات التي تحدث من قبل الاحتلال والمستوطنين".
وزادت: "لذلك نحن -كقانونيين- عندما نرى ونشاهد هذه الانتهاكات الصارخة والفاضحة في القانون الدولي الإنساني، وأقولها أنا كباحث في القانون الدولي الإنساني، اليوم إذا لم يكن هناك تفعيل لهذه القواعد فلا يجب على العالم أن يقوم بتفعيلها في أي مكان في العالم، أي أنه لا يوجد قانون، ونعترف بهذا الأمر".
وقالت: "كنا نعول، ونقول دائماً -كـ حقوقيين وكـ قانونيين- إن هناك آليات دولية يمكن أن نقول عليها آليات متفقة على الولايات المتحدة في مجلس حقوق الإنسان، أو حتى الجوانب المتفرعة عن المحاكم الدولية، أو حتى المحكمة الدولية الجنائية".
وأضافت: "كنا نقول إن هناك العديد من الطرق والوسائل، التي يمكن بها تحقيق العدالة للمدنيين والضحايا، وكنا نقدم الرسائل ونقوم بتقديم كل الأدلة والتوثيقات، التي نحصل عليها من الأرض، وكنا ندافع بشراسة، ولكن اليوم عندما نرى أن ذات الآليات غير ذي قيمة، وغير ذي فعالية، ونحن نتحرك على صعيد المؤسسات الحقوقية، أو على صعيد المحامين، على مستوى البلدان المتعددة،.
وتابعت: "لم نرَ التحرك الدولي بالآليات المعترف بها من قِبل العالم، والأصل في هذه الآليات أن تقوم بالتحرك عند وجود أي انتهاك لحقوق الإنسان، ليس فقط في مناطق ومناطق أخرى، وفي إقليم وإقليم آخر، وهذا الأمر فعلياً هو ما يدعونا اليوم إلى أن نفكر في ما جدوى الأمم المتحدة اليوم إذا كنا نقول إنها لا تستطيع وقف نزيف الدماء منذ ثلاثة أشهر إلى الآن".
وأشارت إلى أن "21 ألف مدني قتلوا لغاية اليوم، وما زالوا يقتلون، ولا يتم التحرك".
واستطردت: "هناك انتهاكات على كافة الأصعدة، ومستويات خطيرة جدا، عندما يترك الأطفال في المستشفيات، عندم تترك النساء حوامل، وفي قارعة الطريق هناك استهداف للأشخاص العاملين في المجال الإنساني، هناك استهداف متعمد للطواقم الطبية، هذه الأمور كلها وصلت مستويات فاحشة من الانتهاكات".
وتابعت: "لذلك لا نستطيع اليوم أن نقف ونقول بأننا نطالب الأمم المتحدة والآليات الدولية بالتحرك، هكذا بكل بساطة، إذا لم يكن هناك إرادة، والأصل في هذه الآليات ألا تكون مسيَّسة، ولكن اليوم الإرادة السياسية هي التي تتحكم بها، وعلى سبيل المثال حق النقض في الفيتو".



