تقارير
ما دور القضاء في تحقيق التوازن بين المؤجرين والمستأجرين في ظل أزمة السكن بتعز؟

في عام 2015م، تعرّض منزل المواطن عبد القوي الجبري للتدمير الكامل؛ جراء استهدافه بصاروخ من قِبل التحالف في محافظة تعز، مما أدى إلى مقتل عشرة من أفراد أسرته، أما ما تبقى من أسرته، فلم يجدوا مأوًى.
يقول المحامي والمستشار القانوني صلاح أحمد، الذي ترافع عن قضيّته أمام المحكمة: “استأجر موكلي شقة للسكن في المدينة، وعلى الرغم من أنه كان يدفع 130 ألف ريال يمني، إلا أن صاحب الشقة طلب إخراجه، أو دفع الإيجار بالعملة السعودية، وهو الأمر الذي عجز موكلي عن تنفيذه”.
وأضاف: "المستأجر، الذي كان يسكن في الشقة منذ قرابة 9 أعوام، خرج يجر أذيال الهزيمة بعد صدور حكم المحكمة في 2024م لصالح المالك".
وفي مقارنة عكسية، لم تلجأ أم ميرا (37 عامًا) إلى المحكمة؛ لأنها تدرك النتيجة الحتمية، عندما طلب منها مالك المنزل دفع الإيجار بالعملة السعودية لشقة صغيرة مساحتها 50 مترًا.
تقول: “في نهاية سنة 2024م، قدّم لنا مالك الشقة ورقة يطالب فيه بدفع 300 ريال سعودي، أو إخلاء الشقة، في بداية عام 2025م ولم يكن هناك شقق شاغرة".
وأضافت: "اضطررت إلى دفع المبلغ، فلم يكن أمامنا خيار آخر، ولا أحد ينصفنا، حتى من يرفعون قضايا ضد المالكين يجدون أن القضاء لا ينصفهم”.
- القضاء والتوازن
في ظل الأزمات الاقتصادية، يتحمل القضاء مسؤولية كبيرة في تحقيق التوازن بين المؤجرين والمستأجرين.
"تطبيق مبادئ المرونة والإنصاف يمثل المفتاح لضمان العدالة في هذه الظروف الصعبة، مما يعزز الثقة في النظام القضائي، ويحافظ على استقرار العلاقات التعاقدية"، كما يفيد المحامي والمستشار القانوني صلاح أحمد.
يقول صلاح: “يبرز دور القاضي كعنصر محوري في قضايا الإيجار، حيث يتمتع بسلطة تعديل العقود، وتطبيق المرونة عند تنفيذ الأحكام".
وأضاف: "الهدف هو إنهاء النزاعات بما يتوافق مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وضمان حقوق الطرفين بطريقة عادلة”.
بحسب المحامي صلاح، الذي يتولى عادة الدفاع عن قضايا الإيجارات، فإن نسبة الارتفاع في الإيجارات وصلت إلى 300%، خاصة في تعز، حيث أصبحت العقارات لا تُؤجَّر إلا بالعملة الصعبة (الريال السعودي أو الدولار) في السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أنه “لا توجد حماية للمواطنين، والشروط التي يفرضها المالكون تعجيزية وغير قانونية، وقد أصدرت السلة المحلية بعض التعميمات والقرارات التي تبقى حبرًا على ورق، ولا تُنفذ في أرض الواقع".
وأكد أن "ما يحدث فوق طاقة المواطن، خصوصًا مع انهيار العملة المحلية”.
- مواجهة صعبة
من جانبه، يقول المحامي القانوني هاشم العزي: “الوضع الاقتصادي المتدهور أدى إلى صعوبة سداد الإيجارات، وقد يمتد الأمر إلى أشهر".
وأضاف: "المحاكم مكتظة بالقضايا، لكن المحزن أن أغلبها تنتهي لصالح المالك، كما يقول المثل: ‘من قال حقي غلب’”.
وأوضح العزي: “عدم وجود نصوص قانونية تحكم العلاقة في الظروف الطارئة، التي تمر بها البلاد، مثل انقطاع أو تأخر المرتبات، يعد من أكبر التحديات".
وتابع: "لا توجد إشارات في القانون المنظم لعلاقة المؤجر والمستأجر حول هذه القضايا”.
ولفت إلى أن “ما يعانيه المستأجرون يعكس عدم وجود حماية قانونية لهم منذ بداية عقد الإيجار، بسبب جهل المستأجرين بالشروط اللازمة لحماية حقوقهم".
وبيّن: "بعض المؤجرين يضعون شروطًا تعسفية في العقود، نوصي بإبرام عقود إيجار شاملة لكل التفاصيل المهمة لحماية المستأجر”.
- حرب موازية
يشهد قطاع البناء في العديد من المدن توقفًا شبه كامل في السنوات الأخيرة؛ نتيجة التدهور الاقتصادي والصراع المستمر.
يقول الكاتب الصحفي وسام محمد: “الإيجارات أصبحت تلتهم جزءًا كبيرًا من دخل المواطن العادي، ناهيك عن الموظف الحكومي، الذي يستهلك راتبه بالكامل، أو أكثر"، مؤكدا أن "الأمر أصبح كابوسًا”.
وأضاف: “لم يعد أمام المستأجرين سوى الرضوخ لمطالب المؤجرين، أو إخلاء المسكن".
وتابع: "هناك حرب موازية بين المؤجرين والمستأجرين، تنتهي دائمًا لصالح الطرف الأول".
وأوضح: "الأمر لم يعد يتعلق فقط بمطالبات المؤجرين بزيادة الإيجار؛ بسبب انخفاض قيمة العملة، بل يطلبون أكثر؛ لأن الطلب على المساكن في ازدياد".
وأردف: "السبب يعود إلى تقاعس السلطات عن دورها، وعدم وجود دور حاسم للقضاء في إنصاف المستأجرين”.
-الحلول الممكنة
يشدد المحامي هاشم العزي على ضرورة إنشاء جهة متخصصة تكون مجهزة بكافة الاحتياجات المادية والبشرية، وتُجري مسحًا شاملًا للعقارات، وتراقب العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
كما يجب أن يكون هناك ربط إلكتروني لحالة العقار بعد المسح الميداني والرفع الدقيق؛ لضمان حل المشكلات بشكل قانوني، مع فرض رقابة حقيقية على المؤجرين.
- أنماط جديدة في القضاء
يقول القاضي أنور المجيدي، رئيس محكمة يفرس الابتدائية في تعز، إن "المستأجرين يواجهون صعوبة في دفع الإيجارات المرتفعة، وهو ما يستدعي تدخل المحاكم لتعديل العقود بما يحقق العدالة".
وأضاف: "يجب على القاضي أن يراعي الظروف الاقتصادية ويطبق مبدأ 'روح القانون'؛ لتجاوز الجمود في النصوص القانونية، خاصة تلك التي تنحاز للطرف الأقوى".
وأوضح القاضي المجيدي: “من الضروري إصدار قرارات مركزية تحمي المستأجرين في ظل الظروف الاستثنائية، مثل ربط الزيادة السنوية بالإيجار بالأوضاع الاقتصادية، حماية المستأجرين من الإخلاء التعسفي، ورفض الدعاوى التعسفية ضدهم، وتعديل العقود بما يضمن المرونة ويطبق مبدأ ‘لا ضرر ولا ضرار’”.



