تقارير
محادثات السعودية مع الحوثيين.. عمل عدائي يهدد حاضر اليمن ومستقبله

لا يمكن تفسير استجداء السعودية للمحادثات مع المليشيا الحوثية الانقلابية إلا بالعمل العدائي للشعب اليمني بمختلف مكوناته وأطيافه، بعد أن ظلت تواصل منح المكاسب والامتيازات للمليشيا الحوثية منذ بداية عملية "عاصفة الحزم" وحتى اليوم، وكانت البداية بمنع الجيش الوطني من استعادة السيطرة على العاصمة صنعاء ووقف المعارك في الحدود الشطرية قبل عام 1990، ثم اتجهت إلى إضعاف الجيش الوطني والسلطة الشرعية وزرع العداوات والانقسامات في أوساط مكونات الصف الجمهوري المناوئة للانقلاب الحوثي كي تضعف ولا تستطيع إنهاء الانقلاب، قبل أن تذهب أخيرا إلى إجراء محادثات علنية ومباشرة مع المليشيا الحوثية، وهي محادثات بمنزلة اعتراف من المملكة بالانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.
ورغم أن السعودية تجري مفاوضات علنية وأخرى سرية مع مليشيا الحوثيين منذ سنوات، إلا أن المحادثات الأخيرة بين الطرفين اكتسبت زخما كبيرا كونها أول محادثات مباشرة ومعلنة بينهما، وكونها أيضا أتت بعد زيارة ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للسعودية، محمد بن سلمان، إلى سلطنة عمان، والتي استمرت ستة أيام، ولم يُعلن الهدف منها وماذا حققت، واكتفى الإعلام السعودي بوصفها بأنها "زيارة خاصة"، لكن يبدو أن الهدف من تلك الزيارة طلب محمد بن سلمان من سلطنة عمان استئناف وساطتها بين بلاده ومليشيا الحوثيين، وطرحه أفكارا جديدة على القيادة العمانية تتضمن تنازلات لتقديمها للحوثيين لتحفيزهم على استئناف المحادثات مع المملكة.
- استياء شعبي
وقد حظيت المباحثات الأخيرة باهتمام الإعلام السعودي وبترحيب أممي وإقليمي ودولي، وهو ترحيب يعكس جهل المجتمع الدولي بطبيعة الأزمة القائمة في اليمن وجذورها التاريخية. وبنفس الوقت أثارت تلك المحادثات استياء مكونات يمنية كثيرة وفي مقدمتها تحالف الأحزاب السياسية المؤيدة للسلطة الشرعية والرافضة للانقلاب الحوثي، والتي أكدت في بيان لها على ضرورة إشراكها في أي محادثات تتعلق بعملية السلام في البلاد، كما أثارت تلك المحادثات استهجان جميع المكونات اليمنية، لأن السعودية التي لا تمتلك شبرا واحدا في اليمن ولا يحق لها فرض وصاية ولو على مواطن يمني واحد، لا يحق لها أن تعطي شيئا باسم اليمن لمن لا يستحق، أي مليشيا سلالية وافدة تفتخر بنسبها الأجنبي وترى أنها أحق بحكم سكان البلاد الأصليين الذين تصنفهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
والأخطر من ذلك أنه بمجرد استضافة السعودية وفد مليشيا انقلابية، وقبل ذلك زيارة السفير السعودي لدى اليمن إلى العاصمة صنعاء قبل أشهر للقاء قادة مليشيا الحوثيين، كل ذلك يدخل في نطاق الأعمال العدائية لليمن من ناحية قانونية، يضاف إلى سجل الأعمال السعودية العدائية لليمن منذ وقوفها ضد ثورة 1948، وحربها على ثورة 26 سبتمبر 1962، وتقديمها الدعم للإمامة بكثافة، وأيضا استدعاء دول أخرى لمساندة الإمامة عسكريا.
كما أن السعودية عُرفت بعدائها المبكر للوحدة اليمنية قبل الإعلان عنها عام 1990، وفي عام 1994 ساندت المحاولة الانفصالية، وبعد تدخلها عسكريا في اليمن عام 2015، ما تزال تستفز اليمنيين بمواقفها المريبة من المليشيا الحوثية ودعمها هي والإمارات للانفصاليين، وكل ذلك للنيل من ثورة 11 فبراير 2011، والانتقام من الشعب اليمني بتقطيع أوصال البلاد وتسليمها لمليشيات وتشكيلات عسكرية بدائية، كل ذلك لقطع الطريق على أحلام اليمنيين بدولة مدنية حديثة مستقرة ومزدهرة.
