تقارير
مآسي الأفق المسدود.. هكذا صارت الهجرة حلما لليمنيين!

"لم يعد هناك شيء نعمله في هذا البلد، سوى انتظار الموت"، بهذه العبارة اليائسة يصف عاصم السيَّاني الوضع المحبط، الذي يعيشه، وكثير من الناس الذين دمّرت سنوات الحرب آمالهم وأحلامهم، قبل أن تدمّر بلدهم ومقدراتها.
وبحزن يعتصر قلبه، يتحدث عاصم عن أكثر من خمس سنوات من الدمار والقتل والتشرد، وكيف حولته من موظف يمتلك عملاً وراتباً شهرياً، إلى عاطلٍ عن العمل، يقف في طابور طويل للحصول على معونات غذائية، يستلمها كل ستة أشهر، وديون أثقلت كاهله، ومنزل مطالب بإخلائه، والبحث عن مسكن آخر.
ليس هناك من أمل يعيش لأجله، أو انفراجة يترقّبها، وكل شيء يقود إلى الجنون أو الانتحار، بحسب السياني الذي لم يكن يوماً يحلم بالغربة، والبُعد عن وطن أحبّه، وعشق ترابه والعيش فيه، لكنه الآن يحلم بالهجرة عن بلد لم يعد له فيه مكان يأوي إليه، ويعصمه من ذلّ الفقر والقهر.
طريق الهروب
ويضيف، وملامح الإحباط والألم ترتسم على وجهه: "أتمنّى أن أهاجر إلى أي بلد آخر، وأترك خلفي كل الهموم والمآسي، فلا أمل بالبقاء في بلد تقاسمه تجار الحروب، والمنتفعون من معاناة الناس وأوجاعهم".
ربما تُحرر الهجرة عاصم من حياة كبّلته بقيود لا فكاك منها، وأزماتٍ معيشيةٍ ونفسيةٍ أرهقته، ولم يعد قادراً على حملها بعد أن كسرت كل مجاديف الأمل، في واقع مُر سيطرت عليه قوى وجماعات انتهازية، سخّرت كل مقدّرات البلد لمصالحها، واستحوذت على المال والوظيفة والقرار.
وبقلب يملأه الألم، فسخ زكي "33 عاماً" خطوبته مضطراً، من الفتاة التي أحبّها، بعد خمس سنوات من الخطوبة، ولم يكن الأمر سهلاً أن يكون الفراق نهاية لقصته، لكن ضغوط أسرتها وأسئلتهم المتواصلة عن موعد الزواج كانت تنزل عليه كالسكاكين.
يحاول زكي أن يتسلّح بالصبر والأمل، ويُخبر من ينكأ جراحه بدافع الفضول أنه "النصيب والقدر"، لكنه يعتصر من الداخل، ويرتشف مرارة العلقم، وصارت نظرته آلى الحياة سوداوية، ولم يعد له أمل في الحياة، بحسب وصفه ل"بلقيس".
صار الحلم بالهجرة من اليمن بمثابة طريق للهروب من واقع مُر لم يكن فيه سوى راتب يعيش به، ووظيفة يعوّل عليها، لكنهما مع اندلاع الحرب ذهبا أدراج الرياح.
لا يملك زكي المال ليُهاجر، وليست لديه خططٌ إلى أين سيتجه، لكنه يقول إن بقاءه في البلد يشعره بالاختناق، وعدم القدرة على التنفس.
قصص ومآسي متشابهة
قصص ومآسي كثيرة، لا حصر لها، لأناس ضاقت بهم الأرض بما رحُبت، ووصلوا إلى طريق مسدود في ظل واقع يحكمه الحرب، وجماعات تسلطت على رقاب الناس، ولا تشعر بأي مسئولية تجاههم.
وليست قصة علي الهجري، الذي توقفت به الحياة من بداية الحرب، بعيدةً عن مأساة الآخرين الذين يتشارك معهم هاجس الغربة، فلم يعد لديه متسع من الصبر، بعد أن جارت عليه الأيام، وحشرته الظروف في زاوية الفقر وقلّة الحِيلة.
كافح الهجري، الذي ينتمي إلى أسرة ليست ميسورة الحال كثيراً، لإكمال دراسته والحصول على الوظيفة التي انتظرها طويلاً.
وفي 2010، أحسّ كأنه في حلم جميل حين حصل على وظيفة حكومية، وشعر بأن الدنيا ابتسمت له أخيراً، وبدأت حياته تستقر، وتزدهر أحلامه بمستقبل كبير ومشاريع طموحة تنسيه مرارة الكدّ والعمل، إلا أنها لم تمضِ سوى سنوات قليلة، مرّت كسحابة صيف، وانتكست حياته مع بدء سنوات الحرب إلى الأسوأ، فخسر راتبه وكل سنوات الكفاح.
يتحسّر الهجري على عُمره الذي أفناه في الدراسة، ويقول في حديثه ل"بلقيس": "أتمنّى لو كنت اغتربت إلى أي بلد من زمان، ولم أضع حياتي بالدراسة".
ولا يتوقّع أن تتوقّف الحرب، التي ارتبطت مصالح كثير من الأطراف ببقائها، حتى بعد عشرين عاماً، لكنه يطرح سؤالاً لطالما ردده كثير من الناس المغلوبين على أمرهم في اليمن: هل ستُحسب هذه السنوات، التي أعادتنا إلى الصفر، من أعمارنا؟



