تقارير
ما دلالات مخاوف الحوثيين بعد سقوط بشار الأسد؟

تمر مليشيا الحوثيين بحالة من التخبط والفزع والخوف من إمكانية تكرار سيناريو سقوط الرئيس السوري بشار الأسد في اليمن، وهو ثاني حليف لإيران ضمن ما يسمى محور الممانعة، أو محور المقاومة، ينهار بعد حزب الله اللبناني، فضلا عن ضعف إيران ذاتها، الداعم الرئيسي للحوثيين، بعد تعرضها لضربة إسرائيلية قاسية دمرت نسبة كبيرة من دفاعاتها الجوية ومخازن أسلحتها، ولم تجد إيران إزاء ذلك إلا التقليل من أثره.
- مخاوف وهروب إلى الأمام
اللافت في استنفار الحوثيين، وتهديداتهم الاستباقية بمواجهة أي حرب ضدهم، ومسارعتهم إلى تكثيف جهود تطييف المجتمع والتجنيد والتحريض وعقد الاجتماعات، أنها تأتي رغم عدم توفر أي مؤشرات عملية في الميدان لإنهاء انقلابهم على السلطة الشرعية والقضاء على حكمهم الطائفي الاستبدادي الذي لا يقل بشاعة عن حكم بشار الأسد، ولا يتعدى الأمر مجرد مطالب شعبية بالقضاء على الحوثيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتصريحات محدودة لسياسيين أو تحركات دبلوماسية مريبة يُفهم منها أنه قد تكون هناك ترتيبات لعمل عسكري في اليمن ضد الحوثيين.
وبالرغم من أن الخطر محدق بالحوثيين فعلا، جراء تهاوي المحور الإيراني الذي كانوا يحتمون به، لكنهم فضلوا سياسة الهروب إلى الأمام، بدلا من التكيف مع الواقع الجديد، فالاعتقالات مستمرة بدلا من إطلاق سراح السجناء السابقين، وطالت الاعتقالات مؤخرا عددا من المواطنين الذين عبروا عن سرورهم بسقوط نظام بشار الأسد.
كما يواصل الحوثيون إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على سفن تجارية في البحر الأحمر، وبعضها يُطلق باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة منهم لإثبات أنهم ما زالوا أقوياء وغير مبالين بالتحولات الإقليمية الراهنة، وربما تكون هناك مبالغات من جانب الحوثيين بشأن هجماتهم الأخيرة ضد الاحتلال الإسرائيلي والسفن في البحر الأحمر.
وفي الواقع، لا يخشى الحوثيون من ضربات جوية ضدهم، سواء أكانت إسرائيلية أم أمريكية، لأنه لا توجد لديهم أهداف كبيرة ستنهار قوتهم في حال ضربها، فمليشياتهم تعتمد على تكتيك التحرك في مجاميع صغيرة ومتناثرة في جبهات متعددة مما يصعب استهدافها بشكل فعال، ومعظم أسلحتهم خفيفة وبدائية ومخزنة في مقار حكومية أو في منازل مواطنين أو معارضين تم نهبها أو مصادرتها، وبقية الأسلحة، كالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، هي في الأساس قليلة وموزعة في الجبال والهضاب، ويتم تغيير مواقعها باستمرار لتجنب استهدافها، وكل ذلك يجعل أي هجمات جوية ضدهم بلا جدوى.
فضلا عن ذلك، كانت السنوات الأولى من الحرب قد علمت الحوثيين كيفية امتصاص أثر الغارات الجوية على مخازن الأسلحة وعلى مراكز القيادة والسيطرة، مما زاد من مناعتهم ضد مثل هكذا ضربات، وبالتالي فإن ما يخشاه الحوثيون ليس الضربات الجوية من الخارج، بل المعارك البرية القادمة من الداخل، حيث يمكن مواجهة مليشياتهم بشكل مباشر وفعال وإضعافهم في الميدان، والتقدم صوب العاصمة صنعاء، وهذا هو ما يُفسر مخاوفهم من اليمنيين الرافضين لحكمهم أكثر من خوفهم من أمريكا وإسرائيل أو الضربات الجوية على مواقع فارغة.
أما بشأن استهداف قيادات المليشيا الحوثية، فالمليشيا لديها هيكل قيادي واسع ومتضخم، كاللجنة الثورية العليا، والمجلس السياسي الأعلى، وعدد كبير من القيادات الميدانية الذين يطلقون عليهم صفة "مشرفين"، وهؤلاء من الصعب تتبعهم جميعا واغتيالهم عبر الغارات الجوية.
أما قيادات الصف الأول فليس لديهم مقرات إقامة دائمة، فهم يتنقلون بشكل دائم في منازل وفلل منهوبة أو مصادرة في صنعاء وغيرها، للتمويه وتجنب استهدافهم عبر الغارات الجوية، وربما تكون بعض القيادات العليا قد غادرت منذ مدة طويلة إلى الخارج، خصوصا زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي، الذي يُعتقد أنه يقيم في إيران منذ بداية الحرب، خشية تعرضه للاغتيال، لكن لا توجد معلومات تؤكد صحة ذلك، وقد تكون أجهزة مخابرات غربية على اطلاع بمكان إقامته.