- مباحثات تثير المخاوف
لا تبعث المباحثات السعودية الحوثية على التفاؤل وإنما تثير المخاوف، حتى وإن كانت السعودية جادة فعلا في إنهاء الحرب في اليمن وإنجاز تسوية سياسية وليس لديها خطط أخرى لتفخيخ الوضع في اليمن من خلال محاولة القفز على الواقع بفرض تسوية سياسية هشة تجبر المجلس الرئاسي على القبول بها، فالمباحثات تجري بين طرفين معاديين لليمن، كما أن استثناء السلطة الشرعية ومختلف المكونات اليمنية من المحادثات يعني أن السعودية تعمل على مصادرة إرادة اليمنيين وفرض الوصاية عليهم في قرار الحرب والسلم معا وتحديد مصير البلاد وفق رغبتها، فأفسدت الحرب على المليشيا الانقلابية والآن تحاول إفساد مسار السلام.
وإذا كان إفساد الحرب يعني إطالة أمدها وترحيل معركة الحسم إلى أجل غير مسمى، فإن السلام المفترض الذي تريد السعودية إنجازه في اليمن ليس سلاما وإنما إضفاء تعقيدات جديدة على الأزمة وبالتالي تفخيخ المستقبل بحروب أكثر ضراوة ودموية مما لو أن القضاء على الانقلاب الحوثي تم في وقت مبكر لا سيما أن ذلك كان ممكنا، أي إنهاء الانقلاب الحوثي، وما زال إنهاء الانقلاب ممكنا إلى الآن، لكن كلفته ستكون كبيرة في المستقبل.
وتزداد المخاوف من المحادثات السعودية الحوثية خشية أن تتضمن بنودا سرية كامتداد للبنود السرية التي تضمنتها المصالحة السعودية الإيرانية، لأن الاهتمام السعودي المفاجئ هذه المرة بالتفاوض مع مليشيا الحوثيين، والذي جعل ولي العهد السعودي يذهب إلى سلطنة عمان طالبا منها استئناف الوساطة مع المليشيا الحوثية، لا يمكن اختزال ذلك الاهتمام بأنه من أجل فتح بعض الطرق والموانئ ودفع رواتب الموظفين وغير ذلك من القضايا الجانبية التي تعد من أعراض الانقلاب الحوثي وستزول بزواله، وإنما تحرك ذلك الاهتمام رغبة السعودية في نقل اليمن إلى وضع تراه مناسبا لها لتتفرغ لتنفيذ رؤية 2030.
كما أن إثارة مثل تلك القضايا الجانبية وجعلها دائما محور محادثات ومفاوضات ووساطات، يعد تقزيما للقضية اليمنية بأبعادها السياسية والتاريخية، فمعركة اليمنيين مع المليشيا الحوثية الهدف منها إنهاء الانقلاب الحوثي ومنع عودة نظام الحكم الإمامي الطائفي السلالي العنصري، وإعادة بناء الجمهورية على أسس سليمة، وتجاوز كل مخلفات الماضي التي أفضت إلى الوضع القائم اليوم، وليس اختزال قضية وطن ومصير شعب في جوانب إنسانية تسببت بها المليشيا الحوثية ذاتها.
وأما ما يُنشر من تسريبات بشأن أن السعودية تعتزم تسليم 80% من عائدات النفط للحوثيين وانسحاب القوات الأجنبية من اليمن (القوات السعودية والإماراتية)، فإن ذلك بهدف تشتيت الأذهان وصرفها عن حقيقة ما يدار في الغرف المغلقة من محادثات، أو مفاوضات، ظاهرها فيه السلام وحسن النوايا، وباطنها فيه المؤامرات والنوايا السيئة التي لا يُعرف مستقرها والمدى الذي ستصل إليه.
- ما بعد السلوك العدائي
تدرك السعودية حساسية اليمنيين إزاء مسألة تثبيت سيطرة مليشيا الحوثيين أو جعلها طرفا مناوئا ضمن تسوية سياسية هشة، نظرا للتجارب المريرة لليمنيين مع الإمامة خلال العقود الماضية، وأيضا تجربتهم المريرة مع حكم سلطات الأمر الواقع للمليشيا الحوثية التي تسيطر على عدد من محافظات شمال البلاد، كما تدرك السعودية حساسية الشعب اليمني إزاء دعم مشاريع الانفصال وتشكيل جماعات مسلحة خارج نطاق وزارة الدفاع اليمنية، ومع ذلك تتعمد السعودية الضرب على الوتر الحساس لليمنيين كانعكاس لنهجها العدائي المزمن ضد اليمن، غير مبالية بعواقب ذلك على مستقبل العلاقات بين البلدين.
إن الأعمال العدائية لبلد ضد بلد آخر تورث ضغائن تظل كامنة في النفوس وتزرع عداوات مستدامة ستعبر عن نفسها عندما تحين أي فرصة تدفع بخروجها للعلن، ولن يكون لعلاقات حسن الجوار أي معنى إذا كان السلوك العدائي التاريخي نمطا حاكما أو موجها لعلاقة السعودية مع اليمن، وهو سلوك يصعب تفسيره كليا من الناحية السياسية لأنه يتضمن أبعادا نفسية لعل أقل توصيف لها أنها تعكس السلوك العدواني غير المبرر للإنسان البدائي الذي لم يستطع الانتقال إلى مرحلة احترام سيادة الدول ومراعاة مقتضيات حسن الجوار.



