تقارير
ما دلالات استمرار التطبيع مع "إسرائيل" وعدم تأثر الأنظمة العربية بما تشهده غزة؟
ألا يفترض أن تتحدث السعودية عن مقاضاة "إسرائيل"، وتفتح الباب أمام المحاكمات والانتهاكات والجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، لكن ما حدث غير ذلك، فعلى الرغم من العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، أعلن السفير السعودي لدى بريطانيا، عن اهتمام بلاده بالتطبيع مع "إسرائيل".
تقفز الرياض على الأحداث المأساوية في غزة، وتتناسى القضية الفلسطينية، ومعها معظم الأنظمة العربية، التي باتت تبحث عن مكاسب في الأزمة، وتنساق خلف أوهام سلام مع "إسرائيل"، في استلاب مهين.
- تصريحات متضاربة
يقول مدير عام تنسيقية مقاومة الصهيونية والتطبيع، أنس إبراهيم: "إن السعودية في أكثر من مرة كان لديها تصريحات متضاربة بخصوص التطبيع، فتارة نجدها تصرّح -كما هو تصريح السفير السعودي لدى بريطانيا- بأنها مرحبة بالتطبيع، وتارة أخرى تقول بأنه لا تطبيع ولا علاقات، ومن باب الحب والاهتمام للمملكة العربية السعودية، فنحن نتمنى ألا يكون هناك تطبيع".
وأضاف: "ما تحدث به السفير السعودي له نصفان، النصف الأول قال إن بلاده مهتمة بالتطبيع، وفي النصف الآخر قال إن ما تفعله إسرائيل هي حرب إبادة، ولو فعل ما تفعله إسرائيل بلد آخر كان قد اتخذ بحقه إجراءات، وهذا الأمر بذاته يتنافى مع مبدأ التطبيع".
وتابع: "التطبيع هو جعل الشيء طبيعي، وإسرائيل دولة محتلة تقتل الأطفال والنساء، وفي هذا الوقت في ظل الحرب والقتل والتدمير، هل ممكن أن تكون هناك علاقات طبيعية معها؟".
وأردف: "نحن نرجوا أن يكون تصريح السفير السعودي بشأن التطبيع زلة لسان، وألا يكون موقف السعودية الحقيقي؛ لأن الموقف السعودي الحقيقي يفترض أن ينبثق من موقف عربي أصيل، يدعمه ويشجعه الشعب السعودي، المرتبط بالقضية الفلسطينية دائما وأبدا، وهو الموقف الحقيقي للسعودية".
وزاد: "نرجوا أن يخرج ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، وينفي هذه الادعاءات، ويقول إن السعودية غير ماضية في التطبيع".
- "مشروع إبراهام"
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، الدكتور عبدالباقي شمسان: "إن التطبيع هو إستراتيجية، أو وضع تم الترتيب له منذ عقدين أو أكثر، في إطار ما يسمى بـ مشروع إبراهام، وما يحدث في غزة هو إجراء من إجراءات تهيئة المجال للتطبيع مع إسرائيل".
وأضاف: "المنطقة مرت بأكثر من حدث، منها أولا تم إدخال إيران إلى المجال العربي، وإضعاف المشروع الوطني، أي أنها أوجدت فواعل غير الدولة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، وهو ما أفقد المنطقة العربية ما يسمى بالمشروع القومي، فلم نعد نتحدث عن أي مشروع قومي".
وتابع: "الأمريكان أوجدوا تعددا في الدول المحورية الإسلامية، فهناك تركيا وإيران والسعودية، ثم بوجود هذا المشروع الإيراني عادت الكثير من الدول الوطنية إلى ما قبل الدولة الوطنية، وخسرت مكتسبات الدولة الوطنية، أي أنها أصبحت رهينة الطائفية والعنصرية، سنة - شيعة - مسيحيين - عرب.. ما إلى ذلك".
وأردف: "الأمريكان لديهم علاقات إستراتيجية مع إيران، فهم ذهبوا إلى حوار معها بعيدا عن المملكة العربية السعودية، وضغطوا عليها للحفاظ على مليشيا الحوثي، والحفاظ على الوضع في سوريا، وأوجدوا الوضع القائم على المليشيا في العراق، وهذا يعني أنه لا بُد من إيجاد بيئة تناسب مشروع إبراهام".