- دلالات المخاوف والاستنفار
تصاعد حالة الاستنفار لدى مليشيا الحوثيين، وقلقها المتزايد من مصير مشابه لمصير بشار الأسد، يمثل تحولا غير مسبوق في مستوى المخاوف التي تعيشها تلك المليشيا منذ انقلابها على السلطة الشرعية عام 2014، وتعكس هذه المخاوف دلالات عدة، منها:
أولا، هناك عديد مؤشرات على عمل عسكري مقبل ضد مليشيا الحوثيين، وبصرف النظر عما إذا كانت تلك المؤشرات تعكس فعلا استعدادا لعمل عسكري أو مجرد ضغط لإجبار الحوثيين على الانخراط في عملية سلام شاملة، ففي كل الأحوال ليس ذلك في مصلحة الحوثيين، فالحرب ستزيحهم من المشهد اليمني بالقوة، والسلام سيزيحهم من المشهد بالأدوات السياسية، لذلك سيبقى خيار الحرب هو الخيار الأكثر ترجيحا من جانب الحوثيين رغم يأسهم من إمكانية تحقيق النصر في مثل الظروف الراهنة، لكن الأماني ستظل قائمة.
ثانيا، يفتقر الحوثيون للشرعية السياسية، سواء في الداخل أو الخارج، فهم ليسوا نظام حكم معترف به دوليا، ولم يعد لديهم حليف إقليمي أو دولي يزودهم بالمال أو السلاح، كما أنهم منبوذون شعبيا، بسبب الفساد والنهب والاعتقالات والتعذيب في السجون السرية ونهب رواتب الموظفين وإثقال كاهل التجار والمواطنين بالإتاوات الجائرة وتحميلهم فاتورة الحرب وثمن ثراء قيادات المليشيا.
يضاف إلى ذلك تخليهم عن المسؤولية الاجتماعية تماما، وتسببهم بانهيار قطاعات التعليم والصحة ومختلف الخدمات العامة، فضلا عن مصادرة الحقوق والحريات، وطغيان الطابع البوليسي وكبت المجتمع، وهي كلها تصرفات جعلت الشعب ينفر منهم، وينتظر ساعة الخلاص.
ثالثا، يشعر الحوثيون بالضعف وانهيار معنوياتهم جراء انهيار حلفائهم في المحور الإيراني الذين كانوا أكثر منهم قوة ونفوذا وتسليحا وحواضن شعبية.
رابعا، تعاني مليشيا الحوثيين من عزلة إقليمية ودولية اشتدت وطأتها بعد انهيار المحور الإيراني وتفككه، ولم يبق سواها، أي مليشيا الحوثيين، كآخر قلاع ذلك المحور المتهاوي، وهي الأقل عددا والأكثر ضعفا وهشاشة مقارنة بمكونات المحور الإيراني المنهارة.
خامسا، يشعر الحوثيون بعدم اليقين بشأن المستقبل، وعدم توفر خيارات للمناورة والتحايل، فالحرب أو السلام سيؤديان كلاهما إلى نتيجة واحدة كما ذكرنا: الخروج من المشهد اليمني بالقوة العسكرية أو بواسطة الأدوات السياسية في حال الخضوع للسلام.
سادسا، البعد التاريخي للأزمة اليمنية، وتجارب اليمنيين مع تاريخ الحكم الإمامي المظلم، الذي جاء الحوثيون من رحمه، يجعل من الصعب على الشعب اليمني التعايش مع ذلك الحكم أو القبول به، وبالتالي فالخلاص من الحوثيين مسألة مصيرية بالنسبة للشعب اليمني، بصرف النظر عن الحسابات الإقليمية والدولية المتعلقة باليمن وبموقع الحوثيين من أي عملية سياسية يُراد فرضها على اليمنيين.
فالطابع العنصري السلالي والمليشيوي للحوثيين تنعدم معه أي فرص للسلام والمشاركة السياسية والتعايش، ولا يوجد نمط لنظام حكم يجمع بين الجمهورية والإمامة، وحتى المحاصصات الطائفية في بعض البلدان العربية لا يمكن تطبيقها في اليمن، ولا يمكن أن يقبل بها الحوثيون أنفسهم، لأنهم يطمحون للانفراد بحكم البلاد كلها، وإقصاء جميع الأطراف الأخرى، وتشريد المناوئين لهم في المنافي والسجون.
أخيرا، يبدو أن الحوثيين غادروا أوهامهم بأنهم قوة لا تقهر، وأدركوا أن مزاعم التمكين الإلهي مجرد خرافة، وباتوا على يقين أن أي عمل عسكري ضدهم ستكون نتيجته طي صفحتهم إلى الأبد، فهم أضعف بكثير من حزب الله اللبناني وبشار الأسد، ويدركون مدى ضعفهم أكثر من الآخرين، وتصريحات قياداتهم المتشنجة والتهديد والوعيد تعكس الضعف والقلق والخوف الذي يمرون به، والرهانات التي كانوا يراهنون عليها، كانقسام الخصوم وتدليل المجتمع الدولي لهم، انتهت بانتهاء الوضع الذي كان قائما قبل التطورات الأخيرة.
كما أن المخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة التي جنبت الحوثيين الخطر الكبير قبل أشهر لم تعد قائمة، بعد أن اتضح أن تقديرات قوة المحور الإيراني من جانب خصومه كانت خاطئة، والحوثيون هم أضعف عناصر ذلك المحور، ومخاوفهم من أي عمل عسكري ضدهم تعكس حالة الضعف التي يمرون بها، وبذلك يتضح للجميع أن قوة الحوثيين وأسطورة المحور الإيراني بأكمله كانت مجرد سراب، سرعان ما تبدد أمام أول اختبار حقيقي لقوتهم المزعومة.