وزاد: "هناك خطر إيراني يجعل من هذه الدول أن تطبّع مع إسرائيل، وتتحالف معها، لمواجهة هذا الخطر، وهذه الرسمة والترتيب تمت بعدة مراحل سابقة".
وقال: "نحن مرينا، وأن هذه الجماعات الإسلامية كانت حليف النظام الليبرالي الدولي، في مواجهة المد الشيوعي أثناء الثنائية القطبية، ثم تحولت الدول العربية والإسلامية، وكل من وقف لمواجهة المد الشيوعي، تحول بعد انتهاء وظيفته إلى هدف، بعد أحداث سبتمبر، وأصبح هو الآخر...".
وأضاف: "كانت الدول الغربية تواجه روسيا في المد الشيوعي، ثم أصبحت هذه الدول، التي كانت حليفا، هي الهدف، والجماعات الإسلامية هدفا، ثم دخلنا مرحلة العولمة، ثم مرحلة أخرى، وهي عودة إيران للمنطقة، وتدمير الكثير من المكتسبات، ثم دخلنا في الثورات الشبابية، التي أدت إلى تفجير الحقول السياسية".
وتابع: "الدول في المنطقة العربية كان لديها أزمات شرعية، وأزمات تنمية، وهذا أدى إلى انفجار الحقول، وهم يعرفون أن الجماعات الوحيدة القادرة على الصعود هي الجماعات الإسلامية، باعتبارها أكثر تنظيما ولديها القدرة على مواجهة النظام، وسيتم صعودها إلى السلطة، وهي لا تمتلك خبرة لإدارة الدولة، فسيتم استهدافها، ومن ثم ستنقل هذه الدولة إلى الرعاية الدولية، وإلى البحث عن حلول، كما هو الحال في اليمن والعراق، وغيرهما من البلدان العربية".
وأردف: "كل هذا الاستهداف المنهجي ساهم في عودة الولايات المتحدة وأوروبا إلى المنطقة، وسيؤدي إلى إيجاد ما يسمى بمشروع إبراهام، بمعنى أن هناك ناتو سني، وهذا الناتو السني مجبر على مواجهة الخطر الإيراني".
وزاد: "الناتو السني لا يستطيع أن يعتمد على الأمة الإسلامية؛ لأن هناك ثلاثة محاور، ولا يستطيع أن يتحدث عن البوابة الشرقية للعراق؛ لأنها أخرجت، ولا على مصر، التي أصبحت دولة غير محورية، ولا على الدولة الوطنية، التي أصبحت تقاسمية بين المكونات".
وقال: "هذا المشروع تم التخطيط له منذ 1990م، وهناك أيضا دراسة لـ والتر راسل ميد، اسمها في طريق الدمار، وضعت رؤية للولايات المتحدة الأمريكية للعودة إلى المنطقة".
وأضاف: "إيران دعمت فاعلا غير الدولة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، ومن دعم حماس وساهم في فصلها عن الضفة الغربية، النظام الإسرائيلي أيضا ساهم؛ لأن أي وحدة بين حماس والضفة الغربية يعني أنه مشروع دولة فلسطينية، فلا بد من تأجيل ذلك".
وتابع: "هم كانوا يتوقعون أن هذه الحركة، وهذا الضغط سيؤدي إلى مواجهات مع إسرائيل، وبالتالي تم التخطيط لتدمير غزة، بحيث إن هذه المنطقة تحتاج إلى فاعل وحيد يقيم تحالفا مع إيران، ويتم إضعافه، وهي حماس، بينما سيتم الحفاظ على مليشيا الحوثي، والمليشيا في العراق ولبنان وسوريا؛ لأن بقاء هذه المليشيات والقلق في المنطقة يؤسس لمشروع إبراهام والناتو السني، بينما حماس ينبغي أن تكون فاعلا يجب إضعافه، وتدمير غزة".
وأردف: "هذه الخطوة جاءت لتبرر في المستقبل أنه سيكون هناك تطبيع، فإعادة إعمار غزة تحتاج إلى 20 سنة، وهناك خطورة في فصل الضفة عن غزة، ويجب أن نقول فلسطين ما بعد الحرب، لا أن نقول غزة ما بعد الحرب؛ لأن إسرائيل الآن ستتنفس لـ20 عاما، والكثير من الدول العربية، خلال هذه الفترة، ستذهب للتطبيع، وسيفتحون فيها، بعد فترة طويلة، مسارا سياسيا، حتى تتغير المعطيات".



